الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
من المنامة إلى بكين
في كتابه الخالد «حول العالم في 200 يوم»، كتب أنيس منصور وهو يصف الصين: «الصيني رجل متفوق في عمله، يفكر بيديه ويتفلسف بمعدته».. عبارة ساخرة لكنها تلخص فلسفة أمة لا تتكلم كثيراً وتعمل كثيراً.
تذكرت هذه العبارة وأنا موجود الآن في بكين، على بعد خطوات من وزارة الخارجية الصينية، في مدينة بنت مجدها بالصبر لا بالضجيج.. وتذكرت أيضاً كتاباً آخر للسفير البحريني أنور العبدالله، الذين وثق كيف بدأت الحكاية، وكيف أن أول سفير للصين في المنامة، كان زميلاً للدبلوماسيين العرب في نيويورك في الثمانينيات، وأن البحرين اختارت نخبة سفرائها لبكين ليكونوا رسل حضارة لا مجرد موظفين.. ونحن اليوم لا نبدأ من الصفر.. نحن نكمل سطراً بدأ في 18 أبريل 1989 حينما بدأت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البحرين والصين.
التقينا مع مسؤول الشؤون الآسيوية في الخارجية الصينية، وكان اللقاء درساً في ما أسميه «الصبر الدبلوماسي العميق».. موقف البحرين من الصين واضح وثابت: التزام كامل بمبدأ الصين الواحدة.. وهذه ليست مجاملة، هذا نص البيان المشترك التاريخي الذي وقعه جلالة الملك المعظم والرئيس الصيني في مايو 2024 لإعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة: «البحرين تلتزم بمبدأ صين واحدة، وتدعم إعادة التوحيد السلمي للصين».
وموقف الصين من البحرين أكثر وضوحاً: الصين تحترم سيادة البحرين، ولا تتدخل في شؤونها، وتدعم رؤيتها الاقتصادية 2030.
وفي لقائنا، أكد المسؤول الصيني أن البحرين شريك كبير القيمة، وبوابة للخليج، ومركز مالي يحظى بثقة بكين، وأشاد بموقف البحرين المتوازن في القمة العربية الـ33 التي استضافتها المنامة، وهنا تكمن السياسة الصينية العميقة.. الصين لا تتعامل معنا بمنطق «ماذا تملك من نفط؟» بل بمنطق «ماذا تملك من موقع وحكمة؟».. تاريخها 5000 سنة علمها أن الإمبراطوريات التي تستعجل تسقط، والتي تصبر تبقى.. لهذا فالصين لا تفرض شروطاً سياسية، ولا تطلب قواعد عسكرية.. تطلب فقط الاحترام المتبادل.
وكان أهم ما قيل في لقاء الخارجية: الصين تريد تفعيل اتفاقية التجارة الحرة بينها ومجلس التعاون الخليجي، والبحرين تدفع بقوة إلى إنجازها.. هذا سيفتح مصانع صينية في البحرين تصدر إلى العالم العربي، وتفتح سوقاً بحرينياً في مقاطعة قوانغدونغ.
الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي أعلنت في 2024 ليست لقباً بروتوكولياً، هي خارطة طريق، وفرصنا اليوم في عدة مسارات: الاقتصاد الرقمي والطاقة الخضراء، والسياحة والطيران، بجانب التعليم واللغة.. الصين عرضت منحاً جديدة، ونحن نحتاج الى خبراء يتحدثون الصينية.. بجانب مسار الأمن الغذائي واللوجستيات.. ميناء خليفة يمكن أن يكون مركز توزيع صيني للمنطقة.
خرجت من مبنى الخارجية وأنا أفهم لماذا بنى الصينيون سورهم العظيم حجراً حجراً على مدى ألفي عام.. لأنهم لا يفكرون بالربع السنوي، بل بالقرن القادم.. وأختم بما قاله لنا المسؤول الصيني وهو يودعنا مبتسماً، بحكمة صينية قديمة تناسب البحرين والصين معاً: «قطرة الماء تثقب الحجر، ليس بالعنف.. بل بالتكرار والصبر.. وهكذا تبنى العلاقات».
وغدا نكمل المقال عن رحلتنا إلى سور الصين العظيم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك