الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
من أول شحنة نفط إلى شراكة استراتيجية
في عام 1934، وبعد عامين فقط من اكتشاف النفط في البحرين عام 1932، أبحرت أول ناقلة نفط بحرينية في التاريخ متجهة ليس إلى لندن أو نيويورك، بل إلى اليابان.. كانت تلك الشحنة هي أول شحنة نفط تصل من المنطقة العربية بأكملها إلى اليابان.. لم تكن البحرين حينها تملك سفارات ولا تمثيلا دبلوماسيا، ولم تكن اليابان قوة اقتصادية عظمى كما هي اليوم، لكن البلدين التقيا مبكراً على لغة واحدة: لغة التعاون والمصالح المشتركة.
تلك الشحنة التي انطلقت من حقل البحرين، كانت البذرة الأولى لعلاقة عمرها اليوم أكثر من 90 عاماً، توجت رسمياً بإقامة علاقات دبلوماسية في 2 مايو 1972، وافتتاح سفارتين في المنامة وطوكيو، واحتفلنا بذكراها الخمسين في عام 2022 كأحد أقدم وأعرق العلاقات بين الخليج وآسيا.
أهمية التعاون الاستثماري بين البحرين واليابان لا تأتي من الأرقام فقط، بل من طبيعته النوعية.. البحرين بالنسبة إلى اليابان هي بوابة الخليج العربي، بفضل موقعها، وقوانينها المرنة، وبيئتها المالية المستقرة.. واليابان بالنسبة إلى البحرين هي شريك التكنولوجيا والمستقبل.. ففي يونيو الماضي تم توقيع اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة، وهي الاتفاقية التي وصفها مجلس التنمية الاقتصادية بأنها ستبني علاقة اقتصادية أوثق.
وفي سبتمبر 2025، قام صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله بزيارة تاريخية إلى طوكيو تم خلالها توقيع 5 مذكرات استراتيجية في مجالات الفضاء والملكية الفكرية والتحول الرقمي والنقل الجوي وتطوير القدرات الحكومية، والاتفاق على إطلاق الحوار الاستراتيجي البحريني الياباني ليرتقي بالعلاقة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.
هذا ليس استثمار مال فقط، بل هو استثمار في المستقبل.. وما يميز اليابان عن كثير من القوى الكبرى، أنها تدعم الدول من منطلق إنساني دبلوماسي، وليس من منطلق مصلحي ضيق.. اليابان قدمت للبحرين عبر السنوات منحاً وتدريباً وتعاوناً فنياً، ودربت كوادر بحرينية على مفاهيم «الكايزن» اليابانية للتحسين المستمر بالتعاون مع تمكين.. هي لا تبيع مشروعاً وتمضي، بل تبني إنساناً يبقى.. هذه هي الدبلوماسية اليابانية: تقدم الإمكانيات، وتبني القدرات، وتترك الأثر.
واليابان تدرك أكثر من غيرها أن السلام أفضل من الحرب للمستقبل، لأنها عاشت التجربة الواقعية الأقسى في التاريخ الحديث.. وقررت أن تحول تلك المأساة إلى رسالة عالمية للسلام.. وبدلاً من أن تبني إمبراطورية عسكرية، بنت إمبراطورية من التكنولوجيا والتعليم والعمل.. لهذا السبب تتقاطع رؤية البحرين واليابان تماماً: البحرين بلد السلام والتعايش والتسامح، واليابان بلد السلام والتنمية.. وكلاهما يؤمن بأن الحوار بين الحضارات، والتسامح الديني، والتنمية المستدامة، هي السبيل الوحيد لمستقبل أكثر استقراراً.
علاقة البحرين واليابان تستحق الكثير من التعاون في كل المسارات، وإننا اليوم أمام فرصة تاريخية لتحويل إرث 90 عاماً بدأ بشحنة نفط، إلى إرث 90 عاماً قادمة عنوانها الاقتصاد الرقمي والطاقة الخضراء والفضاء والذكاء الاصطناعي.
يقول المثل الياباني العظيم الذي يلخص فلسفة البلدين معاً: «اسقط سبع مرات، وانهض ثماني مرات».. هكذا هي البحرين، وهكذا هي اليابان، علاقة كلما واجهت حولها التحديات، نهضت أقوى وأكثر إشراقا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك