العدد : ١٧٧٤٣ - الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٣ - الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

لا مفاوضات قبل عودة العلاقات

يُروى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬ونستون‭ ‬تشرشل‮»‬‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطاني،‭ ‬بعد‭ ‬قصف‭ ‬لندن‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬سأله‭ ‬أحد‭ ‬الصحفيين‭: ‬متى‭ ‬ستفاوض‭ ‬ألمانيا؟‭ ‬فقال‭ ‬تشرشل‭: ‬‮«‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نفاوض‭ ‬ونحن‭ ‬ننزف،‭ ‬نحن‭ ‬نضمد‭ ‬جرحنا‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬نفرض‭ ‬شروطنا‭.. ‬المفاوضات‭ ‬مع‭ ‬المعتدي‭ ‬وهو‭ ‬يحمل‭ ‬سلاحه‭ ‬هي‭ ‬استسلام،‭ ‬أما‭ ‬المفاوضات‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يسقط‭ ‬سلاحه‭ ‬فهي‭ ‬عدالة‮»‬‭.. ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬اليوم‭.. ‬فهي‭ ‬تقول‭: ‬‮«‬لن‭ ‬ننسى‭ ‬سارة‭ ‬دشتي‮»‬،‭ ‬ولن‭ ‬نفاوض‭ ‬ونحن‭ ‬ننزف‭.. ‬سنضمد‭ ‬جرحنا‭ ‬بوحدتنا‭ ‬خلف‭ ‬ملكنا‭ ‬المعظم،‭ ‬وسنفرض‭ ‬عدالتنا‭ ‬بالقانون‭ ‬الدولي‭.‬

لذلك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬إشارة‭ ‬سعادة‭ ‬الدكتور‭ ‬عبداللطيف‭ ‬بن‭ ‬راشد‭ ‬الزياني‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬خلال‭ ‬المؤتمر‭ ‬الصحفي‭ ‬للقمة‭ ‬الخليجية‭ ‬الروسية‭ ‬في‭ ‬المنامة،‭ ‬إلى‭ ‬الشهيدة‭ ‬‮«‬سارة‭ ‬دشتي‮»‬‭ ‬مجرد‭ ‬جملة‭ ‬عابرة‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬سياسي‭.. ‬كانت‭ ‬رسالة‭ ‬دولة،‭ ‬ورسالة‭ ‬شعب،‭ ‬ورسالة‭ ‬ذاكرة‭ ‬وطنية‭ ‬لا‭ ‬تنسى‭.‬

حين‭ ‬قال‭ ‬الوزير‭ ‬إن‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬لم‭ ‬ينسوا‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬لسارة‭ ‬دشتي،‭ ‬كان‭ ‬يضع‭ ‬النقاط‭ ‬على‭ ‬الحروف‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬كله‭.. ‬‮«‬سارة‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مقاتلة‭ ‬في‭ ‬جبهة،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬عسكري‭.. ‬كانت‭ ‬شابة‭ ‬بحرينية‭ ‬تجلس‭ ‬مع‭ ‬صديقاتها‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬بمنطقة‭ ‬السيف،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬أمان‭ ‬مدني،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تباغتها‭ ‬يد‭ ‬الغدر‭ ‬الإيرانية‭ ‬الآثمة،‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬مناطق‭ ‬سكنية‭ ‬آمنة‭.. ‬لقد‭ ‬قتلت‭ ‬‮«‬سارة‮»‬‭ ‬لأنها‭ ‬بحرينية،‭ ‬ولأن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬مستهدفة‭.‬

وإن‭ ‬دلالات‭ ‬هذه‭ ‬الإشارة‭ ‬عميقة‭: ‬أبرزها‭ ‬أن‭ ‬آثار‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مستمرة‭.. ‬فالبعض‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬العدوان‭ ‬هو‭ ‬لحظة‭ ‬سقوط‭ ‬الصاروخ‭ ‬فقط،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬العدوان‭ ‬هو‭ ‬جرح‭ ‬مفتوح‭.. ‬أم‭ ‬سارة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تبكي،‭ ‬وبيت‭ ‬دشتي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬فارغاً،‭ ‬ومازالت‭ ‬صديقاتها‭ ‬يتذكرن‭ ‬كرسيها‭ ‬الفارغ‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تجمع‭.. ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬التهديد‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬قائماً‭.. ‬فإيران‭ ‬التي‭ ‬أطلقت‭ ‬المسيرات‭ ‬على‭ ‬مقاهي‭ ‬السيف،‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بإغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وتطلق‭ ‬التصريحات‭ ‬بفرض‭ ‬رسوم‭ ‬وتصاريح‭ ‬على‭ ‬ممر‭ ‬مائي‭ ‬دولي،‭ ‬وتستخدم‭ ‬مليشياتها‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬وغيرها‭ ‬لإطلاق‭ ‬الصواريخ‭ ‬على‭ ‬جيرانها‭.. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬الصفحة‭ ‬طويت‭ ‬هو‭ (‬وهم‭).. ‬الصفحة‭ ‬لا‭ ‬تطوى‭ ‬بدماء‭ ‬الأبرياء‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬تأكيد‭ ‬وتصريح‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬لا‭ ‬مفاوضات‭ ‬قبل‭ ‬عودة‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‮»‬‭.. ‬هو‭ ‬الموقف‭ ‬الصحيح‭ ‬والسليم‭ ‬والواقعي‭.. ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬البحريني‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬لن‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مباحثات‭ ‬أو‭ ‬مفاوضات‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬قبل‭ ‬عودة‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬وتصحيح‭ ‬المسار،‭ ‬هو‭ ‬قمة‭ ‬الحكمة‭ ‬الدبلوماسية‭.. ‬فكيف‭ ‬تفاوض‭ ‬من‭ ‬اعتدى‭ ‬عليك‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يهددك؟‭ ‬وكيف‭ ‬تبحث‭ ‬معه‭ ‬ملفات‭ ‬حسن‭ ‬الجوار‭ ‬وهو‭ ‬لم‭ ‬يعتذر‭ ‬ولم‭ ‬يعوض‭ ‬ولم‭ ‬يتعهد‭ ‬بعدم‭ ‬التكرار؟‭ ‬وكيف‭ ‬تثق‭ ‬بمن‭ ‬يقصف‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬مقهى؟

مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بقيادة‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬ودعم‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬وبحكم‭ ‬رئاستها‭ ‬الحالية‭ ‬لمجلس‭ ‬التعاون‭ ‬وعضويتها‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬قادت‭ ‬استصدار‭ ‬القرار‭ ‬2817‭ ‬الذي‭ ‬أدان‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وتقدمت‭ ‬بمشروع‭ ‬قرار‭ ‬تحت‭ ‬الفصل‭ ‬السابع‭ ‬لحماية‭ ‬الملاحة‭.. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬المسار‭ ‬الصحيح‭: ‬توثيق‭ ‬العدوان،‭ ‬تدويله،‭ ‬محاسبة‭ ‬المسؤول‭ ‬عنه،‭ ‬ثم‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬علاقة‭ ‬مستقبلية‭. ‬أما‭ ‬القفز‭ ‬فوق‭ ‬دم‭ ‬‮«‬سارة‭ ‬دشتي‮»‬‭ ‬ودماء‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تضرر،‭ ‬فهو‭ ‬تجاوز‭ ‬للذاكرة‭ ‬الوطنية‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬الوزير‭ ‬الزياني‭ ‬هو‭ ‬تذكير‭ ‬للصديق‭ ‬الروسي‭ ‬وللعالم‭ ‬أجمع‭ ‬بأن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬دولة‭ ‬مسالمة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تنسى‭ ‬شهداءها‭.. ‬وروسيا‭ ‬نفسها‭ ‬تدرك‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬يمس‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭.. ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬تأكيد‭ ‬أهمية‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي‭ ‬والوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬خلف‭ ‬راية‭ ‬الوطن‭ ‬بقيادة‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه‭.. ‬فما‭ ‬تعرضت‭ ‬له‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬عدوان‭ ‬آثم،‭ ‬‮«‬كشف‭ ‬زيف‭ ‬من‭ ‬باعوا‭ ‬ضمائرهم‭ ‬للعدو‮»‬،‭ ‬وأثبت‭ ‬أن‭ ‬الوطن‭ ‬فوق‭ ‬الجميع‭.‬

المطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬أن‭ ‬ترد،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬بيت‭ ‬بحريني‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬متيقظاً،‭ ‬أن‭ ‬يزرع‭ ‬في‭ ‬أبنائه‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬البحرين‭ ‬خط‭ ‬أحمر،‭ ‬وأن‭ ‬‮«‬سارة‭ ‬دشتي‮»‬‭ ‬هي‭ ‬ابنة‭ ‬كل‭ ‬بيت‭ ‬بحريني‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا