الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
لا مفاوضات قبل عودة العلاقات
يُروى أن «ونستون تشرشل» رئيس الوزراء البريطاني، بعد قصف لندن في الحرب العالمية الثانية، سأله أحد الصحفيين: متى ستفاوض ألمانيا؟ فقال تشرشل: «نحن لا نفاوض ونحن ننزف، نحن نضمد جرحنا أولاً، ثم نفرض شروطنا.. المفاوضات مع المعتدي وهو يحمل سلاحه هي استسلام، أما المفاوضات بعد أن يسقط سلاحه فهي عدالة».. وهذا بالضبط ما تفعله مملكة البحرين اليوم.. فهي تقول: «لن ننسى سارة دشتي»، ولن نفاوض ونحن ننزف.. سنضمد جرحنا بوحدتنا خلف ملكنا المعظم، وسنفرض عدالتنا بالقانون الدولي.
لذلك لم تكن إشارة سعادة الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني وزير الخارجية خلال المؤتمر الصحفي للقمة الخليجية الروسية في المنامة، إلى الشهيدة «سارة دشتي» مجرد جملة عابرة في مؤتمر سياسي.. كانت رسالة دولة، ورسالة شعب، ورسالة ذاكرة وطنية لا تنسى.
حين قال الوزير إن أهل البحرين لم ينسوا ما حصل لسارة دشتي، كان يضع النقاط على الحروف أمام العالم كله.. «سارة» لم تكن مقاتلة في جبهة، ولم تكن في موقع عسكري.. كانت شابة بحرينية تجلس مع صديقاتها في مقهى بمنطقة السيف، في لحظة أمان مدني، قبل أن تباغتها يد الغدر الإيرانية الآثمة، التي استهدفت مناطق سكنية آمنة.. لقد قتلت «سارة» لأنها بحرينية، ولأن مملكة البحرين مستهدفة.
وإن دلالات هذه الإشارة عميقة: أبرزها أن آثار العدوان الإيراني لا تزال مستمرة.. فالبعض يظن أن العدوان هو لحظة سقوط الصاروخ فقط، والحقيقة أن العدوان هو جرح مفتوح.. أم سارة لا تزال تبكي، وبيت دشتي لا يزال فارغاً، ومازالت صديقاتها يتذكرن كرسيها الفارغ في كل تجمع.. والأهم من ذلك، أن التهديد لا يزال قائماً.. فإيران التي أطلقت المسيرات على مقاهي السيف، هي نفسها التي تقوم بإغلاق مضيق هرمز، وتطلق التصريحات بفرض رسوم وتصاريح على ممر مائي دولي، وتستخدم مليشياتها في اليمن وغيرها لإطلاق الصواريخ على جيرانها.. لذلك فإن الحديث عن أن الصفحة طويت هو (وهم).. الصفحة لا تطوى بدماء الأبرياء.
كما أن تأكيد وتصريح وزير الخارجية بأنه «لا مفاوضات قبل عودة العلاقات الدبلوماسية».. هو الموقف الصحيح والسليم والواقعي.. ما قاله وزير الخارجية البحريني من أن البحرين لن تدخل في أي مباحثات أو مفاوضات مع إيران قبل عودة العلاقات الدبلوماسية وتصحيح المسار، هو قمة الحكمة الدبلوماسية.. فكيف تفاوض من اعتدى عليك وهو لا يزال يهددك؟ وكيف تبحث معه ملفات حسن الجوار وهو لم يعتذر ولم يعوض ولم يتعهد بعدم التكرار؟ وكيف تثق بمن يقصف المدنيين في مقهى؟
مملكة البحرين بقيادة جلالة الملك المعظم، ودعم سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وبحكم رئاستها الحالية لمجلس التعاون وعضويتها في مجلس الأمن، قادت استصدار القرار 2817 الذي أدان الاعتداءات الإيرانية، وتقدمت بمشروع قرار تحت الفصل السابع لحماية الملاحة.. وهذا هو المسار الصحيح: توثيق العدوان، تدويله، محاسبة المسؤول عنه، ثم الحديث عن أي علاقة مستقبلية. أما القفز فوق دم «سارة دشتي» ودماء كل من تضرر، فهو تجاوز للذاكرة الوطنية.
إن ما فعله الوزير الزياني هو تذكير للصديق الروسي وللعالم أجمع بأن مملكة البحرين دولة مسالمة، لكنها لا تنسى شهداءها.. وروسيا نفسها تدرك معنى أن يمس الأمن القومي.. وهنا لا بد من تأكيد أهمية الوعي المجتمعي والوحدة الوطنية خلف راية الوطن بقيادة جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه.. فما تعرضت له البحرين من عدوان آثم، «كشف زيف من باعوا ضمائرهم للعدو»، وأثبت أن الوطن فوق الجميع.
المطلوب اليوم ليس فقط من وزارة الخارجية أن ترد، بل من كل بيت بحريني أن يبقى متيقظاً، أن يزرع في أبنائه أن أمن البحرين خط أحمر، وأن «سارة دشتي» هي ابنة كل بيت بحريني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك