الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
ماذا لو انقطعت الكابلات البحرية..؟؟
في عام 1858، عندما مدّت بريطانيا أول كابل تلغراف عبر المحيط الأطلسي، واحتفل العالم بأنه اختصر المسافة بين القارتين من أسابيع إلى دقائق.. لكن بعد ثلاثة أسابيع فقط، انقطع الكابل، وعاد العالم إلى صمته القديم.. يومها أدرك البشر حقيقة لم تتغير حتى اليوم: أن أقوى الإمبراطوريات يمكن أن تُعزل بكابل واحد يُقطع في قاع البحر.
واليوم، وبعد 168 عاماً، تعود هذه الحقيقة لتطرق أبوابنا في الخليج العربي، مع تهديدات إيرانية بقطع الكابلات البحرية في مضيق هرمز.. تهديدات لم تعد مجرد كلام سياسي، بل تحركات ميدانية رصدتها شركات الملاحة العالمية، لسفن تتباطأ وتدور فوق مسارات الكابلات في بحر عُمان، وتُطفئ أجهزة تتبعها.
الكابلات البحرية ليست أسلاكاً تحت الماء، هي شريان الحياة الحديث، وأكثر من 99% من بيانات العالم تمر عبرها، بما فيها التحويلات المصرفية التي تقدر بتريليونات الدولارات يومياً، والخدمات السحابية، والخدمات الحكومية، وتطبيقاتنا اليومية.
دول الخليج العربي، التي بنت نهضتها على التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، هي الأكثر ارتباطاً بهذا الشريان.. بعض هذه الدول لا تملك أي مسار بحري يتجنب هرمز.. كل كابلاتها تهبط داخل الخليج، وتعبر المضيق للخروج إلى العالم. لذلك لو تم قطع 3 أو 4 كابلات في وقت واحد، لن ينقطع الإنترنت بالكامل، لكنه سيتحول إلى إنترنت بطيء ومتقطع، يتعطل معه التداول البنكي، وتتوقف الخدمات السحابية، وتتأثر البورصات والمطارات والموانئ والخدمات الحكومية.
ولهذا، فإن وجود الخطط الوقائية والبديلة ليس ترفاً، بل هو أمن قومي.. وقد بدأت دول الخليج العربي بالفعل في بناء هذه الحصانة.. وهناك مشاريع خليجية عديدة، وهذه المشاريع هي أنابيب النفط الجديدة، لكنها للبيانات هذه المرة.. غير أن المشكلة أن هذه البدائل تحتاج إلى سنتين أو ثلاث لتكتمل، والتهديد موجود اليوم...!!
لذلك، لا بد من العمل على تعزيز الروابط البرية الحالية عبر السعودية، التي هي شريان الطوارئ الأول، وتوزيع مراكز البيانات، وعدم الاعتماد على شركة سحابية واحدة، وتجهيز خطط طوارئ وطنية للبنوك والخدمات الحيوية.
وهنا يأتي دور الوعي المجتمعي والثقة بالدولة.. ففي الأزمات الرقمية، فإن الشائعة تنتشر أسرع من انقطاع الإنترنت نفسه.. لذلك، فإن وعي المواطن بعدم تداول الشائعات، والاعتماد على المصادر الرسمية، والاستعداد الشخصي بحفظ نسخ احتياطية، هو خط الدفاع الأول.
والثقة بالدولة هي الأساس، فدول الخليج تمتلك الإمكانيات والخبرات والتحالفات الدولية لحماية بنيتها التحتية، وهي تتعاون مع شركات عالمية ومع اللجنة الدولية لحماية الكابلات، وتراقب المضيق لحظة بلحظة.. وكما تجاوزت دولنا أزمات النفط والجائحة والحروب السابقة، ستتجاوز هذا التحدي الرقمي أيضاً، إذا توحدت الجهود الرسمية والمجتمعية.
إن الكابلات البحرية علمتنا درساً تاريخياً: أن من يملك الاتصال، يملك المستقبل، ومن يقطع الاتصال، لا يقطع سلكاً، بل يقطع حياة الناس وأعمالهم وأحلامهم.. ففي زمن الحروب، لا يُقاس قوة الدول بما تملكه من سلاح، بل بما تملكه من بدائل تحميها عندما يُقطع عنها آخر خيط يربطها بالعالم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك