مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
الوجه القبيح لديمقراطية إسرائيل
في عام 1968، أثناء وجودي في حديقة هايد بارك بالعاصمة البريطانية لندن، صادفت رجلا إسرائيليا كان يهتف متسائلا: «هل يوجد عرب هنا؟». وعندما أجبته بالإيجاب، وجّه إليَّ حديثه قائلا: «لماذا أنتم ضد إسرائيل؟»، ثم أخذ يدافع عنها، مدعيًا أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة.
وبعد كل هذه السنوات، لا أدري إن كان ذلك الرجل لا يزال على قيد الحياة، ليرى بأم عينيه حقيقة إسرائيل التي كان يتغنى بديمقراطيتها، وليكتشف أنها لا تؤمن بالديمقراطية بقدر ما تقدّس الفكر الصهيوني، وتضعه فوق كل اعتبار.
والدليل على ذلك ما نشهده اليوم من مواقف تجاه الأحزاب العربية وأصوات الناخبين الذين منحوها ثقتهم في الانتخابات الأخيرة، إذ يبدو أن هذه الأصوات لا تحظى بالاحترام السياسي الذي تستحقه، ولا يُعترف بحق ممثليها في المشاركة في الحياة السياسية وتشكيل الحكومة.
نحن نعيش زمنًا لم يعد فيه بمقدور الصديق أو العدو إخفاء عيوبه أو التستر على ادعاءاته الباطلة؛ فالمواقف والممارسات أصبحت تكشف حقيقة الشعارات التي يرفعها أصحابها.
وفي هذا السياق، أود الإشارة أيضًا إلى أنَّ نتائج انتخابات الكونجرس الأمريكي كشفت عن جانب آخر من تراجع شعبية إسرائيل داخل الولايات المتحدة، إذ لم تعد الادعاءات الإسرائيلية تجد القبول السابق لدى قطاعات من الرأي العام، بمن في ذلك الناخبون الأمريكيون، كما أصبح استمرار الدعم المالي والعسكري الأمريكي لإسرائيل، رغم ما ترتكبه من جرائم حرب في غزة، موضع انتقاد متزايد، وهو ما انعكس في النقاش السياسي والانتخابي الأمريكي.
وأود أن أؤكد هنا أننا لا نخلط بين اليهود بوصفهم بشرًا وأتباع ديانة سماوية، والسياسات الإسرائيلية والفكر الصهيوني الذي يقوم على التمييز والاستعلاء؛ فالمشكلة تكمن في الاعتقاد بالتفوق على الآخرين وحرمانهم من حقوقهم، وهو ما يتناقض مع أبسط مبادئ الدولة التي تدّعي أنها تحمل لواء الديمقراطية في المنطقة.
وقد حرصنا على إبراز هذا التناقض الإسرائيلي في الصفحة الأولى من عدد الجريدة اليوم، حتى يكون الجميع على اطلاع بالممارسات التي تكشف حقيقة المشهد داخل المجتمع الإسرائيلي. فإذا كان المستوطنون يمارسون العنصرية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، فإنَّ بعض الساسة الإسرائيليين لا يقلون عنصرية عنهم، بل يمارسونها في الداخل أيضًا، من خلال رفض الاعتراف الكامل بحقوق المواطنين العرب السياسية، وعدم تقبل مشاركتهم في أي حكومة إسرائيلية جديدة.
لقد شاهد العالم بنيامين نتنياهو وهو يحمل مكبرًا للصوت في شوارع تل أبيب، ويصرخ في وجه الإسرائيليين مطالبًا إياهم بالتصويت لصالحه، حتى لا يصل العرب إلى الكنيست. وبعد ظهور النتائج، حاول التشكيك في نزاهة الانتخابات، متهمًا الأحزاب التي يقودها عرب بسرقة الأصوات.
وفي المقابل، أكدت لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية أن نزاهة الانتخابات لم تتعرض لأي مساس، فيما دعا رئيس اللجنة، قاضي المحكمة العليا نوعام سولبرغ، المسؤولين المنتخبين إلى حماية ثقة الجمهور بدلا من زعزعتها.
وقال سولبرغ خلال لقائه الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ: «هذا خطر حقيقي، إذ إن أحد أسس الديمقراطية هو الانتقال السلمي للسلطة».
ولم تتوقف المواقف عند هذا الحد، إذ دعا حلفاء نتنياهو من اليمين المتطرف، من بينهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، إلى اعتقال قادة الأحزاب العربية واستجوابهم فورًا، في موقف يكشف حجم الاستهداف السياسي الذي تتعرض له هذه الأحزاب.
إنَّ هذه الممارسات لا تمت بصلة إلى قواعد العمل الديمقراطي السليم؛ فاحترام نتائج الانتخابات وحق الناخبين في اختيار ممثليهم التزام أساسي لا يجوز الانتقاص منه.
وإذا كانت أصوات المواطنين العرب قد منحت أحزابهم حضورًا مؤثرًا في الكنيست، فإنَّ ذلك يعكس تنامي ثقلها في المعادلة السياسية الإسرائيلية، ويجعلها رقمًا لا يمكن تجاهله عند تشكيل الحكومات المقبلة.
واللافت أن أطرافًا سياسية إسرائيلية تسعى إلى استقطاب الكتلة العربية والاستفادة من أصواتها لتأمين مصالحها السياسية، لكنها لا تبدو مستعدة لمنح ممثلي هذه الكتلة موقعًا حقيقيًّا في السلطة، وكأن المطلوب من العرب أن يمنحوا أي ائتلاف قادم تأييدهم من دون أن يكون لهم نصيب في المسؤولية أو المشاركة الوزارية.
هذا هو الوجه القبيح للديمقراطية الإسرائيلية؛ ديمقراطية تريد أن تضع الصهيونية فوق قواعد العمل الديمقراطي، وأن تقبل بأصوات العرب حين تحتاج إليها، ثم تتنكر لحقهم في المشاركة عندما يحين وقت اقتسام السلطة.
ولعل من المفارقات التي تستحق التوقف أمامها أن أبناء المهاجرين استطاعوا الوصول إلى مقاعد الكونجرس الأمريكي والمشاركة في صناعة القرار، بينما لا تزال الأحزاب الإسرائيلية ترفض منح المواطنين العرب حقهم في المشاركة في الحكومة الجديدة، رغم دعوتهم إلى التصويت والمشاركة في الانتخابات، ورغم أن أصواتهم قد تكون حاسمة في تغيير المشهد السياسي والتخلص من نتنياهو وسياساته.
الديمقراطية لا تُقاس بالشعارات التي ترفعها الدول، بل بمدى احترامها لحقوق مواطنيها، ولا سيما حين تأتي نتائج صناديق الاقتراع بما لا تشتهيه السلطة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك