الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
أكثر من (800) صوت ورؤية طلابية
ذات يوم، لاحظت معلمة مادة اللغة العربية أن طالبة بدأت تتأخر عن تسليم واجباتها، وتنزوي في الصف الأخير صامتة.. لم تبادر المعلمة بالعقاب أو اللوم، بل اقتربت منها بعد الحصة وسألتها بهدوء: «ما بك؟ لاحظت أنك لست على ما يرام».. فقالت الطالبة إنها تجد صعوبة في فهم بعض الدروس، وتخشى أن تسأل أمام زميلاتها.. كان هذا الحوار كفيلاً بإعادة الطالبة إلى تفوقها، بل جعلها تقترح على المعلمة فكرة «صندوق الأسئلة الصامتة» ليكتب فيه الطلبة أسئلتهم من دون حرج.
هذه الواقعة الصغيرة تختصر فلسفة تربوية كبيرة، نغفل عنها أحياناً في زحمة المناهج والامتحانات، أن التعليم ليس إلقاءً وحفظاً، بل هو قبل كل شيء، تواصل واستماع.. وأن الطالب ليس متلقياً سلبياً، بل هو شريك أصيل في العملية التعليمية، يملك من الملاحظات والمقترحات ما قد يغيب عن الخبير والمخطط.. فحين نمنح الطالب حق الكلام، فإننا لا نمنحه ترفاً، بل نمنحه ثقة، ونزرع فيه بذرة المواطنة والمسؤولية.. ومن هنا، تأتي أهمية ما قامت به وزارة التربية والتعليم مؤخراً من تنظيم الملتقى الطلابي الثالث، بمشاركة أكثر من 800 طالب وطالبة من المدارس الثانوية الحكومية والخاصة، وأعضاء اللجنة الاستشارية من طلبة المدارس.
إن هذا الرقم ليس مجرد عدد، بل هو 800 صوت، 800 حلم، 800 رؤية لمستقبل البحرين.. أن تجمع الوزارة هذا العدد تحت سقف واحد، ليس للاحتفال أو التكريم فحسب، بل للحوار والاستماع، فهذا تحول نوعي في الفكر التربوي يستحق كل الإشادة والدعم والتقدير.
لقد تحول الملتقى بحق إلى منصة حيوية، تعليمية وتربوية ووطنية بامتياز.. منصة لم يكن فيها الطلبة ضيوفاً، بل كانوا أصحاب المنصة.. تحدثوا، تساءلوا، انتقدوا باحترام، واقترحوا بوعي.. وما يميز هذه النسخة الثالثة أنها لم تكن حواراً شكلياً، بل حواراً مباشراً وصريحاً من سعادة الدكتور محمد بن مبارك جمعة وزير التربية والتعليم مع أبنائه الطلبة، حيث عرض أمامهم بكل شفافية مشاريع الوزارة وخططها للتطوير، في المناهج والبيئة المدرسية والتعليم التقني والذكاء الاصطناعي، واستمع إلى مرئياتهم حولها.
إن هذه المصارحة بين الوزير والطالب لها أثر تربوي عميق لا يمكن قياسه بدرجة امتحان.. فعندما يرى الطالب أن الوزير نفسه يستمع إليه ويدون ملاحظته، فإنه يدرك أن رأيه مهم، وأن صوته مسموع في أعلى هرم القرار التعليمي.. هذا يبني لديه حس الانتماء للمؤسسة التعليمية، ويحول المدرسة من مبنى يذهب إليه مرغما، إلى بيت ثان يشارك في تطويره.. كما أنه يرسخ ثقافة الحوار كأسلوب حياة، وهي الثقافة التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى في مواجهة تحديات العصر وضجيج وسائل التواصل.
إننا اليوم لا نعد طلبة لاجتياز امتحان الثانوية فقط، بل نعد قادة للمستقبل، وموظفين مبدعين، ورواد أعمال، وآباء وأمهات سيقودون أسرهم.. والقيادة لا تُدرّس في كتاب، بل تُمارس.. ومثل هذه الملتقيات هي مدرسة القيادة الحقيقية.. فيها يتعلم الطالب كيف يصوغ فكرته، كيف يقف أمام المئات ويتحدث بثقة، وكيف يحترم الرأي الآخر، وكيف يقدم مقترحاً قابلاً للتنفيذ.. هذه هي المهارات التي يحتاج اليها سوق العمل والمجتمع في مملكة البحرين في ظل رؤية البحرين الاقتصادية 2030.
لذلك، نوجه كل الشكر والتقدير الى وزارة التربية والتعليم على هذه المبادرة النوعية المستدامة، التي لم تعد مجرد فعالية عابرة، بل أصبحت تقليداً تربوياً راسخاً.. الشكر موصول لكل معلم ومعلمة غرسوا في طلبتهم الجرأة المهذبة، ولكل ولي أمر شجع ابنه على التعبير، ونأمل أن نرى توصيات هذا الملتقى تتحول إلى قرارات ومشاريع ملموسة، وأن يتم توسيع التجربة لتشمل المراحل الإعدادية والابتدائية، لأن ثقافة الحوار يجب أن تبدأ مبكراً.
إن الاستثمار الأغلى الذي تملكه البحرين هو الإنسان، والاستثمار في الإنسان يبدأ بالاستماع إليه.. وكما قيل: «التعليم ليس إعداداً للحياة، بل هو الحياة نفسها، والحياة الحقيقية لا تكون إلا بالحوار والمشاركة».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك