مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
مليارات الخليج إلى الهند.. فأين التضامن وقت الخطر؟
ليست العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي والهند مجرد أرقام في ميزان التجارة، أو عقود عمل تستوعب ملايين الهنود، أو تحويلات مالية تتدفق سنويًّا إلى الاقتصاد الهندي؛ إنها علاقة مصالح متشابكة، وامتداد إنساني واجتماعي تشكّل على مدى عقود، لكن هذه العلاقة تطرح اليوم سؤالا مشروعًا لا ينبغي تجاهله: حين تتعرض دول الخليج لاعتداءات إيرانية أو لهجمات من الحوثيين، أين يذهب ذلك الرصيد الهائل من المصالح عندما يتعلق الأمر بالتضامن الشعبي والإعلامي الذي يوازي أهميته؟
الأرقام وحدها كافية لتوضيح حجم هذه العلاقة، فبحسب بيانات وزارة الشؤون الخارجية الهندية المقدمة إلى البرلمان الهندي في أبريل 2026 يتجاوز عدد المواطنين الهنود المقيمين في دول الخليج 9.9 ملايين شخص، وفق بيانات حتى مارس 2026، وتتصدر الإمارات القائمة بنحو 4.326 ملايين هندي، تليها السعودية بنحو 2.748 مليون، ثم الكويت بنحو 1.06 مليون، وقطر بنحو 829 ألفًا، ثم سلطنة عمان بنحو 675 ألفًا، ويبلغ عددهم في البحرين نحو 315 ألفًا.
هذه ليست مجرد جاليات عابرة، بل كتلة بشرية ضخمة تعيش وتعمل وتبني مستقبلها في المجتمعات الخليجية، وترتبط بها مصالح ملايين الأسر الهندية.
ولا تقف أهمية هذه العلاقة عند عدد المقيمين فقط، إذ أشارت بيانات السفارة الهندية في الرياض إلى أن التحويلات المالية التي تلقتها الهند من الخارج خلال السنة المالية 2024–2025 قد بلغت نحو 52.44 مليار دولار، جاء ما يقارب %38 من إجمالي هذه التحويلات من دول مجلس التعاون الخليجي، أي ما يعادل نحو 19.9 مليار دولار.
وبذلك، فإن الأموال التي يرسلها الهنود العاملون في الخليج تمثل رافدًا مهمًّا للاقتصاد الهندي، ومصدرًا للدخل والاستقرار لملايين الأسر، فضلا عن العلاقات التجارية بين الجانبين.
أمام هذه الحقائق، يصبح التساؤل أكثر إلحاحًا: كيف يمكن لعلاقة بهذا الحجم الاقتصادي والإنساني أن تظل، في لحظات الخطر، أقل حضورًا في خطاب التضامن الشعبي مما توحي به مصالحها المتبادلة؟
المفارقة التي تستحق التوقف عندها أن بعض التيارات السياسية والشعبية في الهند أظهرت حماسة واضحة في التعبير عن دعمها لإسرائيل، سواءٌ عبر حملات التضامن على منصات التواصل الاجتماعي، أو المواقف الأيديولوجية التي تتبنى روايتها الأمنية، أو الاحتفاء بتطور علاقاتها مع الحكومة الهندية. وفي المقابل، لا يبدو التضامن الشعبي والإعلامي المنظم مع دول الخليج، عندما تتعرض لاعتداءات تهدد أمنها وسيادتها، بالحضور نفسه في المشهد العام.
وهنا ينبغي التمييز بين المواقف الرسمية للحكومة الهندية، التي صدرت عنها إدانات ودعوات إلى احترام سيادة الدول ورفض استهداف المدنيين، ومستوى التعبير الشعبي والإعلامي عن التضامن.
إن بعض التيارات الهندية نجحت في تحويل دعم إسرائيل إلى قضية سياسية وأيديولوجية ذات حضور واضح، بينما لا يحظى التضامن مع دول الخليج، رغم حجم الروابط الإنسانية والاقتصادية، بالظهور ذاته، وهذا تفاوت يستحق البحث والتفسير، لذلك يبقي التساؤل مشروعا عن أسباب تفاوت الحضور والتعبئة، ولا عن مدى الاهتمام الذي تمنحه وسائل الإعلام الهندية للاعتداءات التي تستهدف الدول الخليجية.
إنَّ دول مجلس التعاون لا تحتاج إلى تحويل علاقاتها مع الهند إلى اختبار يومي للولاء، ولا ينبغي أن تُقاس مواقف ملايين المقيمين فيها بمنشورات عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي. لكنها، في الوقت نفسه، تملك الحق في أن تتساءل عن التوازن بين ما تقدمه هذه العلاقة من فرص ومصالح، وما يظهر في المقابل من مواقف تضامن حين تتعرض دولها للخطر.
فالشراكات الاستراتيجية لا تُقاس فقط بحجم التجارة والاستثمارات، ولا بعدد العاملين والتحويلات، بل أيضًا بمدى وضوح المواقف عندما تُمس السيادة ويتهدد الأمن. وفي اللحظات الصعبة تحديدًا، تتضح قيمة العلاقات، ويظهر ما إذا كانت قد تجاوزت حدود المنفعة الاقتصادية إلى مستوى أعمق من التفاهم والمسؤولية المتبادلة.
إنَّ المطلوب ليس خصومة مع الهند، بل حوارا صريحا معها، يعكس حجم العلاقة الحقيقية بين الطرفين، حوارا يضع أمام نيودلهي حقيقة أن أمن الخليج ليس شأنًا محليًّا معزولا، وأن استقراره مصلحة مشتركة، وأن ملايين الهنود الذين يعيشون ويعملون فيه يمثلون جسرًا إنسانيًّا ينبغي أن يعزز التفاهم والتضامن بين الجانبين.
فإذا كان نحو 10 ملايين هندي يعيشون في دول الخليج، وكانت المنطقة توفر قرابة 38% من اجمالي التحويلات المالية الوافدة إلى الهند، فمن حقنا أن نتساءل: لماذا لا يكون التضامن مع أمن دولنا وسيادتها حاضرًا بالوضوح نفسه عندما تتعرض للاعتداء؟
إنه سؤال لا يستهدف أحدًا بقدر ما يستهدف مستقبل شراكة كبرى. والإجابة عنه لا تكون بالشعارات، بل بمواقف واضحة، وخطاب إعلامي متوازن، وتضامن يعكس حقيقة المصالح المشتركة. فالعلاقة التي تتسع للمليارات وملايين البشر ينبغي أن تتسع أيضًا لموقف صريح حين يكون أمن الخليج على المحك.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك