مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
.. بين التفهم والغضب وحسابات القوة الناعمة
كيف نستخدم أدواتنا الاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية لتعزيز حضورنا، وكيف نبني علاقات دولية أكثر توازنا، وكيف نضمن أن تكون مصالحنا الاستراتيجية حاضرة في حسابات شركائنا عندما تواجه المنطقة تحديات خطيرة؟

تلقيت عشرات التعليقات على المقال الأخير بعنوان «مليارات الخليج إلى الهند.. فأين التضامن وقت الخطر؟»، وقد عكست هذه التعليقات، على اختلاف اتجاهاتها وحدّة بعضها، حجم الاهتمام الذي أثاره الموضوع، كما كشفت عن أسئلة ومخاوف لدى قطاعات من القراء تستحق التوقف عندها، ليس بهدف الرد على كل تعليق على حدة، وإنما لفهم القضية الأوسع التي حاول المقال طرحها، وما تفرضه من مراجعة لحسابات المصالح والعلاقات الإقليمية والدولية.
لقد انقسمت التعليقات بين مؤيد رأى في المقال تعبيرا عن تساؤلات مشروعة حول التوازن بين المصالح الاقتصادية والمواقف السياسية، ومن ذهب إلى المطالبة بتقليص أعداد العمالة الهندية أو فرض رسوم على تحويلاتها، فيما عبّر آخرون عن غضبهم من مواقف سياسية وإعلامية هندية، وربط بعضهم ذلك بما يتردد عن أوضاع المسلمين في الهند، أو بمواقف بعض التيارات الهندية من القضايا العربية والإسلامية.
وفي المقابل، جاءت تعليقات أخرى لتطرح وجهة نظر مختلفة، مفادها أن العمالة الهندية جاءت إلى الخليج بعقود عمل مشروعة، وأنها تسهم في قطاعات اقتصادية متعددة، وأن تحميلها مسؤولية مواقف الحكومة الهندية ليس من الإنصاف في شيء. وذكّر أصحاب هذه الآراء بما يجمع البحرين والهند من علاقات تاريخية وتجارية وإنسانية ممتدة، وبما أسهمت به أجيال من الهنود في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.
وأعتقد أن من المهم الاستماع إلى هذه الآراء جميعا، لكن الأهم ألا نفقد جوهر القضية وسط الانفعال، أو أن يتحول النقاش من تحليل المصالح والمواقف إلى إطلاق أحكام عامة على الشعوب والجاليات.
المقال لم يكن خصومة مع الهند
ولا اختبار ولاء للعمالة
أود أن أوضح هنا أن المقال لم يكن دعوة إلى الخصومة مع الهند، ولم يكن اختبارا لولاء المواطنين الهنود المقيمين في دول الخليج، كما لم يكن تشكيكا في حقهم في العمل والعيش الكريم، أو إنكارا لإسهاماتهم في مجتمعاتنا. لقد أشرت بوضوح إلى حجم الوجود الهندي في دول مجلس التعاون، وإلى التحويلات المالية الضخمة التي تتدفق من الخليج إلى الهند؛ لأن هذه الحقائق تمثل أحد أوجه العلاقة الاستراتيجية التي تربط الجانبين.
ومن ينكر العلاقات التاريخية الممتدة بين الهند ودول الخليج لا يمكن أن يكون قارئا متمعنا في محطات تاريخ هذه المنطقة؛ فالتواصل التجاري والبحري والإنساني بين ضفتي الخليج وشبه القارة الهندية أقدم بكثير من العلاقات الاقتصادية بصورتها الراهنة، وقد ترك بصماته في التجارة والمجتمع والثقافة وحتى في تفاصيل الحياة اليومية.
لكن الاعتراف بهذه الحقائق لا يلغي حقنا في طرح سؤال آخر: هل تنعكس قوة هذه العلاقات ومصالحها المتبادلة بالقدر المطلوب على المواقف السياسية والدبلوماسية والإعلامية عندما تتعرض دولنا لاعتداءات أو تواجه تحديات تمس أمنها واستقرارها؟
هذا هو السؤال الذي أردت طرحه، وهو سؤال يتعلق بحسابات الدول ومصالحها ومواقفها، وليس بمحاسبة الأفراد على جنسياتهم أو مطالبتهم بأدوار لا تفرضها عليهم طبيعة إقامتهم وعقود عملهم.
القوة الخليجية أكبر
من النفط والاستثمارات
إن القضية الأساسية التي ينبغي أن ننطلق منها هي أن دول مجلس التعاون تمتلك أوراق قوة متعددة، لا تقتصر على ثرواتها النفطية والغازية أو مكانتها المحورية في أمن الطاقة العالمي، بل تشمل أيضا استثماراتها المنتشرة في مختلف دول العالم، وأسواقها، وموقعها الاستراتيجي، ودورها في حركة التجارة الدولية، فضلا عن ملايين المقيمين الذين تربطهم بها مصالح اقتصادية وإنسانية واجتماعية.
وهذه العناصر مجتمعة تمثل ما يمكن أن نسميه القوة الناعمة، التي لا تقل أهمية عن القوة الاقتصادية أو العسكرية في بناء العلاقات الدولية والتأثير في اتجاهاتها. فالدولة التي تمتلك مصالح واسعة مع الآخرين تستطيع، إذا أحسنت إدارة هذه المصالح، أن تعزز حضورها، وأن تجعل قضاياها وأمنها واستقرارها محل اهتمام أكبر لدى شركائها.
ومن هنا جاء الاستشهاد بالهند والعمالة الهندية في الخليج. فحين نتحدث عن ملايين المقيمين، وعن مليارات الدولارات التي يتم تحويلها سنويا إلى الاقتصاد الهندي، فإننا لا نتحدث عن أرقام معزولة، بل عن شبكة مصالح ضخمة تربط بين الجانبين. ومن الطبيعي أن نتساءل عن مدى انعكاس هذه المصالح على مستوى التفاهم السياسي والتضامن الدبلوماسي والإعلامي عند الأزمات.
ولا يعني ذلك أن المصالح الاقتصادية تفرض بالضرورة تطابق المواقف السياسية، أو أن كل دولة مطالبة بتبني مواقفنا في جميع القضايا. فالعلاقات الدولية تحكمها حسابات معقدة، وتختلف الدول في تقدير مصالحها والتزاماتها. لكن من حق دول الخليج أيضا أن تقيّم علاقاتها على أساس التوازن بين ما تقدمه وما تتلقاه، وأن تبحث عن السبل التي تجعل مصالحها المشتركة أكثر قدرة على دعم أمنها ومواقفها المشروعة.
أما التعليقات التي ذهبت إلى التعميم على الهنود، أو الدعوة إلى التضييق عليهم لمجرد جنسيتهم أو معتقداتهم، فإنني لا أرى أنها تخدم القضية التي نناقشها؛ فالمقيم الذي يعمل بصورة قانونية، ويلتزم بالقوانين، ويؤدي واجباته، لا يجوز أن يتحول إلى طرف مسؤول عن قرارات حكومة بلاده أو مواقف بعض تياراتها السياسية.
وفي الوقت نفسه، فإن رفض التعميم لا يعني تجاهل التساؤلات المشروعة حول السياسات الحكومية أو الخطابات الإعلامية التي قد تتعارض مع مصالح دول الخليج وقضاياها. ويمكننا نقد المواقف السياسية بوضوح، ومناقشة ما يُثار بشأن أوضاع الأقليات الدينية أو العلاقات الخارجية، من دون تحويل ذلك إلى خصومة مع شعب كامل أو جالية تضم فئات وتجارب واتجاهات متنوعة.
إنَّ المطلوب هو أن نوجّه النقاش إلى موضعه الصحيح: كيف نستخدم أدواتنا الاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية لتعزيز حضورنا، وكيف نبني علاقات دولية أكثر توازنا، وكيف نضمن أن تكون مصالحنا الاستراتيجية حاضرة في حسابات شركائنا عندما تواجه المنطقة تحديات خطيرة؟
الدول لا تبني علاقاتها الدولية بمنشورات غاضبة، ولا تحمي مصالحها بالدعوات الانفعالية، وإنما بالعمل المنظم، وبناء الشراكات، وتحديد المصالح، واستخدام أدوات التأثير المتاحة.
وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات الخليجية المعنية بالعلاقات الخارجية والاستثمار والتجارة والإعلام، في قراءة هذه العلاقات بصورة شاملة، وعدم الفصل بين المصالح الاقتصادية والمواقف الاستراتيجية، مع احترام استقلالية الدول وخصوصية قراراتها.
إنَّ ما نحتاج إليه ليس إغلاق الأبواب أمام أحد، ولا إنكار تاريخ طويل من التواصل الإنساني، بل أن ندرك أن الثروة والاستثمارات والموقع الاستراتيجي لا تتحول تلقائيا إلى نفوذ سياسي؛ إنها تحتاج إلى رؤية واضحة، وإدارة واعية، وقدرة على بناء التفاهمات وتوظيف المصالح المشتركة.
وفي النهاية، لم يكن سؤالي: لماذا لا يقف كل هندي مع الخليج؟ بل كان: كيف يمكن لدول الخليج، بما تمتلكه من إمكانات ومصالح وأوراق قوة، أن تعزز حضورها وتأثيرها، بحيث تحظى قضايا أمنها واستقرارها بالتفهم والدعم اللذين تستحقهما؟
إنه سؤال لا يستهدف شعبا، ولا ينكر تاريخا، ولا يدعو إلى خصومة، بل يدعو إلى مراجعة الحسابات. فالمصالح الكبيرة ينبغي أن تنتج علاقات متوازنة، والقوة الاقتصادية ينبغي أن تجد طريقها إلى التأثير السياسي والدبلوماسي، والتضامن في أوقات الأزمات لا يُبنى بالعتاب وحده، وإنما بسياسات بعيدة النظر تعرف كيف تحوّل المصالح المشتركة إلى شراكات أكثر رسوخًا، وتضمن أن تكون لدولنا مكانة تتناسب مع ثقلها الحقيقي في العالم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك