العدد : ١٧٧٤٣ - الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٣ - الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

مليارات الخليج إلى الهند.. فأين التضامن وقت الخطر؟

ليست‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬والهند‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬التجارة،‭ ‬أو‭ ‬عقود‭ ‬عمل‭ ‬تستوعب‭ ‬ملايين‭ ‬الهنود،‭ ‬أو‭ ‬تحويلات‭ ‬مالية‭ ‬تتدفق‭ ‬سنويًّا‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الهندي؛‭ ‬إنها‭ ‬علاقة‭ ‬مصالح‭ ‬متشابكة،‭ ‬وامتداد‭ ‬إنساني‭ ‬واجتماعي‭ ‬تشكّل‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬تطرح‭ ‬اليوم‭ ‬سؤالا‭ ‬مشروعًا‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬تجاهله‭: ‬حين‭ ‬تتعرض‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬لاعتداءات‭ ‬إيرانية‭ ‬أو‭ ‬لهجمات‭ ‬من‭ ‬الحوثيين،‭ ‬أين‭ ‬يذهب‭ ‬ذلك‭ ‬الرصيد‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬المصالح‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالتضامن‭ ‬الشعبي‭ ‬والإعلامي‭ ‬الذي‭ ‬يوازي‭ ‬أهميته؟

الأرقام‭ ‬وحدها‭ ‬كافية‭ ‬لتوضيح‭ ‬حجم‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة،‭ ‬فبحسب‭ ‬بيانات‭ ‬وزارة‭ ‬الشؤون‭ ‬الخارجية‭ ‬الهندية‭ ‬المقدمة‭ ‬إلى‭ ‬البرلمان‭ ‬الهندي‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬2026‭ ‬يتجاوز‭ ‬عدد‭ ‬المواطنين‭ ‬الهنود‭ ‬المقيمين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬9‭.‬9‭ ‬ملايين‭ ‬شخص،‭ ‬وفق‭ ‬بيانات‭ ‬حتى‭ ‬مارس‭ ‬2026،‭ ‬وتتصدر‭ ‬الإمارات‭ ‬القائمة‭ ‬بنحو‭ ‬4‭.‬326‭ ‬ملايين‭ ‬هندي،‭ ‬تليها‭ ‬السعودية‭ ‬بنحو‭ ‬2‭.‬748‭ ‬مليون،‭ ‬ثم‭ ‬الكويت‭ ‬بنحو‭ ‬1‭.‬06‭ ‬مليون،‭ ‬وقطر‭ ‬بنحو‭ ‬829‭ ‬ألفًا،‭ ‬ثم‭ ‬سلطنة‭ ‬عمان‭ ‬بنحو‭ ‬675‭ ‬ألفًا،‭ ‬ويبلغ‭ ‬عددهم‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬نحو‭ ‬315‭ ‬ألفًا‭.‬

هذه‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬جاليات‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬كتلة‭ ‬بشرية‭ ‬ضخمة‭ ‬تعيش‭ ‬وتعمل‭ ‬وتبني‭ ‬مستقبلها‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الخليجية،‭ ‬وترتبط‭ ‬بها‭ ‬مصالح‭ ‬ملايين‭ ‬الأسر‭ ‬الهندية‭.‬

ولا‭ ‬تقف‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬عند‭ ‬عدد‭ ‬المقيمين‭ ‬فقط،‭ ‬إذ‭ ‬أشارت‭ ‬بيانات‭ ‬السفارة‭ ‬الهندية‭ ‬في‭ ‬الرياض‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التحويلات‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تلقتها‭ ‬الهند‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬خلال‭ ‬السنة‭ ‬المالية‭ ‬2024–2025‭ ‬قد‭ ‬بلغت‭ ‬نحو‭ ‬52‭.‬44‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬جاء‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬‭%‬38‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬هذه‭ ‬التحويلات‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬نحو‭ ‬19‭.‬9‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬

وبذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الأموال‭ ‬التي‭ ‬يرسلها‭ ‬الهنود‭ ‬العاملون‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬تمثل‭ ‬رافدًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الهندي،‭ ‬ومصدرًا‭ ‬للدخل‭ ‬والاستقرار‭ ‬لملايين‭ ‬الأسر،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬العلاقات‭ ‬التجارية‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭.‬

أمام‭ ‬هذه‭ ‬الحقائق،‭ ‬يصبح‭ ‬التساؤل‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحًا‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لعلاقة‭ ‬بهذا‭ ‬الحجم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والإنساني‭ ‬أن‭ ‬تظل،‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الخطر،‭ ‬أقل‭ ‬حضورًا‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬التضامن‭ ‬الشعبي‭ ‬مما‭ ‬توحي‭ ‬به‭ ‬مصالحها‭ ‬المتبادلة؟

المفارقة‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭ ‬عندها‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬التيارات‭ ‬السياسية‭ ‬والشعبية‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬أظهرت‭ ‬حماسة‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬دعمها‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬سواءٌ‭ ‬عبر‭ ‬حملات‭ ‬التضامن‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬أو‭ ‬المواقف‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬التي‭ ‬تتبنى‭ ‬روايتها‭ ‬الأمنية،‭ ‬أو‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بتطور‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‭ ‬الهندية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬التضامن‭ ‬الشعبي‭ ‬والإعلامي‭ ‬المنظم‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬عندما‭ ‬تتعرض‭ ‬لاعتداءات‭ ‬تهدد‭ ‬أمنها‭ ‬وسيادتها،‭ ‬بالحضور‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬العام‭.‬

وهنا‭ ‬ينبغي‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬المواقف‭ ‬الرسمية‭ ‬للحكومة‭ ‬الهندية،‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عنها‭ ‬إدانات‭ ‬ودعوات‭ ‬إلى‭ ‬احترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬ورفض‭ ‬استهداف‭ ‬المدنيين،‭ ‬ومستوى‭ ‬التعبير‭ ‬الشعبي‭ ‬والإعلامي‭ ‬عن‭ ‬التضامن‭.‬

إن‭ ‬بعض‭ ‬التيارات‭ ‬الهندية‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬دعم‭ ‬إسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬سياسية‭ ‬وأيديولوجية‭ ‬ذات‭ ‬حضور‭ ‬واضح،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يحظى‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬رغم‭ ‬حجم‭ ‬الروابط‭ ‬الإنسانية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬بالظهور‭ ‬ذاته،‭ ‬وهذا‭ ‬تفاوت‭ ‬يستحق‭ ‬البحث‭ ‬والتفسير،‭ ‬لذلك‭ ‬يبقي‭ ‬التساؤل‭ ‬مشروعا‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬تفاوت‭ ‬الحضور‭ ‬والتعبئة،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬الاهتمام‭ ‬الذي‭ ‬تمنحه‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الهندية‭ ‬للاعتداءات‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭.‬

إنَّ‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬الهند‭ ‬إلى‭ ‬اختبار‭ ‬يومي‭ ‬للولاء،‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تُقاس‭ ‬مواقف‭ ‬ملايين‭ ‬المقيمين‭ ‬فيها‭ ‬بمنشورات‭ ‬عابرة‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭. ‬لكنها،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تملك‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تتساءل‭ ‬عن‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تقدمه‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬ومصالح،‭ ‬وما‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬من‭ ‬مواقف‭ ‬تضامن‭ ‬حين‭ ‬تتعرض‭ ‬دولها‭ ‬للخطر‭.‬

فالشراكات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬التجارة‭ ‬والاستثمارات،‭ ‬ولا‭ ‬بعدد‭ ‬العاملين‭ ‬والتحويلات،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬بمدى‭ ‬وضوح‭ ‬المواقف‭ ‬عندما‭ ‬تُمس‭ ‬السيادة‭ ‬ويتهدد‭ ‬الأمن‭. ‬وفي‭ ‬اللحظات‭ ‬الصعبة‭ ‬تحديدًا،‭ ‬تتضح‭ ‬قيمة‭ ‬العلاقات،‭ ‬ويظهر‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬تجاوزت‭ ‬حدود‭ ‬المنفعة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬التفاهم‭ ‬والمسؤولية‭ ‬المتبادلة‭.‬

إنَّ‭ ‬المطلوب‭ ‬ليس‭ ‬خصومة‭ ‬مع‭ ‬الهند،‭ ‬بل‭ ‬حوارا‭ ‬صريحا‭ ‬معها،‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬العلاقة‭ ‬الحقيقية‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬حوارا‭ ‬يضع‭ ‬أمام‭ ‬نيودلهي‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬ليس‭ ‬شأنًا‭ ‬محليًّا‭ ‬معزولا،‭ ‬وأن‭ ‬استقراره‭ ‬مصلحة‭ ‬مشتركة،‭ ‬وأن‭ ‬ملايين‭ ‬الهنود‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬ويعملون‭ ‬فيه‭ ‬يمثلون‭ ‬جسرًا‭ ‬إنسانيًّا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يعزز‭ ‬التفاهم‭ ‬والتضامن‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭.‬

فإذا‭ ‬كان‭ ‬نحو‭ ‬10‭ ‬ملايين‭ ‬هندي‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬وكانت‭ ‬المنطقة‭ ‬توفر‭ ‬قرابة‭ ‬38‭%‬‭ ‬من‭ ‬اجمالي‭ ‬التحويلات‭ ‬المالية‭ ‬الوافدة‭ ‬إلى‭ ‬الهند،‭ ‬فمن‭ ‬حقنا‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭: ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬أمن‭ ‬دولنا‭ ‬وسيادتها‭ ‬حاضرًا‭ ‬بالوضوح‭ ‬نفسه‭ ‬عندما‭ ‬تتعرض‭ ‬للاعتداء؟

إنه‭ ‬سؤال‭ ‬لا‭ ‬يستهدف‭ ‬أحدًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يستهدف‭ ‬مستقبل‭ ‬شراكة‭ ‬كبرى‭. ‬والإجابة‭ ‬عنه‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬بالشعارات،‭ ‬بل‭ ‬بمواقف‭ ‬واضحة،‭ ‬وخطاب‭ ‬إعلامي‭ ‬متوازن،‭ ‬وتضامن‭ ‬يعكس‭ ‬حقيقة‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭. ‬فالعلاقة‭ ‬التي‭ ‬تتسع‭ ‬للمليارات‭ ‬وملايين‭ ‬البشر‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتسع‭ ‬أيضًا‭ ‬لموقف‭ ‬صريح‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬على‭ ‬المحك‭.‬

 

 

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا