الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
من شنغهاي إلى البحرين
ظننت أنني رأيت الصين في بكين، بأسوارها وتاريخها، وروبوتاتها وسياراتها التي تسير بلا سائق، لكن حين توقف القطار في شنغهاي، أدركت أنني انتقلت من تاريخ ومستقبل الصين إلى مستقبل العالم واقتصاده.
بكين تفكر، وشنغهاي تنفذ.. بكين تخطط، وشنغهاي تبيع الخطة للعالم.. أول ما يصدمك في شنغهاي ليس ناطحات السحاب، بل حركتها.. في بكين الحركة منظمة ومهيبة، أما هنا فالحركة هي الحياة نفسها.. في شارع نانجينغ، مئات الآلاف يمشون، يشترون، يتفاوضون، يصورون.. المتاجر لا تغلق، الشاشات لا تنطفئ، الميناء لا يتوقف.. هذه ليست مدينة، هذه مصنع ضخم للتجارة يعمل 24 ساعة، ونافذة الصين التي تطل منها على العالم ويطل منها العالم على الصين.
شاهدنا برج شنغهاي المالي، ووقفنا أمام نهر هوانغبو في الليل.. على الضفة اليمنى، مباني البوند الأوروبية القديمة التي بناها الإنجليز قبل مئة عام، شاهدة على زمن كانت فيه شنغهاي بوابة الاستعمار.. وعلى الضفة اليسرى، بودونغ، غابة من الزجاج والضوء ترتفع 632 متراً، تلمع فيها أسماء شركات لم نكن نعرفها قبل خمس سنوات وأصبحت اليوم تحكم اقتصاد العالم، هذا التناقض هو سر الصين، تحترم ماضيها، لكنها لا تسكن فيه، والسياحة هنا صناعة بحد ذاتها.
رحلتنا البحرية في نهر هوانغبو ليلاً لم تكن نزهة، كانت درساً.. كل مبنى يحكي قصة، كل ضوء هو استثمار.. رأيت سياحاً من كل جنسية، وكلهم يحملون الاندهاش نفسه الذي نحمله نحن.. شنغهاي لا تبيع لك منظراً، تبيع لك فكرة أن المستحيل ممكن، وأن مدينة كانت قرية صيد قبل 40 عاماً يمكن أن تصبح عاصمة المال في آسيا.
ومن بين كل هذا الازدحام والضجيج الجميل، جاء خبر عودتنا ليمنحني شعوراً خاصاً بالفخر.. سنعود إلى البحرين على متن ناقلة الوطن، طيران الخليج، برحلة مباشرة من شنغهاي إلى البحرين GF125 دون ترانزيت، في زمن أصبحت فيه الرحلات الطويلة مرهقة بالانتظار في مطارات وسيطة، أن يكون لبلد صغير بحجم البحرين خط مباشر مع عملاق بحجم الصين، فهذه ليست مجرد رحلة، هذه رؤية.. هذا قرار استراتيجي صائب تشكر عليه مملكة البحرين، لأنه يختصر المسافة ليس بين مطارين فقط، بل بين سوقين، وشعبين، ومستقبلين.
ولا يكتمل الحديث عن هذه الرحلة دون شكر من كانوا سبب نجاحها.. شكراً عميقاً لفريق السفارة الصينية في البحرين الذين أعدوا هذا البرنامج بإتقان، وشكر خاص ((للأستاذة مريم))، مرافقتنا طوال الرحلة، التي لم تكن مترجمة فقط، بل كانت سفيرة حقيقية للثقافة الصينية بابتسامتها وصبرها وحرصها على أن نفهم كل كلمة وكل معنى.. وشكراً لسعادة سفير مملكة البحرين في بكين «الدكتور محمد غسان شيخو» وفريق السفارة من شباب البحرين الرائعين.. لقاؤنا في مقر السفارة كان لحظة وطنية بامتياز.. لقد كانوا بيتنا البعيد، وكنا ضيوفاً فخورين بهم.
وأخيراً، شكراً لكل فرد في هذه الرحلة، من زملائي وزميلاتي.. كنا حقاً أسرة بحرينية واحدة، لم يكن أحد منا يمثل نفسه، بل كنا جميعاً نمثل اسم مملكة البحرين في كل اجتماع وكل زيارة وكل صورة.. هذا هو معدن البحريني الأصيل، أينما ذهب يترك أثراً طيباً.
وستبقى الصين حكاية لا تنتهي، حكاية تستحق أن نقرأها، ونتعلم منها، ونتعاون معها أكثر فأكثر.. تقول الحكمة الصينية ((البحر يتسع لمئات الأنهار لأنه واسع، والعظيم يتسع للجميع لأنه عظيم)).. واليوم فإن الصين قد اتسعت للعالم، وحان الوقت لأن نتسع نحن للتعلم من الصين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك