العدد : ١٧٧٦١ - الأحد ٠٨ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٦١ - الأحد ٠٨ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

الوجه القبيح لديمقراطية إسرائيل

في‭ ‬عام‭ ‬1968،‭ ‬أثناء‭ ‬وجودي‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬هايد‭ ‬بارك‭ ‬بالعاصمة‭ ‬البريطانية‭ ‬لندن،‭ ‬صادفت‭ ‬رجلا‭ ‬إسرائيليا‭ ‬كان‭ ‬يهتف‭ ‬متسائلا‭: ‬‮«‬هل‭ ‬يوجد‭ ‬عرب‭ ‬هنا؟‮»‬‭. ‬وعندما‭ ‬أجبته‭ ‬بالإيجاب،‭ ‬وجّه‭ ‬إليَّ‭ ‬حديثه‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬لماذا‭ ‬أنتم‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل؟‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬أخذ‭ ‬يدافع‭ ‬عنها،‭ ‬مدعيًا‭ ‬أنها‭ ‬الدولة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

وبعد‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬السنوات،‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الرجل‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة،‭ ‬ليرى‭ ‬بأم‭ ‬عينيه‭ ‬حقيقة‭ ‬إسرائيل‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يتغنى‭ ‬بديمقراطيتها،‭ ‬وليكتشف‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تؤمن‭ ‬بالديمقراطية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تقدّس‭ ‬الفكر‭ ‬الصهيوني،‭ ‬وتضعه‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬اعتبار‭.‬

والدليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬مواقف‭ ‬تجاه‭ ‬الأحزاب‭ ‬العربية‭ ‬وأصوات‭ ‬الناخبين‭ ‬الذين‭ ‬منحوها‭ ‬ثقتهم‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬إذ‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأصوات‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬بالاحترام‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬تستحقه،‭ ‬ولا‭ ‬يُعترف‭ ‬بحق‭ ‬ممثليها‭ ‬في‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬وتشكيل‭ ‬الحكومة‭.‬

نحن‭ ‬نعيش‭ ‬زمنًا‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬فيه‭ ‬بمقدور‭ ‬الصديق‭ ‬أو‭ ‬العدو‭ ‬إخفاء‭ ‬عيوبه‭ ‬أو‭ ‬التستر‭ ‬على‭ ‬ادعاءاته‭ ‬الباطلة؛‭ ‬فالمواقف‭ ‬والممارسات‭ ‬أصبحت‭ ‬تكشف‭ ‬حقيقة‭ ‬الشعارات‭ ‬التي‭ ‬يرفعها‭ ‬أصحابها‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أود‭ ‬الإشارة‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬نتائج‭ ‬انتخابات‭ ‬الكونجرس‭ ‬الأمريكي‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬شعبية‭ ‬إسرائيل‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الادعاءات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬تجد‭ ‬القبول‭ ‬السابق‭ ‬لدى‭ ‬قطاعات‭ ‬من‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬بمن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الناخبون‭ ‬الأمريكيون،‭ ‬كما‭ ‬أصبح‭ ‬استمرار‭ ‬الدعم‭ ‬المالي‭ ‬والعسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬ترتكبه‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬موضع‭ ‬انتقاد‭ ‬متزايد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬السياسي‭ ‬والانتخابي‭ ‬الأمريكي‭.‬

وأود‭ ‬أن‭ ‬أؤكد‭ ‬هنا‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نخلط‭ ‬بين‭ ‬اليهود‭ ‬بوصفهم‭ ‬بشرًا‭ ‬وأتباع‭ ‬ديانة‭ ‬سماوية،‭ ‬والسياسات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬والفكر‭ ‬الصهيوني‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬والاستعلاء؛‭ ‬فالمشكلة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بالتفوق‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬وحرمانهم‭ ‬من‭ ‬حقوقهم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتناقض‭ ‬مع‭ ‬أبسط‭ ‬مبادئ‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تدّعي‭ ‬أنها‭ ‬تحمل‭ ‬لواء‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

وقد‭ ‬حرصنا‭ ‬على‭ ‬إبراز‭ ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬الصفحة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬الجريدة‭ ‬اليوم،‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬اطلاع‭ ‬بالممارسات‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬حقيقة‭ ‬المشهد‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬المستوطنون‭ ‬يمارسون‭ ‬العنصرية‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬بعض‭ ‬الساسة‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬لا‭ ‬يقلون‭ ‬عنصرية‭ ‬عنهم،‭ ‬بل‭ ‬يمارسونها‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬أيضًا،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رفض‭ ‬الاعتراف‭ ‬الكامل‭ ‬بحقوق‭ ‬المواطنين‭ ‬العرب‭ ‬السياسية،‭ ‬وعدم‭ ‬تقبل‭ ‬مشاركتهم‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬حكومة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬جديدة‭.‬

لقد‭ ‬شاهد‭ ‬العالم‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬وهو‭ ‬يحمل‭ ‬مكبرًا‭ ‬للصوت‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬تل‭ ‬أبيب،‭ ‬ويصرخ‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬مطالبًا‭ ‬إياهم‭ ‬بالتصويت‭ ‬لصالحه،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬العرب‭ ‬إلى‭ ‬الكنيست‭. ‬وبعد‭ ‬ظهور‭ ‬النتائج،‭ ‬حاول‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬نزاهة‭ ‬الانتخابات،‭ ‬متهمًا‭ ‬الأحزاب‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭ ‬عرب‭ ‬بسرقة‭ ‬الأصوات‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬أكدت‭ ‬لجنة‭ ‬الانتخابات‭ ‬المركزية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬أن‭ ‬نزاهة‭ ‬الانتخابات‭ ‬لم‭ ‬تتعرض‭ ‬لأي‭ ‬مساس،‭ ‬فيما‭ ‬دعا‭ ‬رئيس‭ ‬اللجنة،‭ ‬قاضي‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬نوعام‭ ‬سولبرغ،‭ ‬المسؤولين‭ ‬المنتخبين‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬ثقة‭ ‬الجمهور‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬زعزعتها‭.‬

وقال‭ ‬سولبرغ‭ ‬خلال‭ ‬لقائه‭ ‬الرئيس‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬إسحاق‭ ‬هرتسوغ‭: ‬‮«‬هذا‭ ‬خطر‭ ‬حقيقي،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬أحد‭ ‬أسس‭ ‬الديمقراطية‭ ‬هو‭ ‬الانتقال‭ ‬السلمي‭ ‬للسلطة‮»‬‭.‬

ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬المواقف‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬إذ‭ ‬دعا‭ ‬حلفاء‭ ‬نتنياهو‭ ‬من‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬وزير‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬إيتمار‭ ‬بن‭ ‬غفير،‭ ‬إلى‭ ‬اعتقال‭ ‬قادة‭ ‬الأحزاب‭ ‬العربية‭ ‬واستجوابهم‭ ‬فورًا،‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬يكشف‭ ‬حجم‭ ‬الاستهداف‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬تتعرض‭ ‬له‭ ‬هذه‭ ‬الأحزاب‭.‬

إنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬لا‭ ‬تمت‭ ‬بصلة‭ ‬إلى‭ ‬قواعد‭ ‬العمل‭ ‬الديمقراطي‭ ‬السليم؛‭ ‬فاحترام‭ ‬نتائج‭ ‬الانتخابات‭ ‬وحق‭ ‬الناخبين‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬ممثليهم‭ ‬التزام‭ ‬أساسي‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬الانتقاص‭ ‬منه‭. ‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬أصوات‭ ‬المواطنين‭ ‬العرب‭ ‬قد‭ ‬منحت‭ ‬أحزابهم‭ ‬حضورًا‭ ‬مؤثرًا‭ ‬في‭ ‬الكنيست،‭ ‬فإنَّ‭ ‬ذلك‭ ‬يعكس‭ ‬تنامي‭ ‬ثقلها‭ ‬في‭ ‬المعادلة‭ ‬السياسية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬ويجعلها‭ ‬رقمًا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله‭ ‬عند‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومات‭ ‬المقبلة‭.‬

واللافت‭ ‬أن‭ ‬أطرافًا‭ ‬سياسية‭ ‬إسرائيلية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬استقطاب‭ ‬الكتلة‭ ‬العربية‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬أصواتها‭ ‬لتأمين‭ ‬مصالحها‭ ‬السياسية،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬مستعدة‭ ‬لمنح‭ ‬ممثلي‭ ‬هذه‭ ‬الكتلة‭ ‬موقعًا‭ ‬حقيقيًّا‭ ‬في‭ ‬السلطة،‭ ‬وكأن‭ ‬المطلوب‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬أن‭ ‬يمنحوا‭ ‬أي‭ ‬ائتلاف‭ ‬قادم‭ ‬تأييدهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لهم‭ ‬نصيب‭ ‬في‭ ‬المسؤولية‭ ‬أو‭ ‬المشاركة‭ ‬الوزارية‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الوجه‭ ‬القبيح‭ ‬للديمقراطية‭ ‬الإسرائيلية؛‭ ‬ديمقراطية‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬الصهيونية‭ ‬فوق‭ ‬قواعد‭ ‬العمل‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬وأن‭ ‬تقبل‭ ‬بأصوات‭ ‬العرب‭ ‬حين‭ ‬تحتاج‭ ‬إليها،‭ ‬ثم‭ ‬تتنكر‭ ‬لحقهم‭ ‬في‭ ‬المشاركة‭ ‬عندما‭ ‬يحين‭ ‬وقت‭ ‬اقتسام‭ ‬السلطة‭.‬

ولعل‭ ‬من‭ ‬المفارقات‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭ ‬أمامها‭ ‬أن‭ ‬أبناء‭ ‬المهاجرين‭ ‬استطاعوا‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مقاعد‭ ‬الكونجرس‭ ‬الأمريكي‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬القرار،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الأحزاب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ترفض‭ ‬منح‭ ‬المواطنين‭ ‬العرب‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة،‭ ‬رغم‭ ‬دعوتهم‭ ‬إلى‭ ‬التصويت‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬الانتخابات،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬أصواتهم‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬والتخلص‭ ‬من‭ ‬نتنياهو‭ ‬وسياساته‭.‬

الديمقراطية‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بالشعارات‭ ‬التي‭ ‬ترفعها‭ ‬الدول،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬احترامها‭ ‬لحقوق‭ ‬مواطنيها،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬حين‭ ‬تأتي‭ ‬نتائج‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬تشتهيه‭ ‬السلطة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا