العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

الإعلام وكيفية التعامل مع الأزمات

إن‭ ‬الصحافة‭ ‬الخليجية،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬الصحافة‭ ‬الوطنية،‭ ‬أثبتت‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الأزمات‭ ‬حرصها‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬مسؤوليتها‭ ‬الوطنية‭ ‬والمهنية،‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأحداث‭ ‬بما‭ ‬يحفظ‭ ‬أمن‭ ‬المجتمع‭ ‬واستقراره،‭ ‬ويعزز‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬مؤسساته،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المسؤولية‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬تتحمله‭ ‬الصحافة‭ ‬وحدها،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تتحرك‭ ‬فيه‭ ‬وسائل‭ ‬أخرى‭ ‬بسرعة‭ ‬لنشر‭ ‬روايات‭ ‬قد‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الدقة‭ ‬أو‭ ‬تستهدف‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭.‬

فإنَّ‭ ‬أحد‭ ‬الحقائق‭ ‬الكبيرة‭ ‬أن‭ ‬الصحافة‭ ‬الخليجية‭ ‬تلعب‭ ‬دورها‭ ‬باجتهادات‭ ‬شخصية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬معلومات‭ ‬أو‭ ‬بوصلة‭ ‬تقود‭ ‬لتحديد‭ ‬الاتجاه‭.‬

وفي‭ ‬العاشر‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬الجاري،‭ ‬طرحت‭ ‬الأستاذة‭ ‬سميرة‭ ‬بن‭ ‬رجب‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬‮«‬الإعلام‭ ‬الوطني‭ ‬والحصانة‭ ‬المعرفية‭ ‬في‭ ‬الأزمات‮»‬‭ ‬المنشور‭ ‬في‭ ‬‮«‬أخبار‭ ‬الخليج‮»‬‭ ‬رؤيتها‭ ‬تجاه‭ ‬دور‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬والصحف‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات‭ ‬والحروب‭ ‬قائلة‭: ‬‮«‬إنَّ‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬التعرف‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬الحرب‭ ‬المفروضة‭ ‬علينا‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬معركة‭ ‬عسكرية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬حرب‭ ‬إدراكية‭ ‬تستخدم‭ ‬فيها‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لنشر‭ ‬فيديوهات‭ ‬وصور‭ ‬مزيفة،‭ ‬ومحتوى‭ ‬مضلل‭ ‬يستغل‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‮»‬‭.‬

وتابعت‭ ‬قائلة‭: ‬‮«‬في‭ ‬الناحية‭ ‬الأخرى،‭ ‬فإنَّ‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتجنبه‭ ‬الإعلام‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬الأزمات‭ ‬هو‭ ‬الانفعال،‭ ‬ونشر‭ ‬ما‭ ‬يزرع‭ ‬الخوف‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬الوعي‭.. ‬وأن‭ ‬يتجنب‭ ‬السرعة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الدقة،‭ ‬وأن‭ ‬يتجنب‭ ‬الدعاية‭ ‬بدل‭ ‬المعلومة،‭ ‬ليبقى‭ ‬جسرًا‭ ‬بين‭ ‬الحقيقة‭ ‬والمواطن،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬دعائية‮»‬‭. ‬انتهي‭ ‬الاقتباس‭.‬

هذه‭ ‬المقترحات‭ ‬الدقيقة‭ ‬مهمة‭ ‬جدا،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬للرسميين‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬للمواطنين؛‭ ‬فالصحافة‭ ‬الوطنية‭ ‬ليست‭ ‬عاجزة‭ ‬أو‭ ‬تفتقد‭ ‬القدرة،‭ ‬أو‭ ‬الوعي‭ ‬الإعلامي،‭ ‬لكنَّ‭ ‬ما‭ ‬نفتقده‭ ‬حقيقةً‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬الوطنية‭ ‬هو‭ ‬سرعة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬المعلومات‭ ‬المؤكدة،‭ ‬والمرونة‭ ‬في‭ ‬تناولها‭ ‬مع‭ ‬أصحاب‭ ‬الشأن‭.‬

وعلى‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬أنَّ‭ ‬الصحافة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ ‬عليها‭ ‬عبء‭ ‬مُضاعف‭ ‬بعكس‭ ‬أزمان‭ ‬مضت؛‭ ‬إذ‭ ‬بات‭ ‬على‭ ‬الصحفي‭ ‬أن‭ ‬يضطلع‭ ‬بأدوار‭ ‬إضافية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬ملاحقة‭ ‬الأخبار‭ ‬ورصد‭ ‬المعلومات،‭ ‬بحيث‭ ‬أصبح‭ ‬لزامًا‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يحلل‭ ‬هذه‭ ‬المعلومات‭ ‬ويقدمها‭ ‬للرأي‭ ‬العام‭ ‬بصورة‭ ‬تكشف‭ ‬حجم‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بمنطقتنا‭ ‬مع‭ ‬إدراك‭ ‬تام‭ ‬لثوابت‭ ‬وطنه‭ ‬داخليا‭ ‬وخليجيا‭ ‬وعربيا‭ ‬وإسلاميا،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يقع‭ ‬فريسة‭ ‬لِكَم‭ ‬مهول‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬المزيفة‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬بثها‭ ‬ونشرها‭ ‬بكثافة‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬حاليا‭ ‬رأس‭ ‬الحربة‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬تضليل‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬وتوجيهه‭ ‬ضد‭ ‬مصالح‭ ‬أوطانه‭ ‬بحرفيه‭ ‬عالية،‭ ‬مستغلة‭ ‬بذلك‭ ‬جميع‭ ‬أشكال‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتطورة‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

وهنا‭ ‬أيضًا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الملاحظات‭ ‬السلبية‭ ‬التي‭ ‬رصدناها‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭ ‬والحروب‭ ‬التي‭ ‬تعصف‭ ‬بالمنطقة،‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬شاهدنا‭ ‬حروبا‭ ‬يتم‭ ‬بثها‭ ‬على‭ ‬الهواء‭ ‬مباشرة‭ ‬عبر‭ ‬قنوات‭ ‬إخبارية‭ ‬أجنبية،‭ ‬تحولت‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المحطات‭ ‬إلى‭ ‬منصات‭ ‬لبث‭ ‬الفتن‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬عبر‭ ‬الاستناد‭ ‬إلى‭ ‬معلومات‭ ‬مغلوطة‭ ‬وترويجها‭ ‬كأنها‭ ‬حقائق‭ ‬مطلقة،‭ ‬معتمدة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬إرثها‭ ‬واسمها‭ ‬العريق،‭ ‬وسقطت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الخطيئة‭ ‬وكالات‭ ‬أنباء‭ ‬عالمية‭ ‬كنا‭ ‬نحسبها‭ ‬مصادر‭ ‬موثوقة‭ ‬لا‭ ‬غبار‭ ‬عليها،‭ ‬إذ‭ ‬تبث‭ ‬أخبارًا‭ ‬غير‭ ‬موثقة‭ ‬ثم‭ ‬تعتذر‭ ‬عنها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬صداها‭ ‬السلبي‭ ‬قد‭ ‬حقق‭ ‬أثره‭.‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬يعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أقدمت‭ ‬عليه‭ ‬بريطانيا‭ ‬العظمى‭ ‬نفسها‭ ‬إبان‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬عندما‭ ‬منعت‭ ‬مواطنيها‭ ‬من‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬الأخبار‭ ‬الواردة‭ ‬من‭ ‬برلين‭ ‬إدراكا‭ ‬منهم‭ ‬لخطورة‭ ‬هذه‭ ‬الأخبار‭ ‬على‭ ‬الروح‭ ‬المعنوية‭ ‬لأبنائهم‭.‬

وما‭ ‬يثير‭ ‬الاستغراب‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬قنوات‭ ‬إخبارية‭ ‬عربية‭ ‬سقطت‭ ‬ومازالت‭ ‬تسقط‭ ‬في‭ ‬براثن‭ ‬فخ‭ ‬اسمه‭ ‬‮«‬الرأي‭ ‬والرأي‭ ‬الآخر‮»‬،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إفساح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬محللين‭ ‬وخبراء‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬معادية‭ ‬لمصالح‭ ‬بلداننا‭ ‬يروجون‭ ‬لأفكارهم‭ ‬ومبرراتهم‭ ‬الواهية‭ ‬في‭ ‬عدوانهم‭ ‬على‭ ‬أمننا‭ ‬واستقرارنا‭.‬

في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬يلعب‭ ‬النشطاء‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬دورًا‭ ‬غير‭ ‬مسؤول‭ ‬في‭ ‬استثارة‭ ‬الأزمات‭ ‬كالطابور‭ ‬الخامس‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحروب،‭ ‬عبر‭ ‬تشويه‭ ‬الحقائق‭ ‬الثابتة‭ ‬والراسخة‭ ‬تاريخيا‭ ‬عبر‭ ‬إشعال‭ ‬الفتن،‭ ‬مستترين‭ ‬وراء‭ ‬أجهزة‭ ‬الاتصال‭ ‬الحديثة‭.‬

وإننا‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬الوطنية‭ ‬ملتزمون‭ ‬بالقوانين‭ ‬والأعراف،‭ ‬ونؤمن‭ ‬بالحرية‭ ‬المسؤولة،‭ ‬ونطالب‭ ‬بمعاملة‭ ‬مخالفات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بنفس‭ ‬المعايير‭ ‬المطبقة‭ ‬على‭ ‬الإعلام‭ ‬التقليدي،‭ ‬فتركهم‭ ‬بكل‭ ‬حرية‭ ‬يرددون‭ ‬أكاذيبهم‭ ‬خطر‭ ‬داهم‭ ‬على‭ ‬عقول‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة،‭ ‬علما‭ ‬أن‭ ‬الأكاذيب‭ ‬تتحرك‭ ‬بصورة‭ ‬فائقة‭ ‬كالنار‭ ‬في‭ ‬الهشيم‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإنَّ‭ ‬دعم‭ ‬الصحافة‭ ‬الوطنية‭ ‬ليس‭ ‬مطلبًا‭ ‬مهنيًّا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬ضرورةً‭ ‬تفرضها‭ ‬طبيعة‭ ‬المرحلة،‭ ‬وتقتضي‭ ‬تعزيز‭ ‬الثقة‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات‭ ‬الرسمية‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬وتيسير‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومات،‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬الصحفيين‭ ‬باعتبارهم‭ ‬شركاء‭ ‬في‭ ‬توضيح‭ ‬الحقائق‭ ‬ومواجهة‭ ‬الشائعات،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬جهات‭ ‬تنتظر‭ ‬صدور‭ ‬البيانات‭ ‬الرسمية،‭ ‬فكلما‭ ‬كانت‭ ‬المعلومة‭ ‬الصحيحة‭ ‬متاحة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭ ‬ازدادت‭ ‬قدرة‭ ‬الإعلام‭ ‬الوطني‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بدوره،‭ ‬وتراجعت‭ ‬المساحة‭ ‬التي‭ ‬تتحرك‭ ‬فيها‭ ‬الأخبار‭ ‬المضللة‭ ‬والتفسيرات‭ ‬المغلوطة‭.‬

إنَّ‭ ‬الأزمات‭ ‬لا‭ ‬تنتظر،‭ ‬والشائعات‭ ‬لا‭ ‬تمنح‭ ‬أحدًا‭ ‬فرصة‭ ‬للاستعداد،‭ ‬والإعلام‭ ‬الذي‭ ‬يُحرم‭ ‬من‭ ‬المعلومة‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يواجه‭ ‬التضليل‭ ‬بالكفاءة‭ ‬المطلوبة‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقترن‭ ‬برهان‭ ‬مماثل‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬الإعلام‭ ‬الوطني،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تمكينه‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحقائق،‭ ‬واحترام‭ ‬دوره،‭ ‬وتوفير‭ ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬تساعده‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬رسالته‭ ‬بحرية‭ ‬ومسؤولية،‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬الإعلام‭ ‬الوطني‭ ‬خط‭ ‬دفاع‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬خط‭ ‬دفاع‭ ‬آخر‭.‬

 

 

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا