الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
حوار المنامة.. ومنتدى بوابة الخليج
في 19 يوليو 2024 استيقظ العالم على فوضى غير مسبوقة. لم تكن حرباً ولا زلزالاً، كان مجرد تحديث برمجي خاطئ من شركة الأمن السيبراني الأمريكية.. خلال ساعات فقط تعطل 8.5 ملايين جهاز كمبيوتر حول العالم، وتوقفت 5 آلاف رحلة جوية، وشلت أنظمة بنوك ومستشفيات وبورصات، وقدرت الخسائر المباشرة بـ5.4 مليارات دولار بحسب شركات التأمين.
تلك الحادثة الموثقة لم تكن خبراً تقنياً عابراً، كانت إعلاناً لعصر جديد، لم يعد الأمن هو الدبابة والطائرة فقط، بل أصبح سطر برمجة وكابلا بحريا وممرا ملاحيا.. ومن لا يفهم هذا، لن يفهم لماذا يجتمع العالم اليوم في مملكة البحرين.
هذا الأسبوع استضافت مملكة البحرين حدثين كبيرين في وقت واحد، (حوار المنامة)، ومنتدى بوابة الخليج.. التزامن ليس صدفة تنظيمية، بل هو رسالة استراتيجية بحرينية عميقة، تقول إننا لم نعد نفصل بين الأمن والتنمية، فلا أمن بلا ازدهار، ولا ازدهار بلا أمن.
على مدى عقود طويلة، كان البعض يتصور أن الأمن في الخليج العربي على أنه قضية عسكرية بحتة، وأن حوار المنامة كان منبر وزراء الدفاع والجنرالات.. لكن اليوم تغير المفهوم جذرياً.. أمن الخليج لم يعد فقط حماية الحدود، بل حماية الكابلات البحرية للإنترنت التي تمر 95% من بيانات العالم عبرها، وحماية أمن الطاقة، والأمن الغذائي، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد الرقمي. وهنا يأتي الرابط العبقري بين المنتديين.
لا يمكن أن تتحدث عن ازدهار خليجي ورؤى مستقبلية، بينما البحر الأحمر ملتهب بهجمات الحوثيين، وهرمز مهدد، والهجمات السيبرانية تضاعفت 75% في المنطقة بحسب تقرير IBM، والمستثمر الأجنبي لا يسأل أولاً عن نسبة الضريبة، بل يسأل: هل الممر آمن؟ هل البيانات آمنة؟ هل الطاقة مستقرة؟ إذا كان الجواب لا، فلن يأتي الازدهار مهما قدمنا من حوافز.
وفي المقابل، لا يمكن أن تتحدث عن أمن مستدام بالسلاح فقط.. الشاب العاطل عن العمل هو ثغرة أمنية، والاقتصاد المتعثر هو ثغرة أمنية، والتعليم الضعيف هو ثغرة أمنية.. التنمية هي أقوى سلاح أمني، والدولة التي توفر وظائف نوعية وتعليماً متقدماً واقتصاداً متنوعاً، هي دولة محصنة من الداخل قبل الخارج.. وهذا ما فهمته مملكة البحرين مبكراً.
مساحة البحرين الصغيرة هي قوتها الكبيرة.. هي ليست الأكبر، لكنها الأكثر قدرة على أن تكون منصة حوار محايدة، فعندما تجلس أمريكا والصين وبريطانيا والهند ودول الخليج العربي على طاولة واحدة في المنامة، فهذا بحد ذاته إنجاز أمني.. وعندما تتحول نفس القاعة في اليوم التالي إلى منتدى يتحدث عن الذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية والسياحة، فهذه هي الاستراتيجية المتكاملة.
البحرين تقول للعالم: تعالوا تحاوروا عندنا لنحل مشاكل الأمن، وتعالوا استثمروا عندنا لتحصدوا ثمار الازدهار.. الاثنان وجهان لعملة واحدة.. إن عقد المنتديين بالتزامن هو إعلان نهاية الفصل المصطنع بين السياسي والاقتصادي.
في عالم اليوم، قرار أوبك هو قرار أمني، وقرار حماية كابل إنترنت في البحر هو قرار اقتصادي، لا يمكن فصلهما.. ونجاح البحرين في استضافة هذا التزامن ليس نجاحاً تنظيمياً فقط، بل هو تأكيد لدورها التاريخي كعاصمة للتوازن والحوار، والتنمية والازدهار.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك