مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
البحرين والسعودية في خندق واحد
في المفاهيم العسكرية، لا يعني الاصطفاف في خندق واحد مجرد الوجود في جبهة مشتركة، بل يعكس وحدة الهدف وتكامل الإرادة وتماسك الموقف في مواجهة التهديدات، بحيث تصبح حماية أحد الأطراف جزءًا لا يتجزأ من حماية الآخر. ومن هذا المنطلق، تقف مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية في خندق واحد، تجمعهما وحدة المصير وصلابة التحالف وعمق الروابط التاريخية، إنه اصطفاف يتجاوز التضامن السياسي إلى تجسيد حقيقة استراتيجية راسخة: أمن السعودية من أمن البحرين، وأي مساس بسيادة إحداهما يمثل تهديدًا للمنظومة الخليجية بأكملها.
لقد تجاوزت الاعتداءات الحوثية على المملكة العربية السعودية كل الخطوط الحمراء، باستهداف المدن والمنشآت المدنية والاقتصادية والحيوية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ولم تعد هذه الممارسات مجرد تهديد عسكري يمكن احتواؤه أو التعامل معه باعتباره تصعيدًا عابرًا، بل أصبحت تحديًا يستوجب موقفًا حازمًا يتجاوز الإدانة إلى الردع والمحاسبة، ويضع حدًّا لمحاولات ابتزاز الدول وتهديد مصالحها خدمةً لأجندات إقليمية لا تقيم وزنًا لسيادة الشعوب أو حقها في الأمن والاستقرار.
ولا يمكن فهم هذا التصعيد بمعزل عن طبيعة المشروع الإيراني في المنطقة، الذي اعتمد على توظيف المليشيات المسلحة وتوسيع نفوذها خارج إطار الدولة الوطنية، فالحوثيون يمثلون امتدادًا لهذا النهج، وتتقاطع أدوارهم مع الدور الذي يؤديه حزب الله في لبنان والمليشيات المسلحة المرتبطة بإيران في العراق.
والخطر لا يكمن في امتلاك هذه الجماعات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة فحسب، بل في توظيفها ضمن استراتيجية تسعى إلى إبقاء المنطقة في دائرة التوتر، وإخضاع أمن دولها لحسابات توسعية لا تخدم سوى مصالح القوى التي تدعمها.
الجميع يدرك أن المملكة العربية السعودية لها مكانة محورية بوصفها عمود الخيمة الخليجية وأحد أهم مرتكزات الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة، ومن ثم فإنَّ استهدافها لا يمكن اعتباره شأنًا يخصها وحدها، إذ تمتد تداعياته إلى جميع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وإلى أمن الطاقة والتجارة والملاحة الدولية. فالخليج العربي شريان حيوي للاقتصاد العالمي، وأي محاولة لزعزعة استقراره تهدد مصالح تتجاوز حدود المنطقة، في وقت تتطلع فيه شعوبها إلى ترسيخ الأمن ومواصلة مسارات التنمية والازدهار.
ومن هنا، لم يعد مقبولا استمرار العبث بأمن الخليج أو السماح للمليشيات الإرهابية بتكرار اعتداءاتها من دون عواقب رادعة. إنَّ خطورة هذه الممارسات تفرض تحركًا دوليًّا جادًّا يضمن تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ويحاسب مرتكبي الاعتداءات والجهات الداعمة لهم، ويحول دون وصول الأسلحة والقدرات العسكرية إليهم، كما تفرض على دول مجلس التعاون مواصلة تعزيز التنسيق الأمني والدفاعي، بما يحصّن أمنها واستقرارها.
ولا تنفصل خطورة التهديد الحوثي عن المأساة التي يعيشها اليمن منذ انقلاب المليشيا على المسار السياسي والسلمي، التي استنزفت موارد اليمن وأطالت معاناة شعبه وأضعفت مقومات الحياة والتنمية. والمواطن اليمني هو الخاسر الأكبر من استمرار هذا النهج، فيما تواصل المليشيا تقديم أجندتها المسلحة على احتياجات الشعب وتطلعاته. ومن ثم فإنَّ إنهاء التهديد الحوثي لا يمثل ضرورةً لأمن دول الجوار فحسب، بل يشكل أيضًا خطوة أساسية نحو استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها، وتهيئة الظروف لتسوية سياسية تحفظ لليمن وحدته وسيادته وتفتح أمام شعبه أفقًا لمستقبل أكثر أمنًا وكرامة.
وفي مواجهة هذه التحديات، يجسد الموقف البحريني الداعم للمملكة العربية السعودية امتدادًا طبيعيًّا لعلاقة تاريخية راسخة، أثبتت متانتها في مختلف الظروف، وقامت على التكاتف والتعاون ووحدة المصير. فالبحرين، قيادةً وشعبًا، تقف إلى جانب شقيقتها السعودية في كل ما تتخذه من إجراءات مشروعة لصون سيادتها وحماية مواطنيها والمقيمين على أراضيها، وتؤيد حقها الأصيل في الدفاع عن النفس، وهذا تعبير عن إيمان راسخ بأن أمن المملكتين الشقيقتين لا يقبل التجزئة، وأن قوة العلاقات البحرينية السعودية تمثل ركيزة أساسية لتماسك المنظومة الخليجية وقدرتها على مواجهة التهديدات.
إنَّ الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى مليشيا الحوثي ومن يقف وراءها واضحة: أمن الخليج ليس ساحة للمساومة أو الابتزاز، وسيادة دوله ليست مجالا لاختبار القوة أو فرض الأمر الواقع. فالمستقبل الذي تنشده شعوب المنطقة يقوم على التنمية والاستقرار والتعاون، لا على الصواريخ والمسيّرات ومشروعات الهيمنة. وأمام استمرار الاعتداءات، لم يعد المطلوب إدانة ما يحدث فحسب، بل ردع مرتكبيه ومحاسبة داعميهم؛ حمايةً لأمن المنطقة وصونًا لحق شعوبها في الازدهار.
وحين يتعلق الأمر بأمن السعودية، فإن البحرين لا تقف على هامش المواجهة، بل تقف معها في الخندق ذاته، دفاعًا عن أمن الخليج ووحدة مصيره ومستقبله، وإيمانًا بأن التكاتف الخليجي هو السبيل الأقدر على إفشال مشروعات التوسع وحماية دول المنطقة من تداعياتها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك