العدد : ١٧٧٤٥ - الجمعة ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٥ - الجمعة ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

أكثر من (800) صوت ورؤية طلابية

ذات‭ ‬يوم،‭ ‬لاحظت‭ ‬معلمة‭ ‬مادة‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬طالبة‭ ‬بدأت‭ ‬تتأخر‭ ‬عن‭ ‬تسليم‭ ‬واجباتها،‭ ‬وتنزوي‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬الأخير‭ ‬صامتة‭.. ‬لم‭ ‬تبادر‭ ‬المعلمة‭ ‬بالعقاب‭ ‬أو‭ ‬اللوم،‭ ‬بل‭ ‬اقتربت‭ ‬منها‭ ‬بعد‭ ‬الحصة‭ ‬وسألتها‭ ‬بهدوء‭: ‬‮«‬ما‭ ‬بك؟‭ ‬لاحظت‭ ‬أنك‭ ‬لست‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام‮»‬‭.. ‬فقالت‭ ‬الطالبة‭ ‬إنها‭ ‬تجد‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬بعض‭ ‬الدروس،‭ ‬وتخشى‭ ‬أن‭ ‬تسأل‭ ‬أمام‭ ‬زميلاتها‭.. ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬كفيلاً‭ ‬بإعادة‭ ‬الطالبة‭ ‬إلى‭ ‬تفوقها،‭ ‬بل‭ ‬جعلها‭ ‬تقترح‭ ‬على‭ ‬المعلمة‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬صندوق‭ ‬الأسئلة‭ ‬الصامتة‮»‬‭ ‬ليكتب‭ ‬فيه‭ ‬الطلبة‭ ‬أسئلتهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حرج‭.‬

هذه‭ ‬الواقعة‭ ‬الصغيرة‭ ‬تختصر‭ ‬فلسفة‭ ‬تربوية‭ ‬كبيرة،‭ ‬نغفل‭ ‬عنها‭ ‬أحياناً‭ ‬في‭ ‬زحمة‭ ‬المناهج‭ ‬والامتحانات،‭ ‬أن‭ ‬التعليم‭ ‬ليس‭ ‬إلقاءً‭ ‬وحفظاً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬تواصل‭ ‬واستماع‭.. ‬وأن‭ ‬الطالب‭ ‬ليس‭ ‬متلقياً‭ ‬سلبياً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬شريك‭ ‬أصيل‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية،‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬الملاحظات‭ ‬والمقترحات‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬الخبير‭ ‬والمخطط‭.. ‬فحين‭ ‬نمنح‭ ‬الطالب‭ ‬حق‭ ‬الكلام،‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نمنحه‭ ‬ترفاً،‭ ‬بل‭ ‬نمنحه‭ ‬ثقة،‭ ‬ونزرع‭ ‬فيه‭ ‬بذرة‭ ‬المواطنة‭ ‬والمسؤولية‭.. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬مؤخراً‭ ‬من‭ ‬تنظيم‭ ‬الملتقى‭ ‬الطلابي‭ ‬الثالث،‭ ‬بمشاركة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬800‭ ‬طالب‭ ‬وطالبة‭ ‬من‭ ‬المدارس‭ ‬الثانوية‭ ‬الحكومية‭ ‬والخاصة،‭ ‬وأعضاء‭ ‬اللجنة‭ ‬الاستشارية‭ ‬من‭ ‬طلبة‭ ‬المدارس‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬عدد،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬800‭ ‬صوت،‭ ‬800‭ ‬حلم،‭ ‬800‭ ‬رؤية‭ ‬لمستقبل‭ ‬البحرين‭.. ‬أن‭ ‬تجمع‭ ‬الوزارة‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬واحد،‭ ‬ليس‭ ‬للاحتفال‭ ‬أو‭ ‬التكريم‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬للحوار‭ ‬والاستماع،‭ ‬فهذا‭ ‬تحول‭ ‬نوعي‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬التربوي‭ ‬يستحق‭ ‬كل‭ ‬الإشادة‭ ‬والدعم‭ ‬والتقدير‭.‬

لقد‭ ‬تحول‭ ‬الملتقى‭ ‬بحق‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬حيوية،‭ ‬تعليمية‭ ‬وتربوية‭ ‬ووطنية‭ ‬بامتياز‭.. ‬منصة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فيها‭ ‬الطلبة‭ ‬ضيوفاً،‭ ‬بل‭ ‬كانوا‭ ‬أصحاب‭ ‬المنصة‭.. ‬تحدثوا،‭ ‬تساءلوا،‭ ‬انتقدوا‭ ‬باحترام،‭ ‬واقترحوا‭ ‬بوعي‭.. ‬وما‭ ‬يميز‭ ‬هذه‭ ‬النسخة‭ ‬الثالثة‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬حواراً‭ ‬شكلياً،‭ ‬بل‭ ‬حواراً‭ ‬مباشراً‭ ‬وصريحاً‭ ‬من‭ ‬سعادة‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬مبارك‭ ‬جمعة‭ ‬وزير‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬مع‭ ‬أبنائه‭ ‬الطلبة،‭ ‬حيث‭ ‬عرض‭ ‬أمامهم‭ ‬بكل‭ ‬شفافية‭ ‬مشاريع‭ ‬الوزارة‭ ‬وخططها‭ ‬للتطوير،‭ ‬في‭ ‬المناهج‭ ‬والبيئة‭ ‬المدرسية‭ ‬والتعليم‭ ‬التقني‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬واستمع‭ ‬إلى‭ ‬مرئياتهم‭ ‬حولها‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬المصارحة‭ ‬بين‭ ‬الوزير‭ ‬والطالب‭ ‬لها‭ ‬أثر‭ ‬تربوي‭ ‬عميق‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬قياسه‭ ‬بدرجة‭ ‬امتحان‭.. ‬فعندما‭ ‬يرى‭ ‬الطالب‭ ‬أن‭ ‬الوزير‭ ‬نفسه‭ ‬يستمع‭ ‬إليه‭ ‬ويدون‭ ‬ملاحظته،‭ ‬فإنه‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬رأيه‭ ‬مهم،‭ ‬وأن‭ ‬صوته‭ ‬مسموع‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬هرم‭ ‬القرار‭ ‬التعليمي‭.. ‬هذا‭ ‬يبني‭ ‬لديه‭ ‬حس‭ ‬الانتماء‭ ‬للمؤسسة‭ ‬التعليمية،‭ ‬ويحول‭ ‬المدرسة‭ ‬من‭ ‬مبنى‭ ‬يذهب‭ ‬إليه‭ ‬مرغما،‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬ثان‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬تطويره‭.. ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬يرسخ‭ ‬ثقافة‭ ‬الحوار‭ ‬كأسلوب‭ ‬حياة،‭ ‬وهي‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬نحتاجها‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تحديات‭ ‬العصر‭ ‬وضجيج‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭.‬

إننا‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬نعد‭ ‬طلبة‭ ‬لاجتياز‭ ‬امتحان‭ ‬الثانوية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬نعد‭ ‬قادة‭ ‬للمستقبل،‭ ‬وموظفين‭ ‬مبدعين،‭ ‬ورواد‭ ‬أعمال،‭ ‬وآباء‭ ‬وأمهات‭ ‬سيقودون‭ ‬أسرهم‭.. ‬والقيادة‭ ‬لا‭ ‬تُدرّس‭ ‬في‭ ‬كتاب،‭ ‬بل‭ ‬تُمارس‭.. ‬ومثل‭ ‬هذه‭ ‬الملتقيات‭ ‬هي‭ ‬مدرسة‭ ‬القيادة‭ ‬الحقيقية‭.. ‬فيها‭ ‬يتعلم‭ ‬الطالب‭ ‬كيف‭ ‬يصوغ‭ ‬فكرته،‭ ‬كيف‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬المئات‭ ‬ويتحدث‭ ‬بثقة،‭ ‬وكيف‭ ‬يحترم‭ ‬الرأي‭ ‬الآخر،‭ ‬وكيف‭ ‬يقدم‭ ‬مقترحاً‭ ‬قابلاً‭ ‬للتنفيذ‭.. ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬المهارات‭ ‬التي‭ ‬يحتاج‭ ‬اليها‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬والمجتمع‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬رؤية‭ ‬البحرين‭ ‬الاقتصادية‭ ‬2030‭.‬

لذلك،‭ ‬نوجه‭ ‬كل‭ ‬الشكر‭ ‬والتقدير‭ ‬الى‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬النوعية‭ ‬المستدامة،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬فعالية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تقليداً‭ ‬تربوياً‭ ‬راسخاً‭.. ‬الشكر‭ ‬موصول‭ ‬لكل‭ ‬معلم‭ ‬ومعلمة‭ ‬غرسوا‭ ‬في‭ ‬طلبتهم‭ ‬الجرأة‭ ‬المهذبة،‭ ‬ولكل‭ ‬ولي‭ ‬أمر‭ ‬شجع‭ ‬ابنه‭ ‬على‭ ‬التعبير،‭ ‬ونأمل‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬توصيات‭ ‬هذا‭ ‬الملتقى‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬ومشاريع‭ ‬ملموسة،‭ ‬وأن‭ ‬يتم‭ ‬توسيع‭ ‬التجربة‭ ‬لتشمل‭ ‬المراحل‭ ‬الإعدادية‭ ‬والابتدائية،‭ ‬لأن‭ ‬ثقافة‭ ‬الحوار‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬مبكراً‭.‬

إن‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأغلى‭ ‬الذي‭ ‬تملكه‭ ‬البحرين‭ ‬هو‭ ‬الإنسان،‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬يبدأ‭ ‬بالاستماع‭ ‬إليه‭.. ‬وكما‭ ‬قيل‭: ‬‮«‬التعليم‭ ‬ليس‭ ‬إعداداً‭ ‬للحياة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬الحياة‭ ‬نفسها،‭ ‬والحياة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬إلا‭ ‬بالحوار‭ ‬والمشاركة‮»‬‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا