الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
«صُنع في الخليج».. حينما يتحدث المستقبل
في عام 1932، عندما تدفق أول بئر نفط في البحرين في جبل الدخان، كان من ساهم في حفره هم رجال البحرين، وكان الحاكم آنذاك الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة رحمه الله يقف بنفسه ليتابع العمل.. فسأله أحد الخبراء الأجانب مستغربا: لماذا تصر على أن يعمل أبناء البلد بأيديهم في هذا العمل الشاق؟ فأجاب كلمته الخالدة: «النفط سينضب يوماً، لكن الرجل الذي تعلم كيف يستخرجه سيبقى ليبني الوطن».
وقديما قيل: «من يملك صناعته يملك قراره، ومن يملك سواعده يملك مستقبله».. وبهذه الحكمة الخالدة، يمكن أن نختصر المشهد المهيب الذي عاشته مملكة البحرين وهي تفتتح معرض «صُنع في الخليج».. إذ لم يكن المعرض مجرد أجنحة ومنتجات معروضة، بل كان رسالة خليجية موحدة للعالم، بأن الخليج لم يعد مجرد مستهلك أو مصدر للمواد الخام، بل أصبح مصنعا ومبتكرا ومنافسا.
لقد جاء اختيار مملكة البحرين لاحتضان هذا الحدث الخليجي الكبير ليؤكد مكانتها كمركز للتلاقي الخليجي، وبيت للصناعة الخليجية المشتركة.. وما رأيناه من تنظيم رفيع، وحضور واسع لشركات خليجية رائدة، ومنتجات تحمل بفخر وسم «صُنع في الخليج»، يبعث على الفخر والاعتزاز، في لوحة متكاملة تقول إن التكامل الخليجي ليس شعاراً، بل هو واقع يمشي على الأرض.
ولعل اللحظة الأكثر إشراقا في هذا المعرض كانت تلك الندوة النوعية التي أدارها بكل اقتدار معالي الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة وزير المالية والاقتصاد الوطني، واستضاف فيها صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان آل سعود وزير الطاقة السعودي.
كانت ندوة من نوع آخر، لم تتحدث بلغة الأرقام فقط، بل تحدثت بلغة الإنسان الخليجي.. فقد أكد الوزيران حقيقة جوهرية طالما آمنا بها، وهي أن الثروة الحقيقية ليست في باطن الأرض من نفط وغاز، بل في العقول والسواعد الوطنية التي تدير هذا القطاع السيادي.
حديث معالي وزير النفط السعودي كان صادقاً وملهماً عندما تحدث عن رحلة توطين قطاع النفط والطاقة، وكيف تحولت المملكة من الاعتماد على الخبرات الأجنبية في بداياتها إلى تصدير الخبرات والكفاءات السعودية اليوم إلى العالم. وأشار إلى أن أرامكو السعودية اليوم تدار بأكثر من 90% من الكوادر الوطنية، وأن مهندسي وفنيي الخليج هم من يقودون أكبر المشاريع في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والبتروكيماويات.
وهذا ما أكده معالي وزير المالية والاقتصاد الوطني، عندما تحدث عن التجربة البحرينية الرائدة في تمكين البحريني في قطاع النفط والطاقة والصناعة، وكيف أصبحت شركات مثل بابكو إنرجيز وشركة ألمنيوم البحرين «ألبا» مدارس حقيقية لتخريج الكفاءات الوطنية التي يشار لها بالبنان.
إن هذا التركيز على السواعد الوطنية هو صلب رؤية مجلس التعاون الخليجي، وهو الضمان الحقيقي لاستدامة نهضتنا. فالمصنع قد تستورده، والتقنية قد تشتريها، أما الإنسان المخلص المبدع فلا يمكن استيراده، بل يجب صناعته وصقله بالتعليم والتدريب والثقة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك