الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
سيارات الفرجان.. حكايات يومية مزعجة
في اليابان، لا تستطيع شراء سيارة إلا إذا أثبتت أنك تملك موقفاً لها.. ليس في الأمر مزحة، بل هو قانون صارم.. فقبل أن تفكر في الشراء، يأتي موظف من الشرطة اليابانية ليقيس حجم سيارتك ومساحة موقفك في بيتك، وإن لم يكن لديك موقف مطابق للمواصفات، فلن تحصل على ترخيص الشراء.
هكذا بكل بساطة، حلت اليابان مشكلة الوقوف الخاطئ من جذورها، لأنها آمنت بمبدأ واحد: ((الشارع ملك للجميع وليس مستودعاً لسيارات من لا يملك مكاناً لها)).
أما عندنا، فالمشهد مختلف تماماً، ويكاد يكون مأساة يومية في معظم الأحياء السكنية.. سيارات مركونة بشكل عشوائي أمام مداخل البيوت.. مركبات تسد الطريق بالكامل.. شاحنات كبيرة تبيت ليلها بين المنازل الصغيرة.. ومواقف مخصصة تحولت إلى كراجات خاصة..!! حتى العمارات السكنية والبنايات التجارية التي من المفترض أنه لا تمنح ترخيص البناء إلا بشرط توفير المواقف المناسب لعدد الشقق والمحلات، تعاني هي الأخرى من نفس المشكلة..!!
هذه الظاهرة لم تعد مجرد مخالفة مرورية، بل أصبحت سبباً رئيسياً للخلافات والمشكلات بين الجيران.. فكم من جارين كانا صديقين لسنوات، ثم تحولا إلى خصمين في مركز الشرطة بسبب موقف سيارة؟ وكم من سيارة إسعاف أو إطفاء لم تستطع الدخول إلى حي سكني لأن الشارع مغلق بسيارات مركونة على الجانبين؟ وكم من امرأة أو مسن اضطر الى المشي مسافة طويلة تحت الشمس الحارقة لأن مدخل بيته مسدود بسيارة جاره؟
إن الوقوف الخاطئ هو اعتداء صريح على حق الجار وحق الطريق، وهو سلوك يكشف عن ضعف في الوعي المجتمعي وأنانية مقيتة.. وإن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في الإزعاج اليومي، بل في أنها تخلق بيئة طاردة ومشحونة بالتوتر داخل الحي السكني الواحد، الذي من المفترض أن يكون واحة للسكينة والتآلف، يتحول إلى ساحة صراع يومي على متر واحد من الأسفلت.
كما أن وقوف الشاحنات الكبيرة والمركبات الثقيلة داخل الأحياء السكنية يمثل كارثة بحد ذاته، وكذلك هي الأشجار المطلة من البيوت والمنازل فهي تحجب الرؤية، وتشوه المنظر العام، وتتسبب في تدمير البنية التحتية للطرق الداخلية غير المخصصة لها، ناهيك عن المخاطر الأمنية التي قد تشكلها.
وهنا يأتي دور الجهات المختصة بشكل حاسم.. فالمطلوب ليس فقط تحرير المخالفات، بل منظومة توعية وردع متكاملة.. نحن بحاجة إلى أن تقوم مديريات الأمن في المحافظات، وبالتعاون مع شرطة النجدة والدوريات وشرطة المجتمع، بحملات توعية ميدانية مكثفة داخل الأحياء.
الحل الجذري يكمن في تنظيم وقوف السيارات، ومنع وقوف الشاحنات والمركبات الثقيلة منعاً باتاً داخل الأحياء السكنية، وتخصيص ساحات ومواقف خارجية لها، كما هو معمول به في المدن المتقدمة، مع تطبيق غرامات رادعة، وحجز المركبات المخالفة.
ليس علينا أن نخترع العجلة، فهناك تجارب ناجحة لدول استطاعت القضاء أو الحد من هذه الظاهرة.. كما أن تنظيم المواقف هو تنظيم للحياة نفسها.. وحل هذه الظاهرة لا يحتاج إلى معجزات، بل يحتاج إلى قانون يطبق على الجميع، ووعي يزرع في الجميع، بأن احترامك لموقف سيارة جارك هو احترام لجارك نفسه، والوطن، وتعاليم الدين كذلك.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك