العدد : ١٧٧٦١ - الأحد ٠٨ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٦١ - الأحد ٠٨ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

ماذا لو انقطعت الكابلات البحرية..؟؟

في‭ ‬عام‭ ‬1858،‭ ‬عندما‭ ‬مدّت‭ ‬بريطانيا‭ ‬أول‭ ‬كابل‭ ‬تلغراف‭ ‬عبر‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلسي،‭ ‬واحتفل‭ ‬العالم‭ ‬بأنه‭ ‬اختصر‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬القارتين‭ ‬من‭ ‬أسابيع‭ ‬إلى‭ ‬دقائق‭.. ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬أسابيع‭ ‬فقط،‭ ‬انقطع‭ ‬الكابل،‭ ‬وعاد‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬صمته‭ ‬القديم‭.. ‬يومها‭ ‬أدرك‭ ‬البشر‭ ‬حقيقة‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭: ‬أن‭ ‬أقوى‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُعزل‭ ‬بكابل‭ ‬واحد‭ ‬يُقطع‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬البحر‭. ‬

واليوم،‭ ‬وبعد‭ ‬168‭ ‬عاماً،‭ ‬تعود‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬لتطرق‭ ‬أبوابنا‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬مع‭ ‬تهديدات‭ ‬إيرانية‭ ‬بقطع‭ ‬الكابلات‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭.. ‬تهديدات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬كلام‭ ‬سياسي،‭ ‬بل‭ ‬تحركات‭ ‬ميدانية‭ ‬رصدتها‭ ‬شركات‭ ‬الملاحة‭ ‬العالمية،‭ ‬لسفن‭ ‬تتباطأ‭ ‬وتدور‭ ‬فوق‭ ‬مسارات‭ ‬الكابلات‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬عُمان،‭ ‬وتُطفئ‭ ‬أجهزة‭ ‬تتبعها‭. ‬

الكابلات‭ ‬البحرية‭ ‬ليست‭ ‬أسلاكاً‭ ‬تحت‭ ‬الماء،‭ ‬هي‭ ‬شريان‭ ‬الحياة‭ ‬الحديث،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬99‭%‬‭ ‬من‭ ‬بيانات‭ ‬العالم‭ ‬تمر‭ ‬عبرها،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬التحويلات‭ ‬المصرفية‭ ‬التي‭ ‬تقدر‭ ‬بتريليونات‭ ‬الدولارات‭ ‬يومياً،‭ ‬والخدمات‭ ‬السحابية،‭ ‬والخدمات‭ ‬الحكومية،‭ ‬وتطبيقاتنا‭ ‬اليومية‭. ‬

دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬التي‭ ‬بنت‭ ‬نهضتها‭ ‬على‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بهذا‭ ‬الشريان‭.. ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬أي‭ ‬مسار‭ ‬بحري‭ ‬يتجنب‭ ‬هرمز‭.. ‬كل‭ ‬كابلاتها‭ ‬تهبط‭ ‬داخل‭ ‬الخليج،‭ ‬وتعبر‭ ‬المضيق‭ ‬للخروج‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭. ‬لذلك‭ ‬لو‭ ‬تم‭ ‬قطع‭ ‬3‭ ‬أو‭ ‬4‭ ‬كابلات‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد،‭ ‬لن‭ ‬ينقطع‭ ‬الإنترنت‭ ‬بالكامل،‭ ‬لكنه‭ ‬سيتحول‭ ‬إلى‭ ‬إنترنت‭ ‬بطيء‭ ‬ومتقطع،‭ ‬يتعطل‭ ‬معه‭ ‬التداول‭ ‬البنكي،‭ ‬وتتوقف‭ ‬الخدمات‭ ‬السحابية،‭ ‬وتتأثر‭ ‬البورصات‭ ‬والمطارات‭ ‬والموانئ‭ ‬والخدمات‭ ‬الحكومية‭. ‬

ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬وجود‭ ‬الخطط‭ ‬الوقائية‭ ‬والبديلة‭ ‬ليس‭ ‬ترفاً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أمن‭ ‬قومي‭.. ‬وقد‭ ‬بدأت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬هذه‭ ‬الحصانة‭.. ‬وهناك‭ ‬مشاريع‭ ‬خليجية‭ ‬عديدة،‭ ‬وهذه‭ ‬المشاريع‭ ‬هي‭ ‬أنابيب‭ ‬النفط‭ ‬الجديدة،‭ ‬لكنها‭ ‬للبيانات‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭.. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬البدائل‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سنتين‭ ‬أو‭ ‬ثلاث‭ ‬لتكتمل،‭ ‬والتهديد‭ ‬موجود‭ ‬اليوم‭...!!‬

لذلك،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬الروابط‭ ‬البرية‭ ‬الحالية‭ ‬عبر‭ ‬السعودية،‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬شريان‭ ‬الطوارئ‭ ‬الأول،‭ ‬وتوزيع‭ ‬مراكز‭ ‬البيانات،‭ ‬وعدم‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬شركة‭ ‬سحابية‭ ‬واحدة،‭ ‬وتجهيز‭ ‬خطط‭ ‬طوارئ‭ ‬وطنية‭ ‬للبنوك‭ ‬والخدمات‭ ‬الحيوية‭. ‬

وهنا‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي‭ ‬والثقة‭ ‬بالدولة‭.. ‬ففي‭ ‬الأزمات‭ ‬الرقمية،‭ ‬فإن‭ ‬الشائعة‭ ‬تنتشر‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬انقطاع‭ ‬الإنترنت‭ ‬نفسه‭.. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬وعي‭ ‬المواطن‭ ‬بعدم‭ ‬تداول‭ ‬الشائعات،‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬المصادر‭ ‬الرسمية،‭ ‬والاستعداد‭ ‬الشخصي‭ ‬بحفظ‭ ‬نسخ‭ ‬احتياطية،‭ ‬هو‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭. ‬

والثقة‭ ‬بالدولة‭ ‬هي‭ ‬الأساس،‭ ‬فدول‭ ‬الخليج‭ ‬تمتلك‭ ‬الإمكانيات‭ ‬والخبرات‭ ‬والتحالفات‭ ‬الدولية‭ ‬لحماية‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتية،‭ ‬وهي‭ ‬تتعاون‭ ‬مع‭ ‬شركات‭ ‬عالمية‭ ‬ومع‭ ‬اللجنة‭ ‬الدولية‭ ‬لحماية‭ ‬الكابلات،‭ ‬وتراقب‭ ‬المضيق‭ ‬لحظة‭ ‬بلحظة‭.. ‬وكما‭ ‬تجاوزت‭ ‬دولنا‭ ‬أزمات‭ ‬النفط‭ ‬والجائحة‭ ‬والحروب‭ ‬السابقة،‭ ‬ستتجاوز‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬الرقمي‭ ‬أيضاً،‭ ‬إذا‭ ‬توحدت‭ ‬الجهود‭ ‬الرسمية‭ ‬والمجتمعية‭. ‬

إن‭ ‬الكابلات‭ ‬البحرية‭ ‬علمتنا‭ ‬درساً‭ ‬تاريخياً‭: ‬أن‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬الاتصال،‭ ‬يملك‭ ‬المستقبل،‭ ‬ومن‭ ‬يقطع‭ ‬الاتصال،‭ ‬لا‭ ‬يقطع‭ ‬سلكاً،‭ ‬بل‭ ‬يقطع‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬وأعمالهم‭ ‬وأحلامهم‭.. ‬ففي‭ ‬زمن‭ ‬الحروب،‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬قوة‭ ‬الدول‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬سلاح،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬بدائل‭ ‬تحميها‭ ‬عندما‭ ‬يُقطع‭ ‬عنها‭ ‬آخر‭ ‬خيط‭ ‬يربطها‭ ‬بالعالم‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا