الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
بكين 2050.. دخلت المستقبل
«من أراد إتقان عمله، فليُحسن أدواته».. بهذه الحكمة بدأ دليلنا الصيني جولتنا في مصانع المستقبل في بكين.. فهمت بعدها أن الصين أحسنت أدواتها منذ عشرين سنة، واليوم هي تتقن العالم.. لم أذهب إلى مصنع. ذهبت إلى زمن آخر.
في الصباح الأول، أخذونا إلى مركز القيادة الذاتية فتح باب سيارة تلقائيا بلا سائق. لا مقود يتحرك، لا سائق يعتذر. جلست في الخلف، ضغطت «ابدأ الرحلة» على الشاشة. السيارة قرأت الإشارة، تجاوزت دراجة، توقفت لمشاة، التفت في دوار مزدحم. مدة 25 دقيقة في شوارع بكين الحقيقية، وكأنني داخل فيديو يوتيوب كنت أشاهده فقط من قبل.. السيارات ذاتية القيادة هنا ليست تجربة، هي خدمة تاكسي عامة تعمل. تطبيق على الهاتف، مثل طلب أوبر، وتأتيك سيارة فارغة.
بعد الظهر، انتقلنا إلى عالم آخر. مركز عرض الروبوتات.. ما كنت أراه في «تيك توك وإنستغرام»، رأيته رأي العين.. رأيت روبوت القهوة الذي يحفظ وجهك ودرجة حرارتك المفضلة ويصنعها في 40 ثانية.. ورأيت روبوت التسويق في المول الذي يناديك باسمك ويعرض عليك المقاس المناسب، ورأيت الروبوت الناطق الذي يقف في الاستقبال في المستشفيات ويقيس النبض ودقات القلب، يتحدث بلهجة المريض.. ورأيت الروبوتات التي ترتب البضائع، والروبوتات التي تكنس الشوارع، والروبوتات التي توصل الطلبات في الممرات.. وحتى الروبوتات التي تلعب وترقص وتمارس الرياضة.. لكن اللحظة التي أسكتتني، كانت ((النظارة)).
ألبسوني نظارة خفيفة لا تختلف عن نظارة طبية عادية. وقف أمامي شاب صيني يتحدث بسرعة بالصينية. فجأة، بدأت أرى الترجمة العربية تظهر أمام عيني على عدسة النظارة، كلمة بكلمة، ثم تحدثت أنا بالعربية، فظهرت الترجمة الصينية أمامه. فيها مئات اللغات، وتعمل من دون إنترنت. قلت له: هذه ليست نظارة، هذه إلغاء لفكرة اللغة نفسها. هنا فهمت لماذا يقولون إن الصين تعيش في عام 2050.
نحن ما زلنا نتناقش هل نسمح بالتوصيل بالدراجات، وهم يسمحون بالتوصيل بالروبوتات والدرون.. نحن نتناقش هل نستخدم الذكاء الاصطناعي في التعليم، وهم يدرسون به الطلاب فعلاً.. في بكين، لا يوجد «مستقبل قادم»، المستقبل ساكن هناك ويعمل بدوام كامل.
ما أحزنني حقاً ليس تقدمهم، بل غيابنا.. في كل مصنع دخلته، وجدت أعلام دول: ألمانيا تطلب خط إنتاج، السعودية تطلب 10 آلاف روبوت، الإمارات تطلب مدينة لوجستية ذكية، مصر تطلب نظارات الترجمة لوزارة السياحة.. سألت مدير أحد المصانع: هل لديكم عملاء من البحرين؟ ابتسم بأدب وقال: «نرحب بالجميع». ابتسامة تعني ((لا))..!!
كيف نترك هذا العالم يبنى بدوننا؟ البحرين دولة صغيرة وذكية، لا نستطيع منافسة الصين في الصناعة الثقيلة، لكننا نستطيع أن نكون مختبرها الذكي في الخليج.. لماذا لا نجلب مصنع تجميع نظارات الترجمة إلى البحرين؟ لماذا لا نجرب سيارات التاكسي ذاتية القيادة في خليج البحرين أولاً كمنطقة تجريبية خليجية؟ لماذا لا نفتح مركزاً لتدريب الشباب البحريني على صيانة وبرمجة روبوتات الخدمات؟ هذه وظائف المستقبل، وهي ليست في النفط ولا في البنوك فقط.. العديد من الدول تتعامل مع الصين ومصانعها كشريك استراتيجي، لا كمورد رخيص. ونحن نتمنى أن نجد البحرين فيها، ليس كزبون صغير، بل كشريك يفهم اللعبة.
خرجت من المصنع، والروبوت على الباب يقول لي بالعربية: «مع السلامة». تذكرت حينها حكمة أخرى قالها لنا أستاذ صيني: «الفرصة إذا ضاعت، لا تعود».. والصين فتحت أبواب مصانعها للعالم كله.. السؤال هل سندخل قبل أن يغلق الباب؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك