مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
الإعلام وكيفية التعامل مع الأزمات
إن الصحافة الخليجية، في مقدمتها الصحافة الوطنية، أثبتت في مختلف الأزمات حرصها على أداء مسؤوليتها الوطنية والمهنية، والتعامل مع الأحداث بما يحفظ أمن المجتمع واستقراره، ويعزز الثقة في مؤسساته، غير أن هذه المسؤولية لا ينبغي أن تتحول إلى عبء تتحمله الصحافة وحدها، في الوقت الذي تتحرك فيه وسائل أخرى بسرعة لنشر روايات قد تفتقر إلى الدقة أو تستهدف التأثير في الرأي العام.
فإنَّ أحد الحقائق الكبيرة أن الصحافة الخليجية تلعب دورها باجتهادات شخصية من دون معلومات أو بوصلة تقود لتحديد الاتجاه.
وفي العاشر من أكتوبر الجاري، طرحت الأستاذة سميرة بن رجب في مقال «الإعلام الوطني والحصانة المعرفية في الأزمات» المنشور في «أخبار الخليج» رؤيتها تجاه دور وسائل الإعلام والصحف المحلية في مواجهة الأزمات والحروب قائلة: «إنَّ أهم ما يجب التعرف عليه في أزمة الحرب المفروضة علينا في الخليج اليوم هو أنها ليست معركة عسكرية فقط، بل هي حرب إدراكية تستخدم فيها الذكاء الاصطناعي لنشر فيديوهات وصور مزيفة، ومحتوى مضلل يستغل المنصات الرقمية».
وتابعت قائلة: «في الناحية الأخرى، فإنَّ أهم ما يجب أن يتجنبه الإعلام الوطني في فترة الأزمات هو الانفعال، ونشر ما يزرع الخوف بدلا من نشر الوعي.. وأن يتجنب السرعة على حساب الدقة، وأن يتجنب الدعاية بدل المعلومة، ليبقى جسرًا بين الحقيقة والمواطن، لا مجرد أداة دعائية». انتهي الاقتباس.
هذه المقترحات الدقيقة مهمة جدا، ليس فقط للرسميين بل أيضا للمواطنين؛ فالصحافة الوطنية ليست عاجزة أو تفتقد القدرة، أو الوعي الإعلامي، لكنَّ ما نفتقده حقيقةً في الصحافة الوطنية هو سرعة الحصول على المعلومات المؤكدة، والمرونة في تناولها مع أصحاب الشأن.
وعلى الجميع أن يدرك أنَّ الصحافة في هذا الزمن عليها عبء مُضاعف بعكس أزمان مضت؛ إذ بات على الصحفي أن يضطلع بأدوار إضافية إلى جانب دوره في ملاحقة الأخبار ورصد المعلومات، بحيث أصبح لزامًا عليه أن يحلل هذه المعلومات ويقدمها للرأي العام بصورة تكشف حجم التحديات التي تحيط بمنطقتنا مع إدراك تام لثوابت وطنه داخليا وخليجيا وعربيا وإسلاميا، حتى لا يقع فريسة لِكَم مهول من المعلومات المزيفة التي يتم بثها ونشرها بكثافة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تشكل حاليا رأس الحربة في معركة تضليل الرأي العام وتوجيهه ضد مصالح أوطانه بحرفيه عالية، مستغلة بذلك جميع أشكال التكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي.
وهنا أيضًا لا بد أن نشير إلى مجموعة من الملاحظات السلبية التي رصدناها خلال الأزمات والحروب التي تعصف بالمنطقة، فبعد أن شاهدنا حروبا يتم بثها على الهواء مباشرة عبر قنوات إخبارية أجنبية، تحولت بعض هذه المحطات إلى منصات لبث الفتن في بلداننا عبر الاستناد إلى معلومات مغلوطة وترويجها كأنها حقائق مطلقة، معتمدة في ذلك على إرثها واسمها العريق، وسقطت في هذه الخطيئة وكالات أنباء عالمية كنا نحسبها مصادر موثوقة لا غبار عليها، إذ تبث أخبارًا غير موثقة ثم تعتذر عنها بعد أن يكون صداها السلبي قد حقق أثره.
وهو ما يعيدنا إلى ما أقدمت عليه بريطانيا العظمى نفسها إبان الحرب العالمية الثانية عندما منعت مواطنيها من الاستماع إلى الأخبار الواردة من برلين إدراكا منهم لخطورة هذه الأخبار على الروح المعنوية لأبنائهم.
وما يثير الاستغراب أيضًا أن قنوات إخبارية عربية سقطت ومازالت تسقط في براثن فخ اسمه «الرأي والرأي الآخر»، من خلال إفساح المجال أمام محللين وخبراء من دول معادية لمصالح بلداننا يروجون لأفكارهم ومبرراتهم الواهية في عدوانهم على أمننا واستقرارنا.
في الوقت ذاته، يلعب النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي دورًا غير مسؤول في استثارة الأزمات كالطابور الخامس في زمن الحروب، عبر تشويه الحقائق الثابتة والراسخة تاريخيا عبر إشعال الفتن، مستترين وراء أجهزة الاتصال الحديثة.
وإننا في الصحافة الوطنية ملتزمون بالقوانين والأعراف، ونؤمن بالحرية المسؤولة، ونطالب بمعاملة مخالفات التواصل الاجتماعي بنفس المعايير المطبقة على الإعلام التقليدي، فتركهم بكل حرية يرددون أكاذيبهم خطر داهم على عقول الأجيال الجديدة، علما أن الأكاذيب تتحرك بصورة فائقة كالنار في الهشيم.
ومن هنا، فإنَّ دعم الصحافة الوطنية ليس مطلبًا مهنيًّا فحسب، بل ضرورةً تفرضها طبيعة المرحلة، وتقتضي تعزيز الثقة المتبادلة بين المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام، وتيسير الوصول إلى المعلومات، والتعامل مع الصحفيين باعتبارهم شركاء في توضيح الحقائق ومواجهة الشائعات، لا مجرد جهات تنتظر صدور البيانات الرسمية، فكلما كانت المعلومة الصحيحة متاحة في الوقت المناسب ازدادت قدرة الإعلام الوطني على القيام بدوره، وتراجعت المساحة التي تتحرك فيها الأخبار المضللة والتفسيرات المغلوطة.
إنَّ الأزمات لا تنتظر، والشائعات لا تمنح أحدًا فرصة للاستعداد، والإعلام الذي يُحرم من المعلومة لا يستطيع أن يواجه التضليل بالكفاءة المطلوبة. لذلك، فإن الرهان على قوة الجبهة الداخلية يجب أن يقترن برهان مماثل على قوة الإعلام الوطني، من خلال تمكينه من الوصول إلى الحقائق، واحترام دوره، وتوفير البيئة التي تساعده على أداء رسالته بحرية ومسؤولية، حتى يصبح الإعلام الوطني خط دفاع لا يقل أهمية عن أي خط دفاع آخر.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك