مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
صراحة القائد ومسؤولية الوطن ووحدة الموقف
إنَّ حديث حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، في افتتاح دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس لمجلسي الشورى والنواب، اتّسم بالصراحة والوضوح، وحمل في طياته رسائل عميقة على المستويين الداخلي والخارجي، عكست قراءة واعية لطبيعة المرحلة الراهنة، وما تفرضه من مسؤوليات وطنية مشتركة، واستعداد دائم للتعامل مع المتغيرات والتحديات.
ولعل أبرز ما ميّز الكلمة السامية أنها وضعت الحقائق أمام المواطنين بجلاء، فلم تكتفِ بتوصيف ما شهدته المنطقة خلال الأشهر الماضية من تطورات بالغة الخطورة واعتداءات إيرانية آثمة، وإنما ربطت بين إدراك طبيعة هذه التحديات وضرورة مواجهتها بوعي وطني مسؤول، يستند إلى وحدة الصف، ووضوح الرؤية، والالتفاف حول الثوابت الوطنية؛ فالمواقف العدائية التي استهدفت أمن الدول والشعوب، وانتهكت قواعد القانون الدولي وحسن الجوار، تؤكد أن المنطقة لا تزال أمام تحديات تستوجب اليقظة، وأنَّ ما تحقق من احتواء للأزمات لا يعني انتهاء مخاطرها أو استبعاد احتمالات تجددها.
الرسالة الملكية تتجاوز عرض الأحداث إلى ترسيخ ثقافة المسؤولية المشتركة؛ فحماية الوطن ليست مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل هي مسؤولية وطنية تتكامل فيها جهود الدولة والمجتمع، ويؤدي فيها المواطن دورًا أساسيًّا في صون الاستقرار، وتعزيز الثقة، والحفاظ على السكينة الوطنية.
وقد جاء الأمر الملكي السامي بتخصيص الأول من يونيو من كل عام مناسبة وطنية وإجازة رسمية باسم «يوم العهد والولاء»، ليعبر عن تقدير لما أظهره أهل البحرين من صمود والتفاف حول راية الوطن خلال تلك الأحداث، ولعل هذه الخطوة لتشكل وقفة تاريخية تضاف إلى الرصيد الوطني للأمة.
وفي الوقت الذي أشاد فيه جلالته بجهود الحكومة بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في إدارة متطلبات المرحلة، جاء التوجيه السامي بضرورة تحقيق التوازن بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات التنمية، في إشارة واضحة إلى ما يحتاج إليه العمل الوطني خلال المرحلة المقبلة.
وعلى المستوى الإقليمي، تمسكت البحرين بثوابتها تجاه أنَّ أمن البحرين جزءٌ لا يتجزأ من أمن الخليج واستقرار المنطقة، وأنَّ مواجهة التهديدات لا تنفصل عن بناء موقف إقليمي موحد، وتعزيز الشراكات الاستراتيجية. كما حدد جلالته بوضوح معايير الأمن والاستقرار وضمان سلام مستدام عبر إبعاد المنطقة عن مخاطر أسلحة الدمار الشامل والتشديد على أهمية حرية الملاحة وحماية الممرات المائية.
وعلى المستوى الداخلي رسم جلالة الملك ملامح الأولويات المقبلة، واضعًا أمام السلطة التشريعية مسؤولية الارتقاء بجودة التشريعات، وتعزيز تنافسية الاستثمار، وتوسيع الاقتصاد المعرفي، ودعم استدامة الطاقة وحماية البيئة، وترسيخ الأمنين الغذائي والمائي.
وجاء إعلان تخصيص العام القادم «عام عيسى بن سلمان» تأكيدًا للاعتزاز بتاريخ البحرين ورموزها الوطنية، واستلهامًا لإرثها في بناء الدولة الحديثة.
الكلمة السامية حملت في طياتها تمعنًا في الماضي والثقة بالمستقبل المشرق للأجيال القادمة رغم التحديات، عبر الدعوة إلى التخطيط الاستباقي، والاستعداد لرؤية البحرين الاقتصادية المستقبلية، على أن يكون تحقيق تطلعات المواطنين في صلب أولوياتها.
إنَّ الرسالة الأعمق في كلمة جلالة الملك أنَّ الاستقرار ليس معطًى مضمونًا، بل مسؤولية تتطلب وعيًا ويقظة واستعدادًا دائمًا، وأنَّ قوة الدول لا تظهر في قدرتها على مواجهة الأزمات فحسب، وإنما في قدرتها على استخلاص دروسها وتحويلها إلى فرص لتعزيز مناعتها وتطوير مؤسساتها.
وفي مرحلة إقليمية تتشابك فيها التحديات وتتغير فيها الحسابات، تظل وحدة الجبهة الداخلية خط الدفاع الأهم عن مكتسبات البحرين، ويظل الوعي الشعبي والمسؤولية الوطنية شريكين أساسيين في صون أمنها واستقرارها.
إنَّ الوفاء لرسائل الكلمة الملكية لا يتحقق بالاعتزاز بمضامينها وحدها، بل بترجمتها إلى عمل مشترك من السلطات الدستورية، وتخطيط استباقي، وإنجازات ملموسة، تضمن أن تمضي البحرين بثبات نحو مستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك