العدد : ١٧٧٥٥ - الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٥ - الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

من شنغهاي إلى البحرين

ظننت‭ ‬أنني‭ ‬رأيت‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬بكين،‭ ‬بأسوارها‭ ‬وتاريخها،‭ ‬وروبوتاتها‭ ‬وسياراتها‭ ‬التي‭ ‬تسير‭ ‬بلا‭ ‬سائق،‭ ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬توقف‭ ‬القطار‭ ‬في‭ ‬شنغهاي،‭ ‬أدركت‭ ‬أنني‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬ومستقبل‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬مستقبل‭ ‬العالم‭ ‬واقتصاده‭.‬

بكين‭ ‬تفكر،‭ ‬وشنغهاي‭ ‬تنفذ‭.. ‬بكين‭ ‬تخطط،‭ ‬وشنغهاي‭ ‬تبيع‭ ‬الخطة‭ ‬للعالم‭.. ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يصدمك‭ ‬في‭ ‬شنغهاي‭ ‬ليس‭ ‬ناطحات‭ ‬السحاب،‭ ‬بل‭ ‬حركتها‭.. ‬في‭ ‬بكين‭ ‬الحركة‭ ‬منظمة‭ ‬ومهيبة،‭ ‬أما‭ ‬هنا‭ ‬فالحركة‭ ‬هي‭ ‬الحياة‭ ‬نفسها‭.. ‬في‭ ‬شارع‭ ‬نانجينغ،‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬يمشون،‭ ‬يشترون،‭ ‬يتفاوضون،‭ ‬يصورون‭.. ‬المتاجر‭ ‬لا‭ ‬تغلق،‭ ‬الشاشات‭ ‬لا‭ ‬تنطفئ،‭ ‬الميناء‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭.. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬مدينة،‭ ‬هذه‭ ‬مصنع‭ ‬ضخم‭ ‬للتجارة‭ ‬يعمل‭ ‬24‭ ‬ساعة،‭ ‬ونافذة‭ ‬الصين‭ ‬التي‭ ‬تطل‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬ويطل‭ ‬منها‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬الصين‭.‬

شاهدنا‭ ‬برج‭ ‬شنغهاي‭ ‬المالي،‭ ‬ووقفنا‭ ‬أمام‭ ‬نهر‭ ‬هوانغبو‭ ‬في‭ ‬الليل‭.. ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬اليمنى،‭ ‬مباني‭ ‬البوند‭ ‬الأوروبية‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬بناها‭ ‬الإنجليز‭ ‬قبل‭ ‬مئة‭ ‬عام،‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬زمن‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬شنغهاي‭ ‬بوابة‭ ‬الاستعمار‭.. ‬وعلى‭ ‬الضفة‭ ‬اليسرى،‭ ‬بودونغ،‭ ‬غابة‭ ‬من‭ ‬الزجاج‭ ‬والضوء‭ ‬ترتفع‭ ‬632‭ ‬متراً،‭ ‬تلمع‭ ‬فيها‭ ‬أسماء‭ ‬شركات‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نعرفها‭ ‬قبل‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬وأصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬تحكم‭ ‬اقتصاد‭ ‬العالم،‭ ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬هو‭ ‬سر‭ ‬الصين،‭ ‬تحترم‭ ‬ماضيها،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تسكن‭ ‬فيه،‭ ‬والسياحة‭ ‬هنا‭ ‬صناعة‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭.‬

رحلتنا‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬نهر‭ ‬هوانغبو‭ ‬ليلاً‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬نزهة،‭ ‬كانت‭ ‬درساً‭.. ‬كل‭ ‬مبنى‭ ‬يحكي‭ ‬قصة،‭ ‬كل‭ ‬ضوء‭ ‬هو‭ ‬استثمار‭.. ‬رأيت‭ ‬سياحاً‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬جنسية،‭ ‬وكلهم‭ ‬يحملون‭ ‬الاندهاش‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬نحمله‭ ‬نحن‭.. ‬شنغهاي‭ ‬لا‭ ‬تبيع‭ ‬لك‭ ‬منظراً،‭ ‬تبيع‭ ‬لك‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬المستحيل‭ ‬ممكن،‭ ‬وأن‭ ‬مدينة‭ ‬كانت‭ ‬قرية‭ ‬صيد‭ ‬قبل‭ ‬40‭ ‬عاماً‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬عاصمة‭ ‬المال‭ ‬في‭ ‬آسيا‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الازدحام‭ ‬والضجيج‭ ‬الجميل،‭ ‬جاء‭ ‬خبر‭ ‬عودتنا‭ ‬ليمنحني‭ ‬شعوراً‭ ‬خاصاً‭ ‬بالفخر‭.. ‬سنعود‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬ناقلة‭ ‬الوطن،‭ ‬طيران‭ ‬الخليج،‭ ‬برحلة‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬شنغهاي‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬GF125‭ ‬دون‭ ‬ترانزيت،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬الرحلات‭ ‬الطويلة‭ ‬مرهقة‭ ‬بالانتظار‭ ‬في‭ ‬مطارات‭ ‬وسيطة،‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لبلد‭ ‬صغير‭ ‬بحجم‭ ‬البحرين‭ ‬خط‭ ‬مباشر‭ ‬مع‭ ‬عملاق‭ ‬بحجم‭ ‬الصين،‭ ‬فهذه‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬رحلة،‭ ‬هذه‭ ‬رؤية‭.. ‬هذا‭ ‬قرار‭ ‬استراتيجي‭ ‬صائب‭ ‬تشكر‭ ‬عليه‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬لأنه‭ ‬يختصر‭ ‬المسافة‭ ‬ليس‭ ‬بين‭ ‬مطارين‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بين‭ ‬سوقين،‭ ‬وشعبين،‭ ‬ومستقبلين‭.‬

ولا‭ ‬يكتمل‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬دون‭ ‬شكر‭ ‬من‭ ‬كانوا‭ ‬سبب‭ ‬نجاحها‭.. ‬شكراً‭ ‬عميقاً‭ ‬لفريق‭ ‬السفارة‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬الذين‭ ‬أعدوا‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬بإتقان،‭ ‬وشكر‭ ‬خاص‭ ((‬للأستاذة‭ ‬مريم‭))‬،‭ ‬مرافقتنا‭ ‬طوال‭ ‬الرحلة،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مترجمة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬سفيرة‭ ‬حقيقية‭ ‬للثقافة‭ ‬الصينية‭ ‬بابتسامتها‭ ‬وصبرها‭ ‬وحرصها‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬كل‭ ‬كلمة‭ ‬وكل‭ ‬معنى‭.. ‬وشكراً‭ ‬لسعادة‭ ‬سفير‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬بكين‭ ‬‮«‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬غسان‭ ‬شيخو‮»‬‭ ‬وفريق‭ ‬السفارة‭ ‬من‭ ‬شباب‭ ‬البحرين‭ ‬الرائعين‭.. ‬لقاؤنا‭ ‬في‭ ‬مقر‭ ‬السفارة‭ ‬كان‭ ‬لحظة‭ ‬وطنية‭ ‬بامتياز‭.. ‬لقد‭ ‬كانوا‭ ‬بيتنا‭ ‬البعيد،‭ ‬وكنا‭ ‬ضيوفاً‭ ‬فخورين‭ ‬بهم‭.‬

وأخيراً،‭ ‬شكراً‭ ‬لكل‭ ‬فرد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة،‭ ‬من‭ ‬زملائي‭ ‬وزميلاتي‭.. ‬كنا‭ ‬حقاً‭ ‬أسرة‭ ‬بحرينية‭ ‬واحدة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أحد‭ ‬منا‭ ‬يمثل‭ ‬نفسه،‭ ‬بل‭ ‬كنا‭ ‬جميعاً‭ ‬نمثل‭ ‬اسم‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬اجتماع‭ ‬وكل‭ ‬زيارة‭ ‬وكل‭ ‬صورة‭.. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬معدن‭ ‬البحريني‭ ‬الأصيل،‭ ‬أينما‭ ‬ذهب‭ ‬يترك‭ ‬أثراً‭ ‬طيباً‭.‬

وستبقى‭ ‬الصين‭ ‬حكاية‭ ‬لا‭ ‬تنتهي،‭ ‬حكاية‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬نقرأها،‭ ‬ونتعلم‭ ‬منها،‭ ‬ونتعاون‭ ‬معها‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭.. ‬تقول‭ ‬الحكمة‭ ‬الصينية‭ ((‬البحر‭ ‬يتسع‭ ‬لمئات‭ ‬الأنهار‭ ‬لأنه‭ ‬واسع،‭ ‬والعظيم‭ ‬يتسع‭ ‬للجميع‭ ‬لأنه‭ ‬عظيم‭)).. ‬واليوم‭ ‬فإن‭ ‬الصين‭ ‬قد‭ ‬اتسعت‭ ‬للعالم،‭ ‬وحان‭ ‬الوقت‭ ‬لأن‭ ‬نتسع‭ ‬نحن‭ ‬للتعلم‭ ‬من‭ ‬الصين‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا