العدد : ١٧٧٥٤ - الأحد ٠١ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٤ - الأحد ٠١ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

بكين 2050.. دخلت المستقبل

‮«‬من‭ ‬أراد‭ ‬إتقان‭ ‬عمله،‭ ‬فليُحسن‭ ‬أدواته‮»‬‭.. ‬بهذه‭ ‬الحكمة‭ ‬بدأ‭ ‬دليلنا‭ ‬الصيني‭ ‬جولتنا‭ ‬في‭ ‬مصانع‭ ‬المستقبل‭ ‬في‭ ‬بكين‭.. ‬فهمت‭ ‬بعدها‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬أحسنت‭ ‬أدواتها‭ ‬منذ‭ ‬عشرين‭ ‬سنة،‭ ‬واليوم‭ ‬هي‭ ‬تتقن‭ ‬العالم‭.. ‬لم‭ ‬أذهب‭ ‬إلى‭ ‬مصنع‭. ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬آخر‭. ‬

في‭ ‬الصباح‭ ‬الأول،‭ ‬أخذونا‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬القيادة‭ ‬الذاتية‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬سيارة‭ ‬تلقائيا‭ ‬بلا‭ ‬سائق‭. ‬لا‭ ‬مقود‭ ‬يتحرك،‭ ‬لا‭ ‬سائق‭ ‬يعتذر‭. ‬جلست‭ ‬في‭ ‬الخلف،‭ ‬ضغطت‭ ‬‮«‬ابدأ‭ ‬الرحلة‮»‬‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭. ‬السيارة‭ ‬قرأت‭ ‬الإشارة،‭ ‬تجاوزت‭ ‬دراجة،‭ ‬توقفت‭ ‬لمشاة،‭ ‬التفت‭ ‬في‭ ‬دوار‭ ‬مزدحم‭. ‬مدة‭ ‬25‭ ‬دقيقة‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬بكين‭ ‬الحقيقية،‭ ‬وكأنني‭ ‬داخل‭ ‬فيديو‭ ‬يوتيوب‭ ‬كنت‭ ‬أشاهده‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬قبل‭.. ‬السيارات‭ ‬ذاتية‭ ‬القيادة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬تجربة،‭ ‬هي‭ ‬خدمة‭ ‬تاكسي‭ ‬عامة‭ ‬تعمل‭. ‬تطبيق‭ ‬على‭ ‬الهاتف،‭ ‬مثل‭ ‬طلب‭ ‬أوبر،‭ ‬وتأتيك‭ ‬سيارة‭ ‬فارغة‭. ‬

بعد‭ ‬الظهر،‭ ‬انتقلنا‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬آخر‭. ‬مركز‭ ‬عرض‭ ‬الروبوتات‭.. ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أراه‭ ‬في‭ ‬‮«‬تيك‭ ‬توك‭ ‬وإنستغرام‮»‬،‭ ‬رأيته‭ ‬رأي‭ ‬العين‭.. ‬رأيت‭ ‬روبوت‭ ‬القهوة‭ ‬الذي‭ ‬يحفظ‭ ‬وجهك‭ ‬ودرجة‭ ‬حرارتك‭ ‬المفضلة‭ ‬ويصنعها‭ ‬في‭ ‬40‭ ‬ثانية‭.. ‬ورأيت‭ ‬روبوت‭ ‬التسويق‭ ‬في‭ ‬المول‭ ‬الذي‭ ‬يناديك‭ ‬باسمك‭ ‬ويعرض‭ ‬عليك‭ ‬المقاس‭ ‬المناسب،‭ ‬ورأيت‭ ‬الروبوت‭ ‬الناطق‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬الاستقبال‭ ‬في‭ ‬المستشفيات‭ ‬ويقيس‭ ‬النبض‭ ‬ودقات‭ ‬القلب،‭ ‬يتحدث‭ ‬بلهجة‭ ‬المريض‭.. ‬ورأيت‭ ‬الروبوتات‭ ‬التي‭ ‬ترتب‭ ‬البضائع،‭ ‬والروبوتات‭ ‬التي‭ ‬تكنس‭ ‬الشوارع،‭ ‬والروبوتات‭ ‬التي‭ ‬توصل‭ ‬الطلبات‭ ‬في‭ ‬الممرات‭.. ‬وحتى‭ ‬الروبوتات‭ ‬التي‭ ‬تلعب‭ ‬وترقص‭ ‬وتمارس‭ ‬الرياضة‭.. ‬لكن‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬أسكتتني،‭ ‬كانت‭ ((‬النظارة‭)). ‬

ألبسوني‭ ‬نظارة‭ ‬خفيفة‭ ‬لا‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬نظارة‭ ‬طبية‭ ‬عادية‭. ‬وقف‭ ‬أمامي‭ ‬شاب‭ ‬صيني‭ ‬يتحدث‭ ‬بسرعة‭ ‬بالصينية‭. ‬فجأة،‭ ‬بدأت‭ ‬أرى‭ ‬الترجمة‭ ‬العربية‭ ‬تظهر‭ ‬أمام‭ ‬عيني‭ ‬على‭ ‬عدسة‭ ‬النظارة،‭ ‬كلمة‭ ‬بكلمة،‭ ‬ثم‭ ‬تحدثت‭ ‬أنا‭ ‬بالعربية،‭ ‬فظهرت‭ ‬الترجمة‭ ‬الصينية‭ ‬أمامه‭. ‬فيها‭ ‬مئات‭ ‬اللغات،‭ ‬وتعمل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إنترنت‭. ‬قلت‭ ‬له‭: ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬نظارة،‭ ‬هذه‭ ‬إلغاء‭ ‬لفكرة‭ ‬اللغة‭ ‬نفسها‭. ‬هنا‭ ‬فهمت‭ ‬لماذا‭ ‬يقولون‭ ‬إن‭ ‬الصين‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2050‭. ‬

نحن‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬نتناقش‭ ‬هل‭ ‬نسمح‭ ‬بالتوصيل‭ ‬بالدراجات،‭ ‬وهم‭ ‬يسمحون‭ ‬بالتوصيل‭ ‬بالروبوتات‭ ‬والدرون‭.. ‬نحن‭ ‬نتناقش‭ ‬هل‭ ‬نستخدم‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬التعليم،‭ ‬وهم‭ ‬يدرسون‭ ‬به‭ ‬الطلاب‭ ‬فعلاً‭.. ‬في‭ ‬بكين،‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬‮«‬مستقبل‭ ‬قادم‮»‬،‭ ‬المستقبل‭ ‬ساكن‭ ‬هناك‭ ‬ويعمل‭ ‬بدوام‭ ‬كامل‭. ‬

ما‭ ‬أحزنني‭ ‬حقاً‭ ‬ليس‭ ‬تقدمهم،‭ ‬بل‭ ‬غيابنا‭.. ‬في‭ ‬كل‭ ‬مصنع‭ ‬دخلته،‭ ‬وجدت‭ ‬أعلام‭ ‬دول‭: ‬ألمانيا‭ ‬تطلب‭ ‬خط‭ ‬إنتاج،‭ ‬السعودية‭ ‬تطلب‭ ‬10‭ ‬آلاف‭ ‬روبوت،‭ ‬الإمارات‭ ‬تطلب‭ ‬مدينة‭ ‬لوجستية‭ ‬ذكية،‭ ‬مصر‭ ‬تطلب‭ ‬نظارات‭ ‬الترجمة‭ ‬لوزارة‭ ‬السياحة‭.. ‬سألت‭ ‬مدير‭ ‬أحد‭ ‬المصانع‭: ‬هل‭ ‬لديكم‭ ‬عملاء‭ ‬من‭ ‬البحرين؟‭ ‬ابتسم‭ ‬بأدب‭ ‬وقال‭: ‬‮«‬نرحب‭ ‬بالجميع‮»‬‭. ‬ابتسامة‭ ‬تعني‭ ((‬لا‭))..!!‬

كيف‭ ‬نترك‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬يبنى‭ ‬بدوننا؟‭ ‬البحرين‭ ‬دولة‭ ‬صغيرة‭ ‬وذكية،‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬منافسة‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬الصناعة‭ ‬الثقيلة،‭ ‬لكننا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬مختبرها‭ ‬الذكي‭ ‬في‭ ‬الخليج‭.. ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نجلب‭ ‬مصنع‭ ‬تجميع‭ ‬نظارات‭ ‬الترجمة‭ ‬إلى‭ ‬البحرين؟‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نجرب‭ ‬سيارات‭ ‬التاكسي‭ ‬ذاتية‭ ‬القيادة‭ ‬في‭ ‬خليج‭ ‬البحرين‭ ‬أولاً‭ ‬كمنطقة‭ ‬تجريبية‭ ‬خليجية؟‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نفتح‭ ‬مركزاً‭ ‬لتدريب‭ ‬الشباب‭ ‬البحريني‭ ‬على‭ ‬صيانة‭ ‬وبرمجة‭ ‬روبوتات‭ ‬الخدمات؟‭ ‬هذه‭ ‬وظائف‭ ‬المستقبل،‭ ‬وهي‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬النفط‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬البنوك‭ ‬فقط‭.. ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬ومصانعها‭ ‬كشريك‭ ‬استراتيجي،‭ ‬لا‭ ‬كمورد‭ ‬رخيص‭. ‬ونحن‭ ‬نتمنى‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬البحرين‭ ‬فيها،‭ ‬ليس‭ ‬كزبون‭ ‬صغير،‭ ‬بل‭ ‬كشريك‭ ‬يفهم‭ ‬اللعبة‭. ‬

خرجت‭ ‬من‭ ‬المصنع،‭ ‬والروبوت‭ ‬على‭ ‬الباب‭ ‬يقول‭ ‬لي‭ ‬بالعربية‭: ‬‮«‬مع‭ ‬السلامة‮»‬‭. ‬تذكرت‭ ‬حينها‭ ‬حكمة‭ ‬أخرى‭ ‬قالها‭ ‬لنا‭ ‬أستاذ‭ ‬صيني‭: ‬‮«‬الفرصة‭ ‬إذا‭ ‬ضاعت،‭ ‬لا‭ ‬تعود‮»‬‭.. ‬والصين‭ ‬فتحت‭ ‬أبواب‭ ‬مصانعها‭ ‬للعالم‭ ‬كله‭.. ‬السؤال‭ ‬هل‭ ‬سندخل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يغلق‭ ‬الباب؟‭ ‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا