الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
عندما تدرس الصين العربية
«اليشم لا يصبح جوهرة إلا بالصقل» بهذه الحكمة الصينية القديمة، استقبلنا أساتذة جامعة بكين.. حكمة تختصر فلسفة هذه الأمة: التعليم هو الصقل، والحضارة هي الجوهرة.
بالأمس قمنا بزيارة لجامعة بكين، أعرق جامعة في الصين وواحدة من أفضل 20 جامعة في العالم. لم تكن زيارة بروتوكولية، بل كانت اكتشافاً لكيف تنظر الصين إلينا، وكيف يجب أن ننظر نحن إلى الصين. في قلب الجامعة، يقع مركز الدراسات العربية ومكتبة الملك عبدالعزيز العامة. وهنا كانت المفاجأة الأولى. المركز لا يدرس العربية كلغة فقط، بل يدرس الخليج العربي كمنظومة سياسية واقتصادية واجتماعية. أساتذة صينيون يتحدثون العربية الفصحى بطلاقة، وطلاب صينيون يحفظون المتنبي، وباحثون يكتبون أطروحات دكتوراه عن «الأمن والاستثمار في الخليج العربي» و «دور الدول الخليجية في توازن القوى».
أما مكتبة الملك عبدالعزيز، فهي قصة نجاح سعودية بامتياز يجب أن تدرس. في عام 2015، تبرعت المملكة بإنشاء مكتبة عربية متكاملة داخل جامعة بكين، تضم اليوم أكثر من 20 ألف كتاب ومخطوطة، وقاعات للمحاضرات، ومركزاً للرقمنة. المكتبة أصبحت اليوم أهم مرجع للباحث الصيني عن العالم العربي. كل طالب صيني يريد أن يفهم السعودية والخليج العربي، يبدأ من هناك. هذا هو الاستثمار الناعم الحقيقي، استثمار يبقى لمائة عام.
وفي نفس اليوم، زرنا المعهد الصيني للدراسات الدولية، وهو ذراع التفكير لوزارة الخارجية الصينية. هناك تدرك أن الصين لا تتعامل مع الخليج كسوق نفط فقط. هم يطرحون أسئلة استراتيجية عميقة، ووجدت لديهم احتراماً كبيراً للتجربة البحرينية لكن مع سؤال لم يطرحوه علنا وقد شعرت به من حديثهم: «أين البحرين في بكين؟» وهنا بيت القصيد.
دخلت إلى مكتبة الملك عبدالعزيز فوجدت السعودية. ذهبت إلى جناح الشيخ زايد للدراسات العربية في جامعة بكين للغات الأجنبية فوجدت الإمارات. سمعتهم يتحدثون عن قاعة السلطان قابوس في جامعة نينغشيا فوجدت عمان. فأين البحرين؟
البحرين، التي كانت أول دولة خليجية تنشئ نظاماً تعليمياً حديثاً في 1919، وأول بورصة في الخليج، وأول مركز مالي، لا تملك اليوم كرسياً واحداً للدراسات البحرينية أو الخليجية في أي جامعة صينية. بينما جيراننا يخصصون كراسي أستاذية دائمة، ويمولون برامج ماجستير ودكتوراه، ويستضيفون مئات الطلاب الصينيين سنوياً.
إن زيارة واحدة لجامعة بكين تكشف الخلل في استراتيجيتنا الثقافية. نحن نتوجه إلى الغرب بكل ثقلنا، وهذا مهم، لكننا نهمل الشرق الذي سيقود الاقتصاد العالمي في العقود القادمة. الصين تخرج اليوم 5 ملايين خريج جامعي سنوياً في التخصصات التقنية، وتستثمر في الذكاء الاصطناعي أكثر من أمريكا وأوروبا مجتمعتين. إذا لم نكن داخل جامعاتهم ومكتباتهم وعقول طلابهم اليوم، فلن نكون في أسواقهم غداً.
ما المطلوب؟ ليس الكثير. كرسي البحرين للدراسات الخليجية في جامعة بكين، كلفة الكرسي لا تكلف كثيرا، لكنها تضمن أن يبقى اسم البحرين حاضراً كل يوم في أهم جامعة صينية، وأن يكتب عنا عشرات الباحثين الصينيين بلغتهم.
بجانب مشروع مكتبة بحرينية رقمية. البحرين تملك أرشيفاً فريداً في التاريخ والتراث. لماذا لا نهدي جامعة بكين مكتبة رقمية متكاملة عن تاريخ الخليج؟ بالإضافة إلى برنامج زمالة سنوي. ابتعاث 5 طلاب بحرينيين لدراسة الماجستير في الدراسات الصينية، واستضافة 5 طلاب صينيين في جامعة البحرين. هؤلاء هم سفراؤنا الحقيقيون بعد 10 سنوات.. وإن ما تقوم به السعودية والإمارات وعمان ليس ترفاً ثقافياً، بل هو استثمار استراتيجي.. الصين لا تنسى من وقف معها في قاعات الدرس.
أختم بما قاله لي مدير مركز الدراسات العربية وهو يودعني عند باب المكتبة: «الجيل السابق يزرع الشجرة، والجيل القادم يستظل بظلها».. ومكتبة الملك عبدالعزيز زرعت في 2015، واليوم نستظل بها جميعاً كخليجيين. وقد حان الوقت لتزرع البحرين شجرتها الخاصة في بكين، ليستظل بها أبناؤنا غداً.
وسوف نكمل المقال في الغد عن زيارتنا لمصانع المستقبل والريبورتات.. حيث الصين التي تعيش الآن في عام 2050.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك