الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
ذاكرة دولة.. ورسالة وطن
يروي المؤرخون أن أول ما فعله الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة الملقب بالفاتح بعد دخوله البحرين عام 1783م، أنه أصدر كتاب أمان لأهلها، طمأنهم فيه على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم، فقال لهم: «أنتم آمنون».. فكانت تلك الكلمة هي حجر الأساس الذي بنيت عليه الدولة البحرينية الحديثة، دولة تقوم على الأمان والعدل والعقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم.. ومنذ تلك الوثيقة التاريخية، ارتبط اسم الفاتح بقيمة الأمان، وارتبطت البحرين بقيمة التسامح.
وكان أول ما أمر به بعد تأمين الناس على أرواحهم وأموالهم، هو رفع الأذان وتشييد المساجد.. لم يبدأ ببناء القصور أو الأسوار، بل بدأ ببناء بيت من بيوت الله، ليعلن أن هذه الدولة ستقوم على ركنين لا ينفصلان: الإيمان والعدل. ومنذ تلك اللحظة، ارتبط اسم الفاتح بالمسجد، وارتبط المسجد بهوية الدولة البحرينية، فكان المسجد هو أول مؤسسة للدولة، ومنه انطلقت قيم الشورى والتعليم والقضاء.
واليوم، وبعد أكثر من مائتين وأربعين عاماً، نستحضر تلك الواقعة التاريخية ونحن نشهد تفضل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه بافتتاح جامع الشيخ أحمد الفاتح في القضيبية، بعد إعادة بنائه بتوجيه ملكي سام من قبل المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، بحضور صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله.
إن هذه الخطوة تتجاوز كونها مشروعاً عمرانياً، لتكشف عن جملة دلالات عميقة.. أولها إن إعادة بناء الجامع الذي يحمل اسم المؤسس هو فعل وفاء نادر. فالدول العظيمة هي التي لا تقطع صلتها بجذورها، بل تعيد إحياءها في كل جيل. وحين يعاد بناء جامع الفاتح، فإننا لا نعيد بناء جدران، بل نعيد ترسيخ رواية التأسيس في وجدان الأجيال الجديدة، ونؤكد أن البحرين اليوم هي امتداد طبيعي ومباشر لدولة الفاتح التي قامت على التسامح والتعايش واحترام الإنسان.
ولقد أكد جلالة الملك المعظم أن الجامع منارة علمية وثقافية، وهذا هو جوهر رسالة المسجد في الإسلام. وإعادة بنائه وتطويره بهذه الصورة المهيبة، تعني تجديد هذه الرسالة، وهي رسالة البحرين للعالم: إسلام الوسطية والاعتدال.
بجانب أن موقع الجامع في قلب العاصمة، وإعادة تشييده وفق أحدث الطرازات المعمارية التي تمزج بين الأصالة الإسلامية والحداثة، يعكس حرص القيادة على أن تكون بيوت الله في أبهى صورة، كما يعكس النهضة العمرانية التي تشهدها محافظات المملكة الأربع.
إن مملكة البحرين وهي تعيد بناء هذا الصرح، إنما تبعث برسالة إلى العالم أجمع، بأنها ستواصل رسالتها في نشر قيم الأخوة والمحبة والسلام والعيش المشترك واحترام الآخر، وهي القيم التي أرادها الفاتح يوم أسس هذه الدولة.
وكما قال حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه: «إن المساجد ستظل منارات للهدى والخير، تجمع ولا تفرق، وتبني الإنسان قبل أن تبني الجدران».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك