مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
جنون الحوثي سيرتد إلى صدره
هناك أفعال تتجاوز حدود الصراع السياسي والعسكري، وتتجاوز كذلك الخلافات والمواقف والمصالح، لتصطدم مباشرة بما هو راسخ في وجدان الشعوب وعقائدها ومقدساتها.
وما حدث مساء يوم الثلاثاء، عندما أعلنت السعودية اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة أطلقتها المليشيا الحوثية باتجاه مكة المكرمة، ينتمي إلى هذا النوع من الأفعال التي يصعب النظر إليها باعتبارها مجرد تطور آخر في مسار صراع إقليمي.
مكة المكرمة ليست مدينة عادية يمكن أن تتحول إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية أو تسجيل المواقف السياسية، إنها قبلة المسلمين، والبلد الحرام، والمكان الذي تتجه إليه قلوب المسلمين في صلواتهم، ويقصده الملايين من مختلف دول العالم لأداء الحج والعمرة.
وأي محاولة لتعريضها للخطر تثير مشاعر المسلمين وليس فقط الأشقاء في المملكة العربية السعودية فقط. المسألة هنا ليست مجرد مسيّرة تم اعتراضها، وإنما الرسالة التي يحملها اختيار الهدف.
الخلافات السياسية، مهما بلغت حدتها، لها حدود، والصراعات العسكرية، مهما امتدت، يُفترض أن تبقى محكومة بقواعد القانون الدولي وبمبدأ حماية المدنيين والأعيان المحمية، أما أن تمتد أدوات الصراع إلى منطقة تحمل هذه المكانة الدينية والروحية لأكثر من ملياري مسلم، فذلك يمثل انتقالا خطيرًا في طبيعة الصراع نفسه.
والأخطر أن هذه ليست المرة الأولى تُقدم فيها المليشيا الحوثية على محاولة استهداف مكة؛ ففي 27 يوليو 2017 أعلنت قيادة التحالف اعتراض صاروخ باليستي أُطلق باتجاه منطقة مكة المكرمة، قبل أن يتم اعتراضه من دون وقوع أضرار.
وهنا يصبح السؤال مطروحا: ما الذي يمكن أن يحققه استهداف مكة في أي صراع سياسي أو عسكري؟
لا يمكن لمثل هذا السلوك أن يقدم حلا لقضية، ولا أن يغير معادلة سياسية، ولا أن يحقق أمنًا لشعب، بل على العكس؛ إنه يفتح بابًا بالغ الخطورة أمام تحويل المقدسات إلى جزءٍ من أدوات الصراع، ويجعل ما ينبغي أن يكون فوق الخلافات السياسية والعسكرية عُرضة للاستهداف والتهديد.
إنَّ المنطقة دفعت طوال سنوات ثمنًا باهظًا نتيجة اتساع دائرة الصراعات، وتداخل الجماعات المسلحة مع الأزمات السياسية، وتحول الطائرات المسيّرة والصواريخ إلى أدوات لفرض الوقائع وإرسال الرسائل. لكن استهداف الأماكن المقدسة يضع العالم الإسلامي والمجتمع الدولي أمام اختبار مختلف: هل ستظل هناك خطوط لا يجوز لأي طرف تجاوزها؟
يجب أن نؤكد ونشدد على أن المقدسات ليست أهدافًا مشروعة في أي صراع، ولا يجوز أن تكون ورقة للمساومة أو أداة للضغط أو وسيلة لإثارة المشاعر الدينية.
لقد عرف التاريخ محاولات سابقة للاعتداء على مكة، كما عرف العالم الإسلامي محطات عديدة اختلط فيها الدين بالصراع السياسي والعسكري، لكن الدرس الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا هو أنَّ حماية المقدسات مسؤولية تتجاوز الحسابات الآنية، وأنَّ حُرمة مكة يجب أن تظل فوق كل خلاف، وفوق كل مشروع سياسي، وفوق كل حسابات المليشيات والجماعات المسلحة.
إنَّ أكثر ما يُثير القلق في هذه الواقعة ليس فقط مسار المُسيّرة الذي انتهى باعتراضها، وإنما مسار التفكير الذي يجعل المقدسات نفسها جزءًا من بنك الأهداف.
وهذا هو النمط الذي ينبغي أن يتوقف عنده المجتمع الدولي طويلًا: عندما تصبح أدوات الحرب أكثر تطورًا، بينما تتراجع الحدود الأخلاقية والسياسية لاستخدامها، فإنَّ الخطر لا يعود محصورًا في هدف عسكري محدد، بل يمتد إلى أمن المجتمعات واستقرار الدول وحُرمة المقدسات.
لقد أثبتت واقعة مكة مرة أخرى أنَّ المنطقة لا تحتاج إلى مزيدٍ من النار، ولا إلى توسيع ساحات المواجهة، ولا إلى إدخال المقدسات في حسابات الصراع.
ويجب أن يُدرك الحوثيون، ومن يقف وراءهم ويدعم هذا النهج في المنطقة، أنَّ استهداف مكة المكرمة ليس ورقة يمكن استخدامها في صراع أو رسالة يمكن تمريرها عبر مسيّرة، وإنما هو تجاوز لخط أحمر يمسُّ مشاعر المسلمين جميعًا، ويضع مرتكبيه أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية لا يمكن التهرب منها.
إنَّ ما حدث ليس مجرد محاولة عدائية انتهت باعتراض مسيّرة قبل وصولها إلى المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة، وإنما هو مؤشرٌ خطيرٌ على الطريقة التي تتعامل بها المليشيات مع صراعات المنطقة، حين تتحول أدوات الحرب إلى وسيلة لاستهداف كل ما يُمكن أن يوسع دائرة الخوف والفوضى، حتى لو تعلق الأمر بمقدسات يتفقُ المسلمون جميعًا على حُرمتها وقدسيتها.
وإذا كانت المليشيا الحوثية تظن أن الاقتراب من مكة يمكن أن يحقق لها مكسبًا سياسيًّا أو عسكريًّا، فإنها تخطئ الحساب. فمكة ليست هدفًا عسكريًّا، وليست ساحة لتصفية الحسابات، وليست ورقة ضغط في أي صراع. ومن يضع المقدسات في مرمى صراعاته إنما يفتح على نفسه بابًا من الرفض والاستنكار لا يمكن إغلاقه.
إنَّ جنون المليشيات لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، وما فعلته المليشيا الحوثية تجاه مكة المكرمة سيرتد عليها؛ لأن المقدسات لا تُستباح، وحرمة مكة ليست موضع مساومة، وأمن الحرمين الشريفين ليس شأنًا يخص طرفًا من دون آخر، بل قضية تمس ضمير الأمة الإسلامية بأسرها.
وحين تصل الصراعات إلى أبواب المقدسات، يصبح السؤال أكبر من المسيّرة التي تم اعتراضها، وأكبر من الحوثيين أنفسهم: أيُّ مستقبل تريد هذه المنطقة لنفسها إذا أصبحت مقدساتها جزءًا من أدوات الحرب؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك