مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
دماؤنا واحدة.. وقيمنا واحدة
مع العدوان الإيراني ووكلائه الذي تشهده المنطقة على مدى الأشهر الماضية، جاء التمرين المشترك «درع البحرين» بمشاركة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ليؤكد أن الأمن الخليجي لم يعد يُبنى بردود الأفعال، بل بمنظومة ردع جماعية تستند إلى الإرادة السياسية، والتكامل العسكري، والشراكات الاستراتيجية، بما يحمي التنمية والاستقرار ويصون وحدة المصير الخليجي في مواجهة التهديدات الإقليمية، كما جسّد التمرين حقيقة راسخة، هي أن أمن أي دولة خليجية هو جزءٌ لا يتجزأ من أمن المنظومة الخليجية بأكملها.
ولعل الرسالة الأبرز التي حملها التمرين، وأكدتها الكلمة السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله ورعاه، أن الاستثمار في التكامل الدفاعي هو في جوهره استثمار في السلام والاستقرار والتنمية، وليس دعوة إلى التصعيد أو المواجهة، فبناء القوة العسكرية المشتركة لا يستهدف إشعال الحروب، وإنما منعها من خلال ترسيخ قوة الردع ورفع كُلفة أي اعتداء، بما يحفظ أمن الأوطان ويصون مكتسباتها التنموية والحضارية.
ولم يقتصر الخطاب على إبراز التكامل الدفاعي الخليجي، بل أكد أيضًا أهمية الشراكات الأمنية والدفاعية مع الأشقاء والأصدقاء والحلفاء، باعتبارها ركيزة مكملة لمنظومة الأمن الإقليمي؛ فالتحديات التي تواجه المنطقة باتت عابرة للحدود، الأمر الذي يجعل التنسيق وتبادل الخبرات وتعزيز القدرات المشتركة عناصر أساسية في ترسيخ الاستقرار وحماية المصالح الحيوية، وتؤكد هذه الرؤية أن أمن الخليج لم يعد مسؤولية داخلية فحسب، بل أصبح جزءًا من منظومة تعاون أوسع تقوم على المصالح المشتركة، واحترام القانون الدولي، وصون أمن الملاحة الدولية، بما يعزز قدرة المنطقة على مواجهة التحديات وصيانة مكتسباتها التنموية.
ومن أعمق الرسائل التي تضمنتها الكلمة السامية حديث جلالته عن تجاهل إيران للرابطة الإسلامية، وتناسيها فضل الرسالة المحمدية على الأمة الفارسية. وهذه لم تكن إشارة دينية مجردة، بل رسالة فكرية وسياسية تؤكد أن الإشكالية ليست بين العرب والفرس، وإنما بين نهج يلتزم بقيم الإسلام السمحة القائمة على الأخوة، وحُسن الجوار، والوفاء بالعهود، واحترام سيادة الدول، وسلوك يوظف الدين لخدمة مشاريع التوسع وإثارة النزاعات. وبذلك، وضع جلالته معيارًا واضحًا للحكم على الممارسات، هو الالتزام بقيم الإسلام الحنيف، لا الاكتفاء برفع شعاراته.
كما أن استشهاد الملك المعظم بالرسالة المحمدية يأتي إيمانا بأن هذه الرسالة قامت على «عمارة الأرض» لا «إشعال الصراعات»، لذلك فإن الدفاع عن الأوطان يأتي دفاعًا عن مشروع حضاري، وليس مجرد دفاع عن حدود جغرافية.
ولعل الإشارة إلى فضل الرسالة المحمدية على الأمة الفارسية تحمل دلالة تاريخية وحضارية عميقة؛ فالإسلام لم يكن دينًا للعرب وحدهم، بل كان رسالة عالمية أسهمت في نهضة أمم عديدة، في مقدمتها الأمة الفارسية التي أنجبت بعد الإسلام علماء ومفكرين وفقهاء كان لهم أثرٌ بالغٌ في بناء الحضارة الإسلامية، وفي إثراء علوم التفسير والحديث والفقه واللغة والطب والفلك والفلسفة. ومن هنا، فإن استحضار هذه الحقيقة التاريخية يؤكد أن العلاقة التي ينبغي أن تجمع شعوب المنطقة هي علاقة تقوم على القيم التي أرساها الإسلام من عدل ورحمة وأخوة وحسن جوار، لا على سياسات التوسع وإثارة النزاعات.
في الوقت ذاته، حملت الكلمة السامية رسالة اتزان وحكمة؛ إذ لم تغلق الباب أمام قيام علاقات طبيعية مع إيران، لكنها ربطت ذلك بتغيير السلوك، والالتزام بمبادئ حُسن الجوار، واحترام سيادة الدول، والكف عن التدخل في شؤونها، بما يعيد للعلاقات الإقليمية أسسها الطبيعية القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
إنَّ أخطر ما يواجه الأوطان في أوقات الأزمات ليس تضارب المصالح فحسب، بل انهيار منظومة القيم، لذا جاءت الكلمة السامية لتؤكد أن قوة الخليج لا تُقاس بعدد الجنود أو حجم المعدات العسكرية، وإنما بما يجمع أبناءه من أخوة صادقة، وثقة متبادلة، ووحدة في الهدف والمصير.
ولعل العبارة الأبلغ في الخطاب «دماؤنا واحدة على كل الجبهات» لم تكن مجرد وصف لمشهد عسكري، بل إعلانًا لعقيدة خليجية راسخة، مُفادها أنَّ أمن الخليج كلٌّ واحد لا يتجزأ، وأن الدفاع عن أي دولة خليجية هو دفاع عن الجميع. إنها رسالة تؤكد أنَّ السلام الحقيقي لا يُصان إلا بوحدة الصف، وأنَّ تلاحم الأشقاء هو الركيزة الأساسية لحماية الأمن والاستقرار وصون مستقبل المنطقة. فإذا كانت الدماء قد وحدت الصفوف في ميادين الدفاع، فإنَّ القيم هي التي توحّد الإرادة في ميادين البناء، وبهما معًا يواصل الخليج ترسيخ أمنه واستقراره ورسالته الحضارية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك