مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
البحرين.. دانة الخليج
في الوقت الذي تعبر فيه المنطقة واحدةً من أكثر مراحلها حساسية، كانت البحرين تفتح أبوابها لأبناء الخليج، وتؤكد مرة أخرى أنها ليست مجرد دولة تحتضن العمل الخليجي، وإنما هي بيتٌ خليجي يجتمع فيه الأشقاء، وتتلاقى فيه الرؤى، وتتجدد فيه العزيمة على مواصلة مسيرة التعاون والتكامل.
ففي خضم أحداث متسارعة ومتغيرات عاتية شهدتها المنطقة على مدار الأشهر الماضية من عام 2026، وهو العام الذي تترأس فيه مملكة البحرين الدورة الحالية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، واصلت المملكة دورها في دفع مسيرة العمل الخليجي، مستندة إلى رصيد عميق من المحبة التي تجمعها بأشقائها، وإلى إيمان راسخ بأن مجلس التعاون ليس مجرد منظومة إقليمية، وإنما هي رابطةٌ أخويةٌ ومصيرٌ مشتركٌ بين أبناء الخليج العربي.
لقد مرت المنطقة هذا العام بمرحلة عصيبة من التوترات التي لم تكن سببًا فيها، لكنها أثبتت أن الأزمات لا تزيدها إلا تماسكًا بين الأشقاء، وإيمانًا بأن قوة الخليج في وحدته، وأنَّ ما يجمع شعوبه من تاريخ وروابط ومصالح ومصير أكبرُ من أي ظرف عابر.
ومن هنا تكتسب استضافة البحرين مؤتمر ومعرض «صنع في الخليج»، المقام برعاية ملكية سامية، أهمية تتجاوز حدود الفعالية الاقتصادية والصناعية، لتصبح رسالة خليجية واضحة بأن التكامل هو أحد أهم مقومات القوة والاستقرار، وأن بناء اقتصاد خليجي متماسك يبدأ من تعزيز القدرة على الإنتاج، وفتح الأسواق، وتكامل الصناعات، وتأمين سلاسل الإمداد.
وكما أوضح لي الأخ عادل بن عبدالله فخرو وزير الصناعة والتجارة، فإن المبادرة تستهدف تعزيز البصمة الخليجية في المجالات الصناعية، ونقل المنطقة من نمط الاستهلاك إلى نمط الإنتاج، وهي رؤية تعبر في جوهرها عن أحد أهم التحديات التي تواجه اقتصادات دول المجلس، وتفتح في الوقت ذاته آفاقًا أوسع للتعاون والشراكة بين القطاعين العام والخاص.
ولعل اللافت أن «صنع في الخليج» يأتي متزامنًا مع حراك خليجي واسع تحتضنه البحرين، من اجتماعات وزراء البترول والطاقة، ووزراء الكهرباء والماء، ووزراء الصناعة والتجارة، إلى اجتماع اتحادات الغرف التجارية الخليجية، إلى جانب سلسلة من الاجتماعات واللقاءات التي تبحث ملفات تمس حياة كل مواطن خليجي بصورة مباشرة.
ومن خطط الطوارئ الخاصة بالمنتجات البترولية، إلى ضمان استمرارية الإمدادات الكهربائية، وانسيابية سلاسل الإمداد، وتعزيز الأمن الغذائي، تتأكد حقيقة واحدة، هي أن دول الخليج، وهي تواجه المتغيرات من حولها، تدرك أن أمنها الاقتصادي والتنموي ومقدراتها الوطنية ترتبط بقدر أكبر من التنسيق والتكامل والعمل المشترك.
وفي هذا المشهد الخليجي المتكامل جاءت كلمات صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وزير الطاقة في المملكة العربية السعودية، خلال جلسته في مؤتمر «صنع في الخليج»، لتجسد عمق الروابط التي تجمع البحرين بالمملكة العربية السعودية الشقيقة.
فحين يتحدث سموه عن قربه من البحرين وأهلها، وعن العلاقات التي تمتد إلى صلات عائلية، وحين يستحضر قصيدة الراحل غازي القصيبي بمناسبة افتتاح الجسر الرابط بين البلدين، فإنه لا يتحدث عن جسر من الإسمنت والحديد، وإنما عن جسر من المحبة صنعته قرون من التواصل والتاريخ والمصالح والوشائج الإنسانية.
وكأن كلمات القصيبي تعود اليوم لتقول إن المسافة بين الرياض والمنامة لم تكن يومًا مسافة بحر، بل طريقًا من المحبة:
دَرْبٌ مِنَ العِشْقِ... لَا دَرْبٌ مِنَ الحَجَرِ
هَذَا الَّذِي طَارَ بِالوَاحَاتِ لِلجُزُرِ
وما أجمل أن تستحضر البحرين هذه المعاني في الوقت الذي تستضيف فيه أبناء الخليج، في مؤتمر يجمع الصناعة والتجارة والطاقة والاقتصاد، ويؤكد أن الجسور التي تجمع دول المجلس ليست فقط جسورًا مادية، وإنما هي جسورٌ من المصالح المشتركة والإرادة الواحدة والمصير الواحد.
وهنا تحديدًا تتجلى صورة البحرين.. دانة الخليج؛ فالبحرين، التي ظلت عبر تاريخها مساحة للقاء والتواصل والانفتاح، تؤكد اليوم أن مكانتها الخليجية لا تقوم على استضافة الفعاليات وحدها، وإنما على قدرتها على جمع الأشقاء حول قضاياهم المشتركة، وتحويل اللقاءات إلى حوار، والحوار إلى تنسيق، والتنسيق إلى عمل.
ومن «صُنع في الخليج» إلى مختلف الاجتماعات واللقاءات الخليجية التي شهدتها المملكة، تبدو الرسالة واحدة؛ الخليج أقوى حين يعمل معًا، وأقدر على حماية مكتسباته حين تتكامل إمكاناته.
وستبقى البحرين، دانة الخليج، تفتح ذراعيها لأشقائها، وتواصل أداء دورها في جمع الكلمة الخليجية، وتعزيز مسيرة التعاون، وبناء رؤية مشتركة تحمي مقدرات ومكتسبات شعوب المجلس، وتترجم إرث القادة الذين آمنوا منذ البداية بأن قوة الخليج في وحدته، وأن مستقبله لا يُبنى إلا بأيدي أبنائه جميعًا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك