العدد : ١٧٧٢٩ - الأربعاء ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٩ - الأربعاء ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

البحرين.. دانة الخليج

في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تعبر‭ ‬فيه‭ ‬المنطقة‭ ‬واحدةً‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬مراحلها‭ ‬حساسية،‭ ‬كانت‭ ‬البحرين‭ ‬تفتح‭ ‬أبوابها‭ ‬لأبناء‭ ‬الخليج،‭ ‬وتؤكد‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬دولة‭ ‬تحتضن‭ ‬العمل‭ ‬الخليجي،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬بيتٌ‭ ‬خليجي‭ ‬يجتمع‭ ‬فيه‭ ‬الأشقاء،‭ ‬وتتلاقى‭ ‬فيه‭ ‬الرؤى،‭ ‬وتتجدد‭ ‬فيه‭ ‬العزيمة‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬مسيرة‭ ‬التعاون‭ ‬والتكامل‭.‬

ففي‭ ‬خضم‭ ‬أحداث‭ ‬متسارعة‭ ‬ومتغيرات‭ ‬عاتية‭ ‬شهدتها‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬وهو‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬تترأس‭ ‬فيه‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬الدورة‭ ‬الحالية‭ ‬لمجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية،‭ ‬واصلت‭ ‬المملكة‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬مسيرة‭ ‬العمل‭ ‬الخليجي،‭ ‬مستندة‭ ‬إلى‭ ‬رصيد‭ ‬عميق‭ ‬من‭ ‬المحبة‭ ‬التي‭ ‬تجمعها‭ ‬بأشقائها،‭ ‬وإلى‭ ‬إيمان‭ ‬راسخ‭ ‬بأن‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬منظومة‭ ‬إقليمية،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬رابطةٌ‭ ‬أخويةٌ‭ ‬ومصيرٌ‭ ‬مشتركٌ‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭.‬

لقد‭ ‬مرت‭ ‬المنطقة‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬بمرحلة‭ ‬عصيبة‭ ‬من‭ ‬التوترات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سببًا‭ ‬فيها،‭ ‬لكنها‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬الأزمات‭ ‬لا‭ ‬تزيدها‭ ‬إلا‭ ‬تماسكًا‭ ‬بين‭ ‬الأشقاء،‭ ‬وإيمانًا‭ ‬بأن‭ ‬قوة‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬وحدته،‭ ‬وأنَّ‭ ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬شعوبه‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬وروابط‭ ‬ومصالح‭ ‬ومصير‭ ‬أكبرُ‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬ظرف‭ ‬عابر‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تكتسب‭ ‬استضافة‭ ‬البحرين‭ ‬مؤتمر‭ ‬ومعرض‭ ‬‮«‬صنع‭ ‬في‭ ‬الخليج‮»‬،‭ ‬المقام‭ ‬برعاية‭ ‬ملكية‭ ‬سامية،‭ ‬أهمية‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الفعالية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والصناعية،‭ ‬لتصبح‭ ‬رسالة‭ ‬خليجية‭ ‬واضحة‭ ‬بأن‭ ‬التكامل‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مقومات‭ ‬القوة‭ ‬والاستقرار،‭ ‬وأن‭ ‬بناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬خليجي‭ ‬متماسك‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬تعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وفتح‭ ‬الأسواق،‭ ‬وتكامل‭ ‬الصناعات،‭ ‬وتأمين‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭.‬

وكما‭ ‬أوضح‭ ‬لي‭ ‬الأخ‭ ‬عادل‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬فخرو‭ ‬وزير‭ ‬الصناعة‭ ‬والتجارة،‭ ‬فإن‭ ‬المبادرة‭ ‬تستهدف‭ ‬تعزيز‭ ‬البصمة‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الصناعية،‭ ‬ونقل‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬نمط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬إلى‭ ‬نمط‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وهي‭ ‬رؤية‭ ‬تعبر‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬عن‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬اقتصادات‭ ‬دول‭ ‬المجلس،‭ ‬وتفتح‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬آفاقًا‭ ‬أوسع‭ ‬للتعاون‭ ‬والشراكة‭ ‬بين‭ ‬القطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭.‬

ولعل‭ ‬اللافت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬صنع‭ ‬في‭ ‬الخليج‮»‬‭ ‬يأتي‭ ‬متزامنًا‭ ‬مع‭ ‬حراك‭ ‬خليجي‭ ‬واسع‭ ‬تحتضنه‭ ‬البحرين،‭ ‬من‭ ‬اجتماعات‭ ‬وزراء‭ ‬البترول‭ ‬والطاقة،‭ ‬ووزراء‭ ‬الكهرباء‭ ‬والماء،‭ ‬ووزراء‭ ‬الصناعة‭ ‬والتجارة،‭ ‬إلى‭ ‬اجتماع‭ ‬اتحادات‭ ‬الغرف‭ ‬التجارية‭ ‬الخليجية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الاجتماعات‭ ‬واللقاءات‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬ملفات‭ ‬تمس‭ ‬حياة‭ ‬كل‭ ‬مواطن‭ ‬خليجي‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭.‬

ومن‭ ‬خطط‭ ‬الطوارئ‭ ‬الخاصة‭ ‬بالمنتجات‭ ‬البترولية،‭ ‬إلى‭ ‬ضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬الإمدادات‭ ‬الكهربائية،‭ ‬وانسيابية‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي،‭ ‬تتأكد‭ ‬حقيقة‭ ‬واحدة،‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬وهي‭ ‬تواجه‭ ‬المتغيرات‭ ‬من‭ ‬حولها،‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬أمنها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنموي‭ ‬ومقدراتها‭ ‬الوطنية‭ ‬ترتبط‭ ‬بقدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬التنسيق‭ ‬والتكامل‭ ‬والعمل‭ ‬المشترك‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬الخليجي‭ ‬المتكامل‭ ‬جاءت‭ ‬كلمات‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬آل‭ ‬سعود‭ ‬وزير‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية،‭ ‬خلال‭ ‬جلسته‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬‮«‬صنع‭ ‬في‭ ‬الخليج‮»‬،‭ ‬لتجسد‭ ‬عمق‭ ‬الروابط‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬البحرين‭ ‬بالمملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬الشقيقة‭.‬

فحين‭ ‬يتحدث‭ ‬سموه‭ ‬عن‭ ‬قربه‭ ‬من‭ ‬البحرين‭ ‬وأهلها،‭ ‬وعن‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬صلات‭ ‬عائلية،‭ ‬وحين‭ ‬يستحضر‭ ‬قصيدة‭ ‬الراحل‭ ‬غازي‭ ‬القصيبي‭ ‬بمناسبة‭ ‬افتتاح‭ ‬الجسر‭ ‬الرابط‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬جسر‭ ‬من‭ ‬الإسمنت‭ ‬والحديد،‭ ‬وإنما‭ ‬عن‭ ‬جسر‭ ‬من‭ ‬المحبة‭ ‬صنعته‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬التواصل‭ ‬والتاريخ‭ ‬والمصالح‭ ‬والوشائج‭ ‬الإنسانية‭.‬

وكأن‭ ‬كلمات‭ ‬القصيبي‭ ‬تعود‭ ‬اليوم‭ ‬لتقول‭ ‬إن‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬الرياض‭ ‬والمنامة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يومًا‭ ‬مسافة‭ ‬بحر،‭ ‬بل‭ ‬طريقًا‭ ‬من‭ ‬المحبة‭:‬

دَرْبٌ‭ ‬مِنَ‭ ‬العِشْقِ‭... ‬لَا‭ ‬دَرْبٌ‭ ‬مِنَ‭ ‬الحَجَرِ

هَذَا‭ ‬الَّذِي‭ ‬طَارَ‭ ‬بِالوَاحَاتِ‭ ‬لِلجُزُرِ

وما‭ ‬أجمل‭ ‬أن‭ ‬تستحضر‭ ‬البحرين‭ ‬هذه‭ ‬المعاني‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تستضيف‭ ‬فيه‭ ‬أبناء‭ ‬الخليج،‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬يجمع‭ ‬الصناعة‭ ‬والتجارة‭ ‬والطاقة‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬الجسور‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬جسورًا‭ ‬مادية،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬جسورٌ‭ ‬من‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬والإرادة‭ ‬الواحدة‭ ‬والمصير‭ ‬الواحد‭.‬

وهنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬تتجلى‭ ‬صورة‭ ‬البحرين‭.. ‬دانة‭ ‬الخليج؛‭ ‬فالبحرين،‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬عبر‭ ‬تاريخها‭ ‬مساحة‭ ‬للقاء‭ ‬والتواصل‭ ‬والانفتاح،‭ ‬تؤكد‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬مكانتها‭ ‬الخليجية‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬استضافة‭ ‬الفعاليات‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬الأشقاء‭ ‬حول‭ ‬قضاياهم‭ ‬المشتركة،‭ ‬وتحويل‭ ‬اللقاءات‭ ‬إلى‭ ‬حوار،‭ ‬والحوار‭ ‬إلى‭ ‬تنسيق،‭ ‬والتنسيق‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭.‬

ومن‭ ‬‮«‬صُنع‭ ‬في‭ ‬الخليج‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬الاجتماعات‭ ‬واللقاءات‭ ‬الخليجية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬المملكة،‭ ‬تبدو‭ ‬الرسالة‭ ‬واحدة؛‭ ‬الخليج‭ ‬أقوى‭ ‬حين‭ ‬يعمل‭ ‬معًا،‭ ‬وأقدر‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬مكتسباته‭ ‬حين‭ ‬تتكامل‭ ‬إمكاناته‭.‬

وستبقى‭ ‬البحرين،‭ ‬دانة‭ ‬الخليج،‭ ‬تفتح‭ ‬ذراعيها‭ ‬لأشقائها،‭ ‬وتواصل‭ ‬أداء‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬جمع‭ ‬الكلمة‭ ‬الخليجية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬مسيرة‭ ‬التعاون،‭ ‬وبناء‭ ‬رؤية‭ ‬مشتركة‭ ‬تحمي‭ ‬مقدرات‭ ‬ومكتسبات‭ ‬شعوب‭ ‬المجلس،‭ ‬وتترجم‭ ‬إرث‭ ‬القادة‭ ‬الذين‭ ‬آمنوا‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬بأن‭ ‬قوة‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬وحدته،‭ ‬وأن‭ ‬مستقبله‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬إلا‭ ‬بأيدي‭ ‬أبنائه‭ ‬جميعًا‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا