العدد : ١٧٧٠٩ - الخميس ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٩ - الخميس ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

جنون الحوثي سيرتد إلى صدره

هناك‭ ‬أفعال‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الصراع‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري،‭ ‬وتتجاوز‭ ‬كذلك‭ ‬الخلافات‭ ‬والمواقف‭ ‬والمصالح،‭ ‬لتصطدم‭ ‬مباشرة‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬راسخ‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬الشعوب‭ ‬وعقائدها‭ ‬ومقدساتها‭. ‬

وما‭ ‬حدث‭ ‬مساء‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء،‭ ‬عندما‭ ‬أعلنت‭ ‬السعودية‭ ‬اعتراض‭ ‬وتدمير‭ ‬طائرة‭ ‬مسيّرة‭ ‬أطلقتها‭ ‬المليشيا‭ ‬الحوثية‭ ‬باتجاه‭ ‬مكة‭ ‬المكرمة،‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الأفعال‭ ‬التي‭ ‬يصعب‭ ‬النظر‭ ‬إليها‭ ‬باعتبارها‭ ‬مجرد‭ ‬تطور‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬صراع‭ ‬إقليمي‭.‬

مكة‭ ‬المكرمة‭ ‬ليست‭ ‬مدينة‭ ‬عادية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬لتبادل‭ ‬الرسائل‭ ‬العسكرية‭ ‬أو‭ ‬تسجيل‭ ‬المواقف‭ ‬السياسية،‭ ‬إنها‭ ‬قبلة‭ ‬المسلمين،‭ ‬والبلد‭ ‬الحرام،‭ ‬والمكان‭ ‬الذي‭ ‬تتجه‭ ‬إليه‭ ‬قلوب‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬صلواتهم،‭ ‬ويقصده‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬لأداء‭ ‬الحج‭ ‬والعمرة‭.‬

وأي‭ ‬محاولة‭ ‬لتعريضها‭ ‬للخطر‭ ‬تثير‭ ‬مشاعر‭ ‬المسلمين‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬الأشقاء‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬فقط‭. ‬المسألة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مسيّرة‭ ‬تم‭ ‬اعتراضها،‭ ‬وإنما‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬يحملها‭ ‬اختيار‭ ‬الهدف‭.‬

الخلافات‭ ‬السياسية،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬حدتها،‭ ‬لها‭ ‬حدود،‭ ‬والصراعات‭ ‬العسكرية،‭ ‬مهما‭ ‬امتدت،‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬محكومة‭ ‬بقواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬وبمبدأ‭ ‬حماية‭ ‬المدنيين‭ ‬والأعيان‭ ‬المحمية،‭ ‬أما‭ ‬أن‭ ‬تمتد‭ ‬أدوات‭ ‬الصراع‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬تحمل‭ ‬هذه‭ ‬المكانة‭ ‬الدينية‭ ‬والروحية‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ملياري‭ ‬مسلم،‭ ‬فذلك‭ ‬يمثل‭ ‬انتقالا‭ ‬خطيرًا‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الصراع‭ ‬نفسه‭.‬

والأخطر‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬تُقدم‭ ‬فيها‭ ‬المليشيا‭ ‬الحوثية‭ ‬على‭ ‬محاولة‭ ‬استهداف‭ ‬مكة؛‭ ‬ففي‭ ‬27‭ ‬يوليو‭ ‬2017‭ ‬أعلنت‭ ‬قيادة‭ ‬التحالف‭ ‬اعتراض‭ ‬صاروخ‭ ‬باليستي‭ ‬أُطلق‭ ‬باتجاه‭ ‬منطقة‭ ‬مكة‭ ‬المكرمة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬اعتراضه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وقوع‭ ‬أضرار‭.‬

وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬مطروحا‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحققه‭ ‬استهداف‭ ‬مكة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬صراع‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬عسكري؟

لا‭ ‬يمكن‭ ‬لمثل‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬حلا‭ ‬لقضية،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬يغير‭ ‬معادلة‭ ‬سياسية،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬أمنًا‭ ‬لشعب،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس؛‭ ‬إنه‭ ‬يفتح‭ ‬بابًا‭ ‬بالغ‭ ‬الخطورة‭ ‬أمام‭ ‬تحويل‭ ‬المقدسات‭ ‬إلى‭ ‬جزءٍ‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬الصراع،‭ ‬ويجعل‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فوق‭ ‬الخلافات‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭ ‬عُرضة‭ ‬للاستهداف‭ ‬والتهديد‭.‬

إنَّ‭ ‬المنطقة‭ ‬دفعت‭ ‬طوال‭ ‬سنوات‭ ‬ثمنًا‭ ‬باهظًا‭ ‬نتيجة‭ ‬اتساع‭ ‬دائرة‭ ‬الصراعات،‭ ‬وتداخل‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬مع‭ ‬الأزمات‭ ‬السياسية،‭ ‬وتحول‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬والصواريخ‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬لفرض‭ ‬الوقائع‭ ‬وإرسال‭ ‬الرسائل‭. ‬لكن‭ ‬استهداف‭ ‬الأماكن‭ ‬المقدسة‭ ‬يضع‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬والمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬مختلف‭: ‬هل‭ ‬ستظل‭ ‬هناك‭ ‬خطوط‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬لأي‭ ‬طرف‭ ‬تجاوزها؟

يجب‭ ‬أن‭ ‬نؤكد‭ ‬ونشدد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المقدسات‭ ‬ليست‭ ‬أهدافًا‭ ‬مشروعة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬صراع،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ورقة‭ ‬للمساومة‭ ‬أو‭ ‬أداة‭ ‬للضغط‭ ‬أو‭ ‬وسيلة‭ ‬لإثارة‭ ‬المشاعر‭ ‬الدينية‭.‬

لقد‭ ‬عرف‭ ‬التاريخ‭ ‬محاولات‭ ‬سابقة‭ ‬للاعتداء‭ ‬على‭ ‬مكة،‭ ‬كما‭ ‬عرف‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬محطات‭ ‬عديدة‭ ‬اختلط‭ ‬فيها‭ ‬الدين‭ ‬بالصراع‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري،‭ ‬لكن‭ ‬الدرس‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬حاضرًا‭ ‬هو‭ ‬أنَّ‭ ‬حماية‭ ‬المقدسات‭ ‬مسؤولية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحسابات‭ ‬الآنية،‭ ‬وأنَّ‭ ‬حُرمة‭ ‬مكة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬خلاف،‭ ‬وفوق‭ ‬كل‭ ‬مشروع‭ ‬سياسي،‭ ‬وفوق‭ ‬كل‭ ‬حسابات‭ ‬المليشيات‭ ‬والجماعات‭ ‬المسلحة‭.‬

إنَّ‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يُثير‭ ‬القلق‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الواقعة‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬مسار‭ ‬المُسيّرة‭ ‬الذي‭ ‬انتهى‭ ‬باعتراضها،‭ ‬وإنما‭ ‬مسار‭ ‬التفكير‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬المقدسات‭ ‬نفسها‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬بنك‭ ‬الأهداف‭.‬

وهذا‭ ‬هو‭ ‬النمط‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتوقف‭ ‬عنده‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬طويلًا‭: ‬عندما‭ ‬تصبح‭ ‬أدوات‭ ‬الحرب‭ ‬أكثر‭ ‬تطورًا،‭ ‬بينما‭ ‬تتراجع‭ ‬الحدود‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والسياسية‭ ‬لاستخدامها،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الخطر‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬محصورًا‭ ‬في‭ ‬هدف‭ ‬عسكري‭ ‬محدد،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬أمن‭ ‬المجتمعات‭ ‬واستقرار‭ ‬الدول‭ ‬وحُرمة‭ ‬المقدسات‭.‬

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬واقعة‭ ‬مكة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬أنَّ‭ ‬المنطقة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مزيدٍ‭ ‬من‭ ‬النار،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬ساحات‭ ‬المواجهة،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬إدخال‭ ‬المقدسات‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬الصراع‭.‬

ويجب‭ ‬أن‭ ‬يُدرك‭ ‬الحوثيون،‭ ‬ومن‭ ‬يقف‭ ‬وراءهم‭ ‬ويدعم‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬أنَّ‭ ‬استهداف‭ ‬مكة‭ ‬المكرمة‭ ‬ليس‭ ‬ورقة‭ ‬يمكن‭ ‬استخدامها‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬أو‭ ‬رسالة‭ ‬يمكن‭ ‬تمريرها‭ ‬عبر‭ ‬مسيّرة،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬تجاوز‭ ‬لخط‭ ‬أحمر‭ ‬يمسُّ‭ ‬مشاعر‭ ‬المسلمين‭ ‬جميعًا،‭ ‬ويضع‭ ‬مرتكبيه‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولية‭ ‬تاريخية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التهرب‭ ‬منها‭.‬

إنَّ‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬محاولة‭ ‬عدائية‭ ‬انتهت‭ ‬باعتراض‭ ‬مسيّرة‭ ‬قبل‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬المجال‭ ‬الجوي‭ ‬المحظور‭ ‬للعاصمة‭ ‬المقدسة،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬مؤشرٌ‭ ‬خطيرٌ‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تتعامل‭ ‬بها‭ ‬المليشيات‭ ‬مع‭ ‬صراعات‭ ‬المنطقة،‭ ‬حين‭ ‬تتحول‭ ‬أدوات‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬لاستهداف‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬يوسع‭ ‬دائرة‭ ‬الخوف‭ ‬والفوضى،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بمقدسات‭ ‬يتفقُ‭ ‬المسلمون‭ ‬جميعًا‭ ‬على‭ ‬حُرمتها‭ ‬وقدسيتها‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬المليشيا‭ ‬الحوثية‭ ‬تظن‭ ‬أن‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬مكة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬لها‭ ‬مكسبًا‭ ‬سياسيًّا‭ ‬أو‭ ‬عسكريًّا،‭ ‬فإنها‭ ‬تخطئ‭ ‬الحساب‭. ‬فمكة‭ ‬ليست‭ ‬هدفًا‭ ‬عسكريًّا،‭ ‬وليست‭ ‬ساحة‭ ‬لتصفية‭ ‬الحسابات،‭ ‬وليست‭ ‬ورقة‭ ‬ضغط‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬صراع‭. ‬ومن‭ ‬يضع‭ ‬المقدسات‭ ‬في‭ ‬مرمى‭ ‬صراعاته‭ ‬إنما‭ ‬يفتح‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬بابًا‭ ‬من‭ ‬الرفض‭ ‬والاستنكار‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إغلاقه‭.‬

إنَّ‭ ‬جنون‭ ‬المليشيات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يستمر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نهاية،‭ ‬وما‭ ‬فعلته‭ ‬المليشيا‭ ‬الحوثية‭ ‬تجاه‭ ‬مكة‭ ‬المكرمة‭ ‬سيرتد‭ ‬عليها؛‭ ‬لأن‭ ‬المقدسات‭ ‬لا‭ ‬تُستباح،‭ ‬وحرمة‭ ‬مكة‭ ‬ليست‭ ‬موضع‭ ‬مساومة،‭ ‬وأمن‭ ‬الحرمين‭ ‬الشريفين‭ ‬ليس‭ ‬شأنًا‭ ‬يخص‭ ‬طرفًا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬آخر،‭ ‬بل‭ ‬قضية‭ ‬تمس‭ ‬ضمير‭ ‬الأمة‭ ‬الإسلامية‭ ‬بأسرها‭.‬

وحين‭ ‬تصل‭ ‬الصراعات‭ ‬إلى‭ ‬أبواب‭ ‬المقدسات،‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬المسيّرة‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬اعتراضها،‭ ‬وأكبر‭ ‬من‭ ‬الحوثيين‭ ‬أنفسهم‭: ‬أيُّ‭ ‬مستقبل‭ ‬تريد‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬لنفسها‭ ‬إذا‭ ‬أصبحت‭ ‬مقدساتها‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬الحرب؟

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا