مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
وزير الداخلية ونواب الأمة
حين تحدث معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية، خلال الاجتماع المشترك مع السلطة التشريعية، عن الجهود الوطنية خلال فترة العدوان الإيراني الآثم، لم يكن يستعرض فقط ما قامت به أجهزة الدولة ومؤسساتها خلال أشهر عصيبة، وإنما كان يضع أمام أعضاء مجلسي الشورى والنواب صورة أوسع للمرحلة المقبلة، بما تحمله من تحديات ومتغيرات، ويؤكد أن ما جرى لم يعد مجرد ظرف استثنائي عابر، وإنما تجربة وطنية ينبغي البناء عليها في مرحلة جديدة من الجاهزية والتنسيق والعمل المشترك.
وتأتي هذه الرسالة في توقيت بالغ الأهمية، مع قرب انطلاق دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي الحالي، وهو دور ينعقد في ظرف استثنائي، بعد تجربة أمنية وإقليمية فرضت على مملكة البحرين ودول الخليج التعامل مع اعتداءات إيرانية آثمة، وأفرزت في الوقت ذاته متغيرات أمنية وسياسية واقتصادية وإقليمية ودولية، سيكون لها أثرها في مسار العمل الوطني خلال المرحلة المقبلة.
ومن هنا تبرز أهمية ما طرحه وزير الداخلية أمام السلطة التشريعية، حين أكد أن الجاهزية الوطنية للتعامل مع الأزمات لم تولد مع العدوان، وإنما بدأت قبل نحو 25 عامًا مع انطلاق المشروع الإصلاحي الشامل لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، وما أرساه ذلك المشروع من مبادئ للتعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتكامل مؤسسات الدولة، وتضافر جهودها، ووضع المواطن في صميم العمل الوطني.
وهذه النقطة تحمل دلالة مهمة للدور التشريعي المقبل؛ فالاستعداد الوطني الذي تحدث عنه وزير الداخلية لا يقتصر على الجانب العسكري أو الأمني، وإنما يشمل منظومة متكاملة تتصل بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، واستمرار الخدمات، وتأمين سلاسل الإمداد، وضمان الأمن الغذائي والمائي والدوائي، ورفع القدرة على التعامل مع المخاطر السيبرانية، والاستعداد للطوارئ، والحفاظ على انتظام الحياة اليومية في أصعب الظروف.
وقد أثبتت الأشهر الماضية أن قوة الدولة في مواجهة الأزمات لا تقاس فقط بقدرتها على التصدي للتهديدات، وإنما كذلك بقدرتها على الحفاظ على تماسك مجتمعها واستمرار مؤسساتها وخدماتها. ومن هنا يصبح التكامل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ضرورة وطنية تتجاوز حدود التعاون التقليدي بين المؤسسات.
ولعل الرسالة الأبرز في كلمة وزير الداخلية هي تأكيده أن الحرب وظروف العمليات لم تنتهِ، وأن استمرار الظروف الاستثنائية يفرض مواصلة تعزيز الاستعداد، وخصوصًا في ضوء ما يمكن أن تتركه الأوضاع غير المستقرة من تداعيات على خطوط الإمداد والاقتصاد ومختلف القطاعات الحيوية.
وهنا يأتي دور الانعقاد الخامس في ظرف يحتاج إلى قراءة جديدة للواقع، لا من خلال الانشغال بما حدث فقط، وإنما بالنظر إلى ما ينبغي أن يأتي بعده؛ فالمتغيرات الإقليمية والدولية التي أفرزتها الأشهر الماضية تستدعي تطوير التشريعات والسياسات بما يواكب مستجدات الأمن الوطني والاقتصادي، ويعزز قدرة الدولة على الاستجابة للمخاطر، ويحمي المكتسبات التي تحققت طوال السنوات الماضية.
ولا يعني ذلك أن يتحول العمل التشريعي إلى عمل استثنائي، بل على العكس؛ فإن قوة المؤسسات تظهر في قدرتها على ممارسة أدوارها الطبيعية بكفاءة ومسؤولية في أصعب الظروف، وتحويل التحديات التي كشفت عنها الأزمة إلى دروس وسياسات وتشريعات تعزز مناعة الدولة والمجتمع.
وهنا تتضح أهمية تأكيد جلالة الملك المعظم أن الحفاظ على الوحدة الوطنية وأمن الوطن واستقراره ومقدراته يظل مرتكزًا أساسيًّا تلتزم به جميع الآراء والمقترحات الوطنية المخلصة، وأنَّ غايتها دعم تماسك المجتمع واستدامة مسيرة التنمية والازدهار والبناء، ومواصلة تحقيق المزيد من المنجزات لأبناء الوطن وأجياله القادمة.
إنها رسالة بالغة الدلالة في توقيت بالغ الحساسية؛ فاختلاف الآراء داخل المؤسسات الدستورية أمر طبيعي، بل هو جزء من العمل البرلماني. ولا تتعارض وحدة الهدف الوطني مع تعدد الآراء والرؤى؛ فالتنوع في الاجتهاد جزءٌ أصيل من العمل البرلماني، فيما تظل المصلحة الوطنية العليا والإطار الدستوري الجامع هما الضابط لهذا التنوع.
وقد أظهرت التجربة الأخيرة أهمية تكامل الأدوار بين قوة دفاع البحرين والحرس الوطني ووزارة الداخلية والأجهزة العسكرية والأمنية والمدنية، ضمن منظومة واحدة استطاعت التعامل مع التهديدات والحفاظ على استمرار الخدمات وحماية المجتمع.
والمطلوب اليوم ألا تبقى تجربة الأشهر الماضية مجرد سجل لما تم التعامل معه، بل أن تتحول إلى رصيد وطني يُبنى عليه في التشريع والتخطيط وصناعة القرار، بما يعزز منظومة الاستعداد، ويرفع قدرة المؤسسات على التعامل مع المتغيرات، ويحافظ في الوقت ذاته على الثوابت التي قامت عليها مسيرة التنمية الوطنية.
إنَّ دور الانعقاد الخامس لا يبدأ من فراغ، وإنما ينطلق من تجربة وطنية كبيرة كشفت مكامن القوة، وأظهرت أهمية الاستعداد المسبق، وأكدت أن وحدة القرار وتكامل المؤسسات وسرعة الاستجابة عناصر لا غنى عنها في مواجهة الأزمات.
والرسالة التي ينبغي أن تظل حاضرة مع انطلاق هذا الدور هي أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى برلمان واعٍ بمتغيرات الإقليم، وحكومة مستمرة في رفع قدرتها على الاستجابة، ومؤسسات تعمل بروح الفريق الواحد، ومجتمع يحافظ على تماسكه ووحدته الوطنية.
فالبحرين تدخل هذه المرحلة الجديدة بما راكمته من خبرة، وبما أثبتته مؤسساتها من قدرة على التعامل مع الظروف الاستثنائية، وبما أكدته القيادة من أن أمن الوطن واستقراره ووحدته الوطنية تظل فوق كل اعتبار.
وهكذا يصبح الدور الخامس أكثر من مجرد استحقاق دستوري جديد؛ إنه محطة لإعادة قراءة المرحلة واستخلاص دروسها، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة ما قد تحمله المنطقة من متغيرات وتحولات.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك