العدد : ١٧٧٤١ - الاثنين ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤١ - الاثنين ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

من أول شحنة نفط إلى شراكة استراتيجية

في‭ ‬عام‭ ‬1934،‭ ‬وبعد‭ ‬عامين‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬اكتشاف‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬عام‭ ‬1932،‭ ‬أبحرت‭ ‬أول‭ ‬ناقلة‭ ‬نفط‭ ‬بحرينية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬متجهة‭ ‬ليس‭ ‬إلى‭ ‬لندن‭ ‬أو‭ ‬نيويورك،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬اليابان‭.. ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الشحنة‭ ‬هي‭ ‬أول‭ ‬شحنة‭ ‬نفط‭ ‬تصل‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬بأكملها‭ ‬إلى‭ ‬اليابان‭.. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬البحرين‭ ‬حينها‭ ‬تملك‭ ‬سفارات‭ ‬ولا‭ ‬تمثيلا‭ ‬دبلوماسيا،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬اليابان‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬عظمى‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬اليوم،‭ ‬لكن‭ ‬البلدين‭ ‬التقيا‭ ‬مبكراً‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬واحدة‭: ‬لغة‭ ‬التعاون‭ ‬والمصالح‭ ‬المشتركة‭.‬

تلك‭ ‬الشحنة‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬من‭ ‬حقل‭ ‬البحرين،‭ ‬كانت‭ ‬البذرة‭ ‬الأولى‭ ‬لعلاقة‭ ‬عمرها‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬90‭ ‬عاماً،‭ ‬توجت‭ ‬رسمياً‭ ‬بإقامة‭ ‬علاقات‭ ‬دبلوماسية‭ ‬في‭ ‬2‭ ‬مايو‭ ‬1972،‭ ‬وافتتاح‭ ‬سفارتين‭ ‬في‭ ‬المنامة‭ ‬وطوكيو،‭ ‬واحتفلنا‭ ‬بذكراها‭ ‬الخمسين‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬كأحد‭ ‬أقدم‭ ‬وأعرق‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الخليج‭ ‬وآسيا‭.‬

أهمية‭ ‬التعاون‭ ‬الاستثماري‭ ‬بين‭ ‬البحرين‭ ‬واليابان‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬الأرقام‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬طبيعته‭ ‬النوعية‭.. ‬البحرين‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬اليابان‭ ‬هي‭ ‬بوابة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬بفضل‭ ‬موقعها،‭ ‬وقوانينها‭ ‬المرنة،‭ ‬وبيئتها‭ ‬المالية‭ ‬المستقرة‭.. ‬واليابان‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬هي‭ ‬شريك‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والمستقبل‭.. ‬ففي‭ ‬يونيو‭ ‬الماضي‭ ‬تم‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاقية‭ ‬تشجيع‭ ‬وحماية‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المتبادلة،‭ ‬وهي‭ ‬الاتفاقية‭ ‬التي‭ ‬وصفها‭ ‬مجلس‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بأنها‭ ‬ستبني‭ ‬علاقة‭ ‬اقتصادية‭ ‬أوثق‭.‬

وفي‭ ‬سبتمبر‭ ‬2025،‭ ‬قام‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬بزيارة‭ ‬تاريخية‭ ‬إلى‭ ‬طوكيو‭ ‬تم‭ ‬خلالها‭ ‬توقيع‭ ‬5‭ ‬مذكرات‭ ‬استراتيجية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الفضاء‭ ‬والملكية‭ ‬الفكرية‭ ‬والتحول‭ ‬الرقمي‭ ‬والنقل‭ ‬الجوي‭ ‬وتطوير‭ ‬القدرات‭ ‬الحكومية،‭ ‬والاتفاق‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬الحوار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬البحريني‭ ‬الياباني‭ ‬ليرتقي‭ ‬بالعلاقة‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الشراكة‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

هذا‭ ‬ليس‭ ‬استثمار‭ ‬مال‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.. ‬وما‭ ‬يميز‭ ‬اليابان‭ ‬عن‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬أنها‭ ‬تدعم‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬إنساني‭ ‬دبلوماسي،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬مصلحي‭ ‬ضيق‭.. ‬اليابان‭ ‬قدمت‭ ‬للبحرين‭ ‬عبر‭ ‬السنوات‭ ‬منحاً‭ ‬وتدريباً‭ ‬وتعاوناً‭ ‬فنياً،‭ ‬ودربت‭ ‬كوادر‭ ‬بحرينية‭ ‬على‭ ‬مفاهيم‭ ‬‮«‬الكايزن‮»‬‭ ‬اليابانية‭ ‬للتحسين‭ ‬المستمر‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬تمكين‭.. ‬هي‭ ‬لا‭ ‬تبيع‭ ‬مشروعاً‭ ‬وتمضي،‭ ‬بل‭ ‬تبني‭ ‬إنساناً‭ ‬يبقى‭.. ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬اليابانية‭: ‬تقدم‭ ‬الإمكانيات،‭ ‬وتبني‭ ‬القدرات،‭ ‬وتترك‭ ‬الأثر‭.‬

واليابان‭ ‬تدرك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها‭ ‬أن‭ ‬السلام‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬للمستقبل،‭ ‬لأنها‭ ‬عاشت‭ ‬التجربة‭ ‬الواقعية‭ ‬الأقسى‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث‭.. ‬وقررت‭ ‬أن‭ ‬تحول‭ ‬تلك‭ ‬المأساة‭ ‬إلى‭ ‬رسالة‭ ‬عالمية‭ ‬للسلام‭.. ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تبني‭ ‬إمبراطورية‭ ‬عسكرية،‭ ‬بنت‭ ‬إمبراطورية‭ ‬من‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والتعليم‭ ‬والعمل‭.. ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬تتقاطع‭ ‬رؤية‭ ‬البحرين‭ ‬واليابان‭ ‬تماماً‭: ‬البحرين‭ ‬بلد‭ ‬السلام‭ ‬والتعايش‭ ‬والتسامح،‭ ‬واليابان‭ ‬بلد‭ ‬السلام‭ ‬والتنمية‭.. ‬وكلاهما‭ ‬يؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬الحضارات،‭ ‬والتسامح‭ ‬الديني،‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬هي‭ ‬السبيل‭ ‬الوحيد‭ ‬لمستقبل‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭.‬

علاقة‭ ‬البحرين‭ ‬واليابان‭ ‬تستحق‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المسارات،‭ ‬وإننا‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬لتحويل‭ ‬إرث‭ ‬90‭ ‬عاماً‭ ‬بدأ‭ ‬بشحنة‭ ‬نفط،‭ ‬إلى‭ ‬إرث‭ ‬90‭ ‬عاماً‭ ‬قادمة‭ ‬عنوانها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي‭ ‬والطاقة‭ ‬الخضراء‭ ‬والفضاء‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

يقول‭ ‬المثل‭ ‬الياباني‭ ‬العظيم‭ ‬الذي‭ ‬يلخص‭ ‬فلسفة‭ ‬البلدين‭ ‬معاً‭: ‬‮«‬اسقط‭ ‬سبع‭ ‬مرات،‭ ‬وانهض‭ ‬ثماني‭ ‬مرات‮»‬‭.. ‬هكذا‭ ‬هي‭ ‬البحرين،‭ ‬وهكذا‭ ‬هي‭ ‬اليابان،‭ ‬علاقة‭ ‬كلما‭ ‬واجهت‭ ‬حولها‭ ‬التحديات،‭ ‬نهضت‭ ‬أقوى‭ ‬وأكثر‭ ‬إشراقا‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا