العدد : ١٧٧٥٣ - السبت ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٣ - السبت ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

عندما تدرس الصين العربية

‮«‬اليشم‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬جوهرة‭ ‬إلا‭ ‬بالصقل‮»‬‭ ‬بهذه‭ ‬الحكمة‭ ‬الصينية‭ ‬القديمة،‭ ‬استقبلنا‭ ‬أساتذة‭ ‬جامعة‭ ‬بكين‭.. ‬حكمة‭ ‬تختصر‭ ‬فلسفة‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭: ‬التعليم‭ ‬هو‭ ‬الصقل،‭ ‬والحضارة‭ ‬هي‭ ‬الجوهرة‭. ‬

بالأمس‭ ‬قمنا‭ ‬بزيارة‭ ‬لجامعة‭ ‬بكين،‭ ‬أعرق‭ ‬جامعة‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬وواحدة‭ ‬من‭ ‬أفضل‭ ‬20‭ ‬جامعة‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬زيارة‭ ‬بروتوكولية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬اكتشافاً‭ ‬لكيف‭ ‬تنظر‭ ‬الصين‭ ‬إلينا،‭ ‬وكيف‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ننظر‭ ‬نحن‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭. ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الجامعة،‭ ‬يقع‭ ‬مركز‭ ‬الدراسات‭ ‬العربية‭ ‬ومكتبة‭ ‬الملك‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬العامة‭. ‬وهنا‭ ‬كانت‭ ‬المفاجأة‭ ‬الأولى‭. ‬المركز‭ ‬لا‭ ‬يدرس‭ ‬العربية‭ ‬كلغة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يدرس‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬كمنظومة‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬واجتماعية‭. ‬أساتذة‭ ‬صينيون‭ ‬يتحدثون‭ ‬العربية‭ ‬الفصحى‭ ‬بطلاقة،‭ ‬وطلاب‭ ‬صينيون‭ ‬يحفظون‭ ‬المتنبي،‭ ‬وباحثون‭ ‬يكتبون‭ ‬أطروحات‭ ‬دكتوراه‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬دور‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬توازن‭ ‬القوى‮»‬‭. ‬

أما‭ ‬مكتبة‭ ‬الملك‭ ‬عبدالعزيز،‭ ‬فهي‭ ‬قصة‭ ‬نجاح‭ ‬سعودية‭ ‬بامتياز‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تدرس‭. ‬في‭ ‬عام‭ ‬2015،‭ ‬تبرعت‭ ‬المملكة‭ ‬بإنشاء‭ ‬مكتبة‭ ‬عربية‭ ‬متكاملة‭ ‬داخل‭ ‬جامعة‭ ‬بكين،‭ ‬تضم‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬ألف‭ ‬كتاب‭ ‬ومخطوطة،‭ ‬وقاعات‭ ‬للمحاضرات،‭ ‬ومركزاً‭ ‬للرقمنة‭. ‬المكتبة‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬أهم‭ ‬مرجع‭ ‬للباحث‭ ‬الصيني‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬كل‭ ‬طالب‭ ‬صيني‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬السعودية‭ ‬والخليج‭ ‬العربي،‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬هناك‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الاستثمار‭ ‬الناعم‭ ‬الحقيقي،‭ ‬استثمار‭ ‬يبقى‭ ‬لمائة‭ ‬عام‭. ‬

وفي‭ ‬نفس‭ ‬اليوم،‭ ‬زرنا‭ ‬المعهد‭ ‬الصيني‭ ‬للدراسات‭ ‬الدولية،‭ ‬وهو‭ ‬ذراع‭ ‬التفكير‭ ‬لوزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الصينية‭. ‬هناك‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬لا‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الخليج‭ ‬كسوق‭ ‬نفط‭ ‬فقط‭. ‬هم‭ ‬يطرحون‭ ‬أسئلة‭ ‬استراتيجية‭ ‬عميقة،‭ ‬ووجدت‭ ‬لديهم‭ ‬احتراماً‭ ‬كبيراً‭ ‬للتجربة‭ ‬البحرينية‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬سؤال‭ ‬لم‭ ‬يطرحوه‭ ‬علنا‭ ‬وقد‭ ‬شعرت‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬حديثهم‭: ‬‮«‬أين‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬بكين؟‮»‬‭ ‬وهنا‭ ‬بيت‭ ‬القصيد‭.‬

دخلت‭ ‬إلى‭ ‬مكتبة‭ ‬الملك‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬فوجدت‭ ‬السعودية‭. ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬جناح‭ ‬الشيخ‭ ‬زايد‭ ‬للدراسات‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بكين‭ ‬للغات‭ ‬الأجنبية‭ ‬فوجدت‭ ‬الإمارات‭. ‬سمعتهم‭ ‬يتحدثون‭ ‬عن‭ ‬قاعة‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬نينغشيا‭ ‬فوجدت‭ ‬عمان‭. ‬فأين‭ ‬البحرين؟‭ ‬

البحرين،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬أول‭ ‬دولة‭ ‬خليجية‭ ‬تنشئ‭ ‬نظاماً‭ ‬تعليمياً‭ ‬حديثاً‭ ‬في‭ ‬1919،‭ ‬وأول‭ ‬بورصة‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬وأول‭ ‬مركز‭ ‬مالي،‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬اليوم‭ ‬كرسياً‭ ‬واحداً‭ ‬للدراسات‭ ‬البحرينية‭ ‬أو‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬جامعة‭ ‬صينية‭. ‬بينما‭ ‬جيراننا‭ ‬يخصصون‭ ‬كراسي‭ ‬أستاذية‭ ‬دائمة،‭ ‬ويمولون‭ ‬برامج‭ ‬ماجستير‭ ‬ودكتوراه،‭ ‬ويستضيفون‭ ‬مئات‭ ‬الطلاب‭ ‬الصينيين‭ ‬سنوياً‭. ‬

إن‭ ‬زيارة‭ ‬واحدة‭ ‬لجامعة‭ ‬بكين‭ ‬تكشف‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬استراتيجيتنا‭ ‬الثقافية‭. ‬نحن‭ ‬نتوجه‭ ‬إلى‭ ‬الغرب‭ ‬بكل‭ ‬ثقلنا،‭ ‬وهذا‭ ‬مهم،‭ ‬لكننا‭ ‬نهمل‭ ‬الشرق‭ ‬الذي‭ ‬سيقود‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬القادمة‭. ‬الصين‭ ‬تخرج‭ ‬اليوم‭ ‬5‭ ‬ملايين‭ ‬خريج‭ ‬جامعي‭ ‬سنوياً‭ ‬في‭ ‬التخصصات‭ ‬التقنية،‭ ‬وتستثمر‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أمريكا‭ ‬وأوروبا‭ ‬مجتمعتين‭. ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬داخل‭ ‬جامعاتهم‭ ‬ومكتباتهم‭ ‬وعقول‭ ‬طلابهم‭ ‬اليوم،‭ ‬فلن‭ ‬نكون‭ ‬في‭ ‬أسواقهم‭ ‬غداً‭. ‬

‭ ‬ما‭ ‬المطلوب؟‭ ‬ليس‭ ‬الكثير‭. ‬كرسي‭ ‬البحرين‭ ‬للدراسات‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بكين،‭ ‬كلفة‭ ‬الكرسي‭ ‬لا‭ ‬تكلف‭ ‬كثيرا،‭ ‬لكنها‭ ‬تضمن‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬اسم‭ ‬البحرين‭ ‬حاضراً‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬أهم‭ ‬جامعة‭ ‬صينية،‭ ‬وأن‭ ‬يكتب‭ ‬عنا‭ ‬عشرات‭ ‬الباحثين‭ ‬الصينيين‭ ‬بلغتهم‭. ‬

بجانب‭ ‬مشروع‭ ‬مكتبة‭ ‬بحرينية‭ ‬رقمية‭. ‬البحرين‭ ‬تملك‭ ‬أرشيفاً‭ ‬فريداً‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬والتراث‭. ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نهدي‭ ‬جامعة‭ ‬بكين‭ ‬مكتبة‭ ‬رقمية‭ ‬متكاملة‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬الخليج؟‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬برنامج‭ ‬زمالة‭ ‬سنوي‭. ‬ابتعاث‭ ‬5‭ ‬طلاب‭ ‬بحرينيين‭ ‬لدراسة‭ ‬الماجستير‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الصينية،‭ ‬واستضافة‭ ‬5‭ ‬طلاب‭ ‬صينيين‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬البحرين‭. ‬هؤلاء‭ ‬هم‭ ‬سفراؤنا‭ ‬الحقيقيون‭ ‬بعد‭ ‬10‭ ‬سنوات‭.. ‬وإن‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬وعمان‭ ‬ليس‭ ‬ترفاً‭ ‬ثقافياً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬استثمار‭ ‬استراتيجي‭.. ‬الصين‭ ‬لا‭ ‬تنسى‭ ‬من‭ ‬وقف‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬قاعات‭ ‬الدرس‭. ‬

أختم‭ ‬بما‭ ‬قاله‭ ‬لي‭ ‬مدير‭ ‬مركز‭ ‬الدراسات‭ ‬العربية‭ ‬وهو‭ ‬يودعني‭ ‬عند‭ ‬باب‭ ‬المكتبة‭: ‬‮«‬الجيل‭ ‬السابق‭ ‬يزرع‭ ‬الشجرة،‭ ‬والجيل‭ ‬القادم‭ ‬يستظل‭ ‬بظلها‮»‬‭.. ‬ومكتبة‭ ‬الملك‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬زرعت‭ ‬في‭ ‬2015،‭ ‬واليوم‭ ‬نستظل‭ ‬بها‭ ‬جميعاً‭ ‬كخليجيين‭. ‬وقد‭ ‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬لتزرع‭ ‬البحرين‭ ‬شجرتها‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬بكين،‭ ‬ليستظل‭ ‬بها‭ ‬أبناؤنا‭ ‬غداً‭.‬

وسوف‭ ‬نكمل‭ ‬المقال‭ ‬في‭ ‬الغد‭ ‬عن‭ ‬زيارتنا‭ ‬لمصانع‭ ‬المستقبل‭ ‬والريبورتات‭.. ‬حيث‭ ‬الصين‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2050‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا