العدد : ١٧٧٣٧ - الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٧ - الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

الردع العلني.. حين لا تكفي الغرامة

شهدت‭ ‬دولة‭ ‬الكويت‭ ‬الشقيقة‭ ‬مؤخراً‭ ‬واقعة‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭ ‬عندها‭ ‬طويلاً‭.. ‬شاب‭ ‬عبث‭ ‬بأحد‭ ‬المرافق‭ ‬التعليمية‭ ‬وكتب‭ ‬على‭ ‬جدار‭ ‬مدرسة،‭ ‬فكان‭ ‬الإجراء‭ ‬حازماً‭ ‬وحكيماً‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭: ‬تم‭ ‬ضبطه‭ ‬وإلزامه‭ ‬وذويه‭ ‬بإزالة‭ ‬الكتابة‭ ‬وإعادة‭ ‬طلاء‭ ‬الجدار‭ ‬بالكامل‭ ‬على‭ ‬نفقتهم،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المرفق‭ ‬العام‭ ‬وعدم‭ ‬العبث‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬إتلافه،‭ ‬واتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬القانونية‭ ‬بحق‭ ‬من‭ ‬يتعدى‭ ‬على‭ ‬الممتلكات‭ ‬العامة،‭ ‬مع‭ ‬دعوة‭ ‬الجميع‭ ‬إلى‭ ‬الإبلاغ‭ ‬عن‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬الممارسات‭ ‬عبر‭ ‬القنوات‭ ‬الرسمية‭. ‬

هذا‭ ‬التصرف‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬الكويتية‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬عقوبة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تربية‭ ‬عملية‭.. ‬فالشاب‭ ‬الذي‭ ‬يعبث‭ ‬بجدار‭ ‬مدرسة‭ ‬لم‭ ‬يدفع‭ ‬ديناراً‭ ‬ويذهب،‭ ‬بل‭ ‬أُجبر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬فعلته،‭ ‬أن‭ ‬ينظف‭ ‬بيديه‭ ‬ما‭ ‬لوثته‭ ‬يداه،‭ ‬وأن‭ ‬يرى‭ ‬والده‭ ‬وهو‭ ‬يتحمل‭ ‬معه‭ ‬نتيجة‭ ‬استهتاره‭.. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الردع‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يبني‭ ‬الشعور‭ ‬بالمسؤولية،‭ ‬ويغرس‭ ‬في‭ ‬النشء‭ ‬أن‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬ليس‭ ‬مشاعاً،‭ ‬وأن‭ ‬المدرسة‭ ‬والشارع‭ ‬والحديقة‭ ‬هي‭ ‬بيتك‭ ‬الثاني،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تستحِ‭ ‬فاصنع‭ ‬ما‭ ‬شئت،‭ ‬لكنك‭ ‬ستدفع‭ ‬الثمن‭ ‬أمام‭ ‬الناس‭.‬

ونحن‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬الخليجية‭ ‬بأمس‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬التربوية‭ ‬الردعية‭.. ‬فما‭ ‬نشهده‭ ‬في‭ ‬شوارعنا‭ ‬من‭ ‬تهور‭ ‬واستهتار‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬السائقين،‭ ‬وتفحيط‭ ‬واستعراض‭ ‬يهدد‭ ‬أرواح‭ ‬الأبرياء،‭ ‬وحالات‭ ‬قيادة‭ ‬متهورة‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬السرعة‭ ‬الجنونية‭ ‬أو‭ ‬الانشغال‭ ‬بالهاتف،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الغرامات‭ ‬المالية‭ ‬وحدها‭ ‬كافية‭ ‬لردعها‭. ‬

كم‭ ‬من‭ ‬سائق‭ ‬دفع‭ ‬مخالفة‭ ‬50‭ ‬أو‭ ‬100‭ ‬دينار‭ ‬ثم‭ ‬عاد‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬اليوم‭ ‬يكرر‭ ‬نفس‭ ‬التهور؟‭ ‬الغرامة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬البعض‭ ‬أصبحت‭ ‬مجرد‭ ‬تكلفة‭ ‬للمخالفة،‭ ‬وليست‭ ‬عقوبة‭ ‬رادعة‭.. ‬ولذلك‭ ‬بدأنا‭ ‬نلاحظ‭ ‬توجهاً‭ ‬حكيماً‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬دولنا‭ ‬الخليجية‭ ‬الشقيقة،‭ ‬بمعاقبة‭ ‬المخالفين‭ ‬والمتهورين‭ ‬بإجراء‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬وعلانية‭: ‬كبس‭ ‬السيارة‭ ‬التي‭ ‬استخدمت‭ ‬في‭ ‬التفحيط‭ ‬والتهور‭ ‬أمام‭ ‬صاحبها‭ ‬وتصويرها‭ ‬ونشرها‭ ‬أمام‭ ‬الناس‭.‬

هذا‭ ‬الإجراء،‭ ‬رغم‭ ‬قسوته‭ ‬الظاهرية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يحمل‭ ‬رسالتين‭ ‬مهمتين‭: ‬الأولى‭ ‬لصاحب‭ ‬السيارة‭ ‬نفسه‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬بنيته‭ ‬بمالك‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬إلى‭ ‬كومة‭ ‬حديد‭ ‬بسبب‭ ‬لحظة‭ ‬طيش،‭ ‬والثانية‭ ‬للمجتمع‭ ‬كله‭ ‬بأن‭ ‬الدولة‭ ‬جادة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬أرواح‭ ‬الناس‭. ‬وإن‭ ‬حماية‭ ‬المجتمع‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬بالتراخي،‭ ‬ولا‭ ‬بالاكتفاء‭ ‬بالحلول‭ ‬الناعمة‭. ‬

نحن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬أرواح‭ ‬تزهق،‭ ‬وعن‭ ‬أسر‭ ‬تفجع،‭ ‬وعن‭ ‬ممتلكات‭ ‬عامة‭ ‬تُدمر‭ ‬بمئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الدنانير‭ ‬بسبب‭ ‬عبث‭ ‬صبياني‭ ‬أو‭ ‬تهور‭ ‬لحظي‭.. ‬فهل‭ ‬يعقل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عقوبة‭ ‬من‭ ‬يتسبب‭ ‬في‭ ‬إزهاق‭ ‬روح‭ ‬أو‭ ‬إعاقة‭ ‬إنسان‭ ‬هي‭ ‬مجرد‭ ‬غرامة‭ ‬مالية‭ ‬يمكنه‭ ‬دفعها‭ ‬عبر‭ ‬التطبيق؟‭ ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬ردع‭ ‬متكاملة،‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬العقوبة‭ ‬المالية،‭ ‬والعقوبة‭ ‬المجتمعية‭ ‬العلنية،‭ ‬والعقوبة‭ ‬التربوية‭. ‬

فعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الممتلكات‭ ‬العامة،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يطبق‭ ‬مبدأ‭ ‬الإصلاح‭ ‬العلني،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الكويت‭. ‬من‭ ‬يكتب‭ ‬على‭ ‬جدار،‭ ‬ينظف‭ ‬الجدار‭.. ‬من‭ ‬يكسر‭ ‬مقعداً‭ ‬في‭ ‬حديقة،‭ ‬يضع‭ ‬بديلاً‭.. ‬من‭ ‬يتلف‭ ‬مرفقاً،‭ ‬يصلحه‭ ‬أمام‭ ‬الناس‭.. ‬هذا‭ ‬يزرع‭ ‬الخجل‭ ‬والمسؤولية‭. ‬

وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬المرور‭ ‬والتهور،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نفكر‭ ‬جدياً‭ ‬في‭ ‬تشديد‭ ‬العقوبات‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬حجز‭ ‬المركبة‭ ‬فترة‭ ‬طويلة،‭ ‬أو‭ ‬كبسها‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬التكرار‭ ‬والتفحيط‭ ‬الخطير،‭ ‬مع‭ ‬نشر‭ ‬ذلك‭ ‬للعبرة،‭ ‬لأن‭ ‬سيارة‭ ‬المتهور‭ ‬هي‭ ‬أداة‭ ‬الجريمة،‭ ‬تماماً‭ ‬كالسلاح‭. ‬ولا‭ ‬يردع‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يرتدع‭ ‬بالمال‭ ‬إلا‭ ‬بفقده‭ ‬لما‭ ‬يحب‭. ‬

إن‭ ‬القوانين‭ ‬وجدت‭ ‬لتحمي‭ ‬المجتمع،‭ ‬لا‭ ‬لتدلل‭ ‬المخالف‭.. ‬والمجتمع‭ ‬الخليجي‭ ‬بطبيعته‭ ‬مجتمع‭ ‬محافظ‭ ‬يحترم‭ ‬النظام‭ ‬ويقدر‭ ‬المرافق‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬بنتها‭ ‬الدولة‭ ‬بعرق‭ ‬أبنائها‭ ‬وأموالها‭.. ‬لكن‭ ‬التساهل‭ ‬مع‭ ‬فئة‭ ‬مستهترة‭ ‬يجعلها‭ ‬تتمدد‭ ‬وتتجرأ‭ ‬أكثر‭.‬

لقد‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬أن‭ ‬ننتقل‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬‮«‬ادفع‭ ‬المخالفة‭ ‬وانتهى‭ ‬الأمر‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬‮«‬أصلح‭ ‬ما‭ ‬أفسدت‭ ‬وتحمل‭ ‬وزر‭ ‬فعلك‭ ‬أمام‭ ‬المجتمع‮»‬‭. ‬فالردع‭ ‬العلني‭ ‬ليس‭ ‬تشهيراً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حماية‭ ‬للمجتمع‭ ‬وتربية‭ ‬للأجيال،‭ ‬ورسالة‭ ‬واضحة‭ ‬بأن‭ ‬هيبة‭ ‬القانون‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬اعتبار‭.. ‬وكما‭ ‬قال‭ ‬الخليفة‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭: ‬‮«‬لا‭ ‬يعقل‭ ‬أن‭ ‬يُترك‭ ‬الناس‭ ‬سدىً‭ ‬بلا‭ ‬رادع،‭ ‬فإن‭ ‬الله‭ ‬يزع‭ ‬بالسلطان‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يزع‭ ‬بالقرآن‮»‬‭. ‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا