العدد : ١٧٧٤٩ - الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٩ - الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

.. بين التفهم والغضب وحسابات القوة الناعمة

كيف‭ ‬نستخدم‭ ‬أدواتنا‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬والإعلامية‭ ‬لتعزيز‭ ‬حضورنا،‭ ‬وكيف‭ ‬نبني‭ ‬علاقات‭ ‬دولية‭ ‬أكثر‭ ‬توازنا،‭ ‬وكيف‭ ‬نضمن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مصالحنا‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬شركائنا‭ ‬عندما‭ ‬تواجه‭ ‬المنطقة‭ ‬تحديات‭ ‬خطيرة؟


تلقيت‭ ‬عشرات‭ ‬التعليقات‭ ‬على‭ ‬المقال‭ ‬الأخير‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬مليارات‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬الهند‭.. ‬فأين‭ ‬التضامن‭ ‬وقت‭ ‬الخطر؟‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬عكست‭ ‬هذه‭ ‬التعليقات،‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬اتجاهاتها‭ ‬وحدّة‭ ‬بعضها،‭ ‬حجم‭ ‬الاهتمام‭ ‬الذي‭ ‬أثاره‭ ‬الموضوع،‭ ‬كما‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬ومخاوف‭ ‬لدى‭ ‬قطاعات‭ ‬من‭ ‬القراء‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭ ‬عندها،‭ ‬ليس‭ ‬بهدف‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬تعليق‭ ‬على‭ ‬حدة،‭ ‬وإنما‭ ‬لفهم‭ ‬القضية‭ ‬الأوسع‭ ‬التي‭ ‬حاول‭ ‬المقال‭ ‬طرحها،‭ ‬وما‭ ‬تفرضه‭ ‬من‭ ‬مراجعة‭ ‬لحسابات‭ ‬المصالح‭ ‬والعلاقات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭.‬

لقد‭ ‬انقسمت‭ ‬التعليقات‭ ‬بين‭ ‬مؤيد‭ ‬رأى‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬تساؤلات‭ ‬مشروعة‭ ‬حول‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمواقف‭ ‬السياسية،‭ ‬ومن‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬المطالبة‭ ‬بتقليص‭ ‬أعداد‭ ‬العمالة‭ ‬الهندية‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬رسوم‭ ‬على‭ ‬تحويلاتها،‭ ‬فيما‭ ‬عبّر‭ ‬آخرون‭ ‬عن‭ ‬غضبهم‭ ‬من‭ ‬مواقف‭ ‬سياسية‭ ‬وإعلامية‭ ‬هندية،‭ ‬وربط‭ ‬بعضهم‭ ‬ذلك‭ ‬بما‭ ‬يتردد‭ ‬عن‭ ‬أوضاع‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬الهند،‭ ‬أو‭ ‬بمواقف‭ ‬بعض‭ ‬التيارات‭ ‬الهندية‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬جاءت‭ ‬تعليقات‭ ‬أخرى‭ ‬لتطرح‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬مختلفة،‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬العمالة‭ ‬الهندية‭ ‬جاءت‭ ‬إلى‭ ‬الخليج‭ ‬بعقود‭ ‬عمل‭ ‬مشروعة،‭ ‬وأنها‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬اقتصادية‭ ‬متعددة،‭ ‬وأن‭ ‬تحميلها‭ ‬مسؤولية‭ ‬مواقف‭ ‬الحكومة‭ ‬الهندية‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الإنصاف‭ ‬في‭ ‬شيء‭. ‬وذكّر‭ ‬أصحاب‭ ‬هذه‭ ‬الآراء‭ ‬بما‭ ‬يجمع‭ ‬البحرين‭ ‬والهند‭ ‬من‭ ‬علاقات‭ ‬تاريخية‭ ‬وتجارية‭ ‬وإنسانية‭ ‬ممتدة،‭ ‬وبما‭ ‬أسهمت‭ ‬به‭ ‬أجيال‭ ‬من‭ ‬الهنود‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الآراء‭ ‬جميعا،‭ ‬لكن‭ ‬الأهم‭ ‬ألا‭ ‬نفقد‭ ‬جوهر‭ ‬القضية‭ ‬وسط‭ ‬الانفعال،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬تحليل‭ ‬المصالح‭ ‬والمواقف‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬أحكام‭ ‬عامة‭ ‬على‭ ‬الشعوب‭ ‬والجاليات‭.‬

المقال‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬خصومة‭ ‬مع‭ ‬الهند‭ ‬

ولا‭ ‬اختبار‭ ‬ولاء‭ ‬للعمالة

 

أود‭ ‬أن‭ ‬أوضح‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬المقال‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬الخصومة‭ ‬مع‭ ‬الهند،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬اختبارا‭ ‬لولاء‭ ‬المواطنين‭ ‬الهنود‭ ‬المقيمين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬تشكيكا‭ ‬في‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬والعيش‭ ‬الكريم،‭ ‬أو‭ ‬إنكارا‭ ‬لإسهاماتهم‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭. ‬لقد‭ ‬أشرت‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬حجم‭ ‬الوجود‭ ‬الهندي‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬وإلى‭ ‬التحويلات‭ ‬المالية‭ ‬الضخمة‭ ‬التي‭ ‬تتدفق‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬الهند؛‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬الحقائق‭ ‬تمثل‭ ‬أحد‭ ‬أوجه‭ ‬العلاقة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬الجانبين‭.‬

ومن‭ ‬ينكر‭ ‬العلاقات‭ ‬التاريخية‭ ‬الممتدة‭ ‬بين‭ ‬الهند‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قارئا‭ ‬متمعنا‭ ‬في‭ ‬محطات‭ ‬تاريخ‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة؛‭ ‬فالتواصل‭ ‬التجاري‭ ‬والبحري‭ ‬والإنساني‭ ‬بين‭ ‬ضفتي‭ ‬الخليج‭ ‬وشبه‭ ‬القارة‭ ‬الهندية‭ ‬أقدم‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بصورتها‭ ‬الراهنة،‭ ‬وقد‭ ‬ترك‭ ‬بصماته‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬والمجتمع‭ ‬والثقافة‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭.‬

لكن‭ ‬الاعتراف‭ ‬بهذه‭ ‬الحقائق‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬حقنا‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬سؤال‭ ‬آخر‭: ‬هل‭ ‬تنعكس‭ ‬قوة‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬ومصالحها‭ ‬المتبادلة‭ ‬بالقدر‭ ‬المطلوب‭ ‬على‭ ‬المواقف‭ ‬السياسية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬والإعلامية‭ ‬عندما‭ ‬تتعرض‭ ‬دولنا‭ ‬لاعتداءات‭ ‬أو‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬تمس‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها؟

هذا‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬أردت‭ ‬طرحه،‭ ‬وهو‭ ‬سؤال‭ ‬يتعلق‭ ‬بحسابات‭ ‬الدول‭ ‬ومصالحها‭ ‬ومواقفها،‭ ‬وليس‭ ‬بمحاسبة‭ ‬الأفراد‭ ‬على‭ ‬جنسياتهم‭ ‬أو‭ ‬مطالبتهم‭ ‬بأدوار‭ ‬لا‭ ‬تفرضها‭ ‬عليهم‭ ‬طبيعة‭ ‬إقامتهم‭ ‬وعقود‭ ‬عملهم‭.‬

القوة‭ ‬الخليجية‭ ‬أكبر

‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬والاستثمارات

 

إن‭ ‬القضية‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬ننطلق‭ ‬منها‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬تمتلك‭ ‬أوراق‭ ‬قوة‭ ‬متعددة،‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬ثرواتها‭ ‬النفطية‭ ‬والغازية‭ ‬أو‭ ‬مكانتها‭ ‬المحورية‭ ‬في‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬أيضا‭ ‬استثماراتها‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬وأسواقها،‭ ‬وموقعها‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬ملايين‭ ‬المقيمين‭ ‬الذين‭ ‬تربطهم‭ ‬بها‭ ‬مصالح‭ ‬اقتصادية‭ ‬وإنسانية‭ ‬واجتماعية‭.‬

وهذه‭ ‬العناصر‭ ‬مجتمعة‭ ‬تمثل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميه‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أو‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬اتجاهاتها‭. ‬فالدولة‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬مصالح‭ ‬واسعة‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬تستطيع،‭ ‬إذا‭ ‬أحسنت‭ ‬إدارة‭ ‬هذه‭ ‬المصالح،‭ ‬أن‭ ‬تعزز‭ ‬حضورها،‭ ‬وأن‭ ‬تجعل‭ ‬قضاياها‭ ‬وأمنها‭ ‬واستقرارها‭ ‬محل‭ ‬اهتمام‭ ‬أكبر‭ ‬لدى‭ ‬شركائها‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاء‭ ‬الاستشهاد‭ ‬بالهند‭ ‬والعمالة‭ ‬الهندية‭ ‬في‭ ‬الخليج‭. ‬فحين‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬ملايين‭ ‬المقيمين،‭ ‬وعن‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬تحويلها‭ ‬سنويا‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الهندي،‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬أرقام‭ ‬معزولة،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬شبكة‭ ‬مصالح‭ ‬ضخمة‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭. ‬ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬انعكاس‭ ‬هذه‭ ‬المصالح‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التفاهم‭ ‬السياسي‭ ‬والتضامن‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬والإعلامي‭ ‬عند‭ ‬الأزمات‭.‬

ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تفرض‭ ‬بالضرورة‭ ‬تطابق‭ ‬المواقف‭ ‬السياسية،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬مطالبة‭ ‬بتبني‭ ‬مواقفنا‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬القضايا‭. ‬فالعلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬تحكمها‭ ‬حسابات‭ ‬معقدة،‭ ‬وتختلف‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬مصالحها‭ ‬والتزاماتها‭. ‬لكن‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬تقيّم‭ ‬علاقاتها‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تقدمه‭ ‬وما‭ ‬تتلقاه،‭ ‬وأن‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬السبل‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬مصالحها‭ ‬المشتركة‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬أمنها‭ ‬ومواقفها‭ ‬المشروعة‭.‬

أما‭ ‬التعليقات‭ ‬التي‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬التعميم‭ ‬على‭ ‬الهنود،‭ ‬أو‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬التضييق‭ ‬عليهم‭ ‬لمجرد‭ ‬جنسيتهم‭ ‬أو‭ ‬معتقداتهم،‭ ‬فإنني‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬أنها‭ ‬تخدم‭ ‬القضية‭ ‬التي‭ ‬نناقشها؛‭ ‬فالمقيم‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬بصورة‭ ‬قانونية،‭ ‬ويلتزم‭ ‬بالقوانين،‭ ‬ويؤدي‭ ‬واجباته،‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬طرف‭ ‬مسؤول‭ ‬عن‭ ‬قرارات‭ ‬حكومة‭ ‬بلاده‭ ‬أو‭ ‬مواقف‭ ‬بعض‭ ‬تياراتها‭ ‬السياسية‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬فإن‭ ‬رفض‭ ‬التعميم‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تجاهل‭ ‬التساؤلات‭ ‬المشروعة‭ ‬حول‭ ‬السياسات‭ ‬الحكومية‭ ‬أو‭ ‬الخطابات‭ ‬الإعلامية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬مصالح‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وقضاياها‭. ‬ويمكننا‭ ‬نقد‭ ‬المواقف‭ ‬السياسية‭ ‬بوضوح،‭ ‬ومناقشة‭ ‬ما‭ ‬يُثار‭ ‬بشأن‭ ‬أوضاع‭ ‬الأقليات‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬العلاقات‭ ‬الخارجية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تحويل‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬خصومة‭ ‬مع‭ ‬شعب‭ ‬كامل‭ ‬أو‭ ‬جالية‭ ‬تضم‭ ‬فئات‭ ‬وتجارب‭ ‬واتجاهات‭ ‬متنوعة‭.‬

إنَّ‭ ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نوجّه‭ ‬النقاش‭ ‬إلى‭ ‬موضعه‭ ‬الصحيح‭: ‬كيف‭ ‬نستخدم‭ ‬أدواتنا‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬والإعلامية‭ ‬لتعزيز‭ ‬حضورنا،‭ ‬وكيف‭ ‬نبني‭ ‬علاقات‭ ‬دولية‭ ‬أكثر‭ ‬توازنا،‭ ‬وكيف‭ ‬نضمن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مصالحنا‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬شركائنا‭ ‬عندما‭ ‬تواجه‭ ‬المنطقة‭ ‬تحديات‭ ‬خطيرة؟

الدول‭ ‬لا‭ ‬تبني‭ ‬علاقاتها‭ ‬الدولية‭ ‬بمنشورات‭ ‬غاضبة،‭ ‬ولا‭ ‬تحمي‭ ‬مصالحها‭ ‬بالدعوات‭ ‬الانفعالية،‭ ‬وإنما‭ ‬بالعمل‭ ‬المنظم،‭ ‬وبناء‭ ‬الشراكات،‭ ‬وتحديد‭ ‬المصالح،‭ ‬واستخدام‭ ‬أدوات‭ ‬التأثير‭ ‬المتاحة‭.‬

وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬مسؤولية‭ ‬المؤسسات‭ ‬الخليجية‭ ‬المعنية‭ ‬بالعلاقات‭ ‬الخارجية‭ ‬والاستثمار‭ ‬والتجارة‭ ‬والإعلام،‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬بصورة‭ ‬شاملة،‭ ‬وعدم‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمواقف‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬مع‭ ‬احترام‭ ‬استقلالية‭ ‬الدول‭ ‬وخصوصية‭ ‬قراراتها‭.‬

إنَّ‭ ‬ما‭ ‬نحتاج‭ ‬إليه‭ ‬ليس‭ ‬إغلاق‭ ‬الأبواب‭ ‬أمام‭ ‬أحد،‭ ‬ولا‭ ‬إنكار‭ ‬تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬التواصل‭ ‬الإنساني،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬الثروة‭ ‬والاستثمارات‭ ‬والموقع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬تلقائيا‭ ‬إلى‭ ‬نفوذ‭ ‬سياسي؛‭ ‬إنها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة،‭ ‬وإدارة‭ ‬واعية،‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬التفاهمات‭ ‬وتوظيف‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سؤالي‭: ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬كل‭ ‬هندي‭ ‬مع‭ ‬الخليج؟‭ ‬بل‭ ‬كان‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لدول‭ ‬الخليج،‭ ‬بما‭ ‬تمتلكه‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬ومصالح‭ ‬وأوراق‭ ‬قوة،‭ ‬أن‭ ‬تعزز‭ ‬حضورها‭ ‬وتأثيرها،‭ ‬بحيث‭ ‬تحظى‭ ‬قضايا‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها‭ ‬بالتفهم‭ ‬والدعم‭ ‬اللذين‭ ‬تستحقهما؟

إنه‭ ‬سؤال‭ ‬لا‭ ‬يستهدف‭ ‬شعبا،‭ ‬ولا‭ ‬ينكر‭ ‬تاريخا،‭ ‬ولا‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬خصومة،‭ ‬بل‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬الحسابات‭. ‬فالمصالح‭ ‬الكبيرة‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تنتج‭ ‬علاقات‭ ‬متوازنة،‭ ‬والقوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬التأثير‭ ‬السياسي‭ ‬والدبلوماسي،‭ ‬والتضامن‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬بالعتاب‭ ‬وحده،‭ ‬وإنما‭ ‬بسياسات‭ ‬بعيدة‭ ‬النظر‭ ‬تعرف‭ ‬كيف‭ ‬تحوّل‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬إلى‭ ‬شراكات‭ ‬أكثر‭ ‬رسوخًا،‭ ‬وتضمن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لدولنا‭ ‬مكانة‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬ثقلها‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا