العدد : ١٧٧٣٧ - الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٧ - الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

البحرين والسعودية في خندق واحد

في‭ ‬المفاهيم‭ ‬العسكرية،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الاصطفاف‭ ‬في‭ ‬خندق‭ ‬واحد‭ ‬مجرد‭ ‬الوجود‭ ‬في‭ ‬جبهة‭ ‬مشتركة،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬وحدة‭ ‬الهدف‭ ‬وتكامل‭ ‬الإرادة‭ ‬وتماسك‭ ‬الموقف‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديدات،‭ ‬بحيث‭ ‬تصبح‭ ‬حماية‭ ‬أحد‭ ‬الأطراف‭ ‬جزءًا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬حماية‭ ‬الآخر‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬تقف‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬والمملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬في‭ ‬خندق‭ ‬واحد،‭ ‬تجمعهما‭ ‬وحدة‭ ‬المصير‭ ‬وصلابة‭ ‬التحالف‭ ‬وعمق‭ ‬الروابط‭ ‬التاريخية،‭ ‬إنه‭ ‬اصطفاف‭ ‬يتجاوز‭ ‬التضامن‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬تجسيد‭ ‬حقيقة‭ ‬استراتيجية‭ ‬راسخة‭: ‬أمن‭ ‬السعودية‭ ‬من‭ ‬أمن‭ ‬البحرين،‭ ‬وأي‭ ‬مساس‭ ‬بسيادة‭ ‬إحداهما‭ ‬يمثل‭ ‬تهديدًا‭ ‬للمنظومة‭ ‬الخليجية‭ ‬بأكملها‭.‬

لقد‭ ‬تجاوزت‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الحوثية‭ ‬على‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬كل‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمراء،‭ ‬باستهداف‭ ‬المدن‭ ‬والمنشآت‭ ‬المدنية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والحيوية‭ ‬بالصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬في‭ ‬انتهاك‭ ‬صارخ‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬والقانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬مجرد‭ ‬تهديد‭ ‬عسكري‭ ‬يمكن‭ ‬احتواؤه‭ ‬أو‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬باعتباره‭ ‬تصعيدًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تحديًا‭ ‬يستوجب‭ ‬موقفًا‭ ‬حازمًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الإدانة‭ ‬إلى‭ ‬الردع‭ ‬والمحاسبة،‭ ‬ويضع‭ ‬حدًّا‭ ‬لمحاولات‭ ‬ابتزاز‭ ‬الدول‭ ‬وتهديد‭ ‬مصالحها‭ ‬خدمةً‭ ‬لأجندات‭ ‬إقليمية‭ ‬لا‭ ‬تقيم‭ ‬وزنًا‭ ‬لسيادة‭ ‬الشعوب‭ ‬أو‭ ‬حقها‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬هذا‭ ‬التصعيد‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬المشروع‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬الذي‭ ‬اعتمد‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬المليشيات‭ ‬المسلحة‭ ‬وتوسيع‭ ‬نفوذها‭ ‬خارج‭ ‬إطار‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬فالحوثيون‭ ‬يمثلون‭ ‬امتدادًا‭ ‬لهذا‭ ‬النهج،‭ ‬وتتقاطع‭ ‬أدوارهم‭ ‬مع‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬يؤديه‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬والمليشيات‭ ‬المسلحة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بإيران‭ ‬في‭ ‬العراق‭.‬

والخطر‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬الصواريخ‭ ‬الباليستية‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬توظيفها‭ ‬ضمن‭ ‬استراتيجية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬إبقاء‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬التوتر،‭ ‬وإخضاع‭ ‬أمن‭ ‬دولها‭ ‬لحسابات‭ ‬توسعية‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬سوى‭ ‬مصالح‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬تدعمها‭.‬

الجميع‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬لها‭ ‬مكانة‭ ‬محورية‭ ‬بوصفها‭ ‬عمود‭ ‬الخيمة‭ ‬الخليجية‭ ‬وأحد‭ ‬أهم‭ ‬مرتكزات‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإنَّ‭ ‬استهدافها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬شأنًا‭ ‬يخصها‭ ‬وحدها،‭ ‬إذ‭ ‬تمتد‭ ‬تداعياته‭ ‬إلى‭ ‬جميع‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية،‭ ‬وإلى‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬والملاحة‭ ‬الدولية‭. ‬فالخليج‭ ‬العربي‭ ‬شريان‭ ‬حيوي‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وأي‭ ‬محاولة‭ ‬لزعزعة‭ ‬استقراره‭ ‬تهدد‭ ‬مصالح‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬المنطقة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتطلع‭ ‬فيه‭ ‬شعوبها‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬الأمن‭ ‬ومواصلة‭ ‬مسارات‭ ‬التنمية‭ ‬والازدهار‭. ‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقبولا‭ ‬استمرار‭ ‬العبث‭ ‬بأمن‭ ‬الخليج‭ ‬أو‭ ‬السماح‭ ‬للمليشيات‭ ‬الإرهابية‭ ‬بتكرار‭ ‬اعتداءاتها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬عواقب‭ ‬رادعة‭. ‬إنَّ‭ ‬خطورة‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬تفرض‭ ‬تحركًا‭ ‬دوليًّا‭ ‬جادًّا‭ ‬يضمن‭ ‬تنفيذ‭ ‬قرارات‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬ذات‭ ‬الصلة،‭ ‬ويحاسب‭ ‬مرتكبي‭ ‬الاعتداءات‭ ‬والجهات‭ ‬الداعمة‭ ‬لهم،‭ ‬ويحول‭ ‬دون‭ ‬وصول‭ ‬الأسلحة‭ ‬والقدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬إليهم،‭ ‬كما‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬مواصلة‭ ‬تعزيز‭ ‬التنسيق‭ ‬الأمني‭ ‬والدفاعي،‭ ‬بما‭ ‬يحصّن‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها‭.‬

ولا‭ ‬تنفصل‭ ‬خطورة‭ ‬التهديد‭ ‬الحوثي‭ ‬عن‭ ‬المأساة‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬اليمن‭ ‬منذ‭ ‬انقلاب‭ ‬المليشيا‭ ‬على‭ ‬المسار‭ ‬السياسي‭ ‬والسلمي،‭ ‬التي‭ ‬استنزفت‭ ‬موارد‭ ‬اليمن‭ ‬وأطالت‭ ‬معاناة‭ ‬شعبه‭ ‬وأضعفت‭ ‬مقومات‭ ‬الحياة‭ ‬والتنمية‭. ‬والمواطن‭ ‬اليمني‭ ‬هو‭ ‬الخاسر‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬النهج،‭ ‬فيما‭ ‬تواصل‭ ‬المليشيا‭ ‬تقديم‭ ‬أجندتها‭ ‬المسلحة‭ ‬على‭ ‬احتياجات‭ ‬الشعب‭ ‬وتطلعاته‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإنَّ‭ ‬إنهاء‭ ‬التهديد‭ ‬الحوثي‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬ضرورةً‭ ‬لأمن‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يشكل‭ ‬أيضًا‭ ‬خطوة‭ ‬أساسية‭ ‬نحو‭ ‬استعادة‭ ‬الدولة‭ ‬اليمنية‭ ‬ومؤسساتها،‭ ‬وتهيئة‭ ‬الظروف‭ ‬لتسوية‭ ‬سياسية‭ ‬تحفظ‭ ‬لليمن‭ ‬وحدته‭ ‬وسيادته‭ ‬وتفتح‭ ‬أمام‭ ‬شعبه‭ ‬أفقًا‭ ‬لمستقبل‭ ‬أكثر‭ ‬أمنًا‭ ‬وكرامة‭.‬

وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬التحديات،‭ ‬يجسد‭ ‬الموقف‭ ‬البحريني‭ ‬الداعم‭ ‬للمملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬امتدادًا‭ ‬طبيعيًّا‭ ‬لعلاقة‭ ‬تاريخية‭ ‬راسخة،‭ ‬أثبتت‭ ‬متانتها‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الظروف،‭ ‬وقامت‭ ‬على‭ ‬التكاتف‭ ‬والتعاون‭ ‬ووحدة‭ ‬المصير‭. ‬فالبحرين،‭ ‬قيادةً‭ ‬وشعبًا،‭ ‬تقف‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬شقيقتها‭ ‬السعودية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تتخذه‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬مشروعة‭ ‬لصون‭ ‬سيادتها‭ ‬وحماية‭ ‬مواطنيها‭ ‬والمقيمين‭ ‬على‭ ‬أراضيها،‭ ‬وتؤيد‭ ‬حقها‭ ‬الأصيل‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس،‭ ‬وهذا‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬إيمان‭ ‬راسخ‭ ‬بأن‭ ‬أمن‭ ‬المملكتين‭ ‬الشقيقتين‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬التجزئة،‭ ‬وأن‭ ‬قوة‭ ‬العلاقات‭ ‬البحرينية‭ ‬السعودية‭ ‬تمثل‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬لتماسك‭ ‬المنظومة‭ ‬الخليجية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديدات‭.‬

إنَّ‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬مليشيا‭ ‬الحوثي‭ ‬ومن‭ ‬يقف‭ ‬وراءها‭ ‬واضحة‭: ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬ليس‭ ‬ساحة‭ ‬للمساومة‭ ‬أو‭ ‬الابتزاز،‭ ‬وسيادة‭ ‬دوله‭ ‬ليست‭ ‬مجالا‭ ‬لاختبار‭ ‬القوة‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع‭. ‬فالمستقبل‭ ‬الذي‭ ‬تنشده‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التنمية‭ ‬والاستقرار‭ ‬والتعاون،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الصواريخ‭ ‬والمسيّرات‭ ‬ومشروعات‭ ‬الهيمنة‭. ‬وأمام‭ ‬استمرار‭ ‬الاعتداءات،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المطلوب‭ ‬إدانة‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬ردع‭ ‬مرتكبيه‭ ‬ومحاسبة‭ ‬داعميهم؛‭ ‬حمايةً‭ ‬لأمن‭ ‬المنطقة‭ ‬وصونًا‭ ‬لحق‭ ‬شعوبها‭ ‬في‭ ‬الازدهار‭.‬

وحين‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بأمن‭ ‬السعودية،‭ ‬فإن‭ ‬البحرين‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬المواجهة،‭ ‬بل‭ ‬تقف‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬الخندق‭ ‬ذاته،‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬ووحدة‭ ‬مصيره‭ ‬ومستقبله،‭ ‬وإيمانًا‭ ‬بأن‭ ‬التكاتف‭ ‬الخليجي‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الأقدر‭ ‬على‭ ‬إفشال‭ ‬مشروعات‭ ‬التوسع‭ ‬وحماية‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬تداعياتها‭.‬

 

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا