العدد : ١٧٦٦٢ - السبت ٠١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٢ - السبت ٠١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ صفر ١٤٤٨هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

دماؤنا واحدة.. وقيمنا واحدة

مع‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬ووكلائه‭ ‬الذي‭ ‬تشهده‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية،‭ ‬جاء‭ ‬التمرين‭ ‬المشترك‭ ‬‮«‬درع‭ ‬البحرين‮»‬‭ ‬بمشاركة‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬ليؤكد‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬الخليجي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يُبنى‭ ‬بردود‭ ‬الأفعال،‭ ‬بل‭ ‬بمنظومة‭ ‬ردع‭ ‬جماعية‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية،‭ ‬والتكامل‭ ‬العسكري،‭ ‬والشراكات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬بما‭ ‬يحمي‭ ‬التنمية‭ ‬والاستقرار‭ ‬ويصون‭ ‬وحدة‭ ‬المصير‭ ‬الخليجي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬كما‭ ‬جسّد‭ ‬التمرين‭ ‬حقيقة‭ ‬راسخة،‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬خليجية‭ ‬هو‭ ‬جزءٌ‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬أمن‭ ‬المنظومة‭ ‬الخليجية‭ ‬بأكملها‭.‬

ولعل‭ ‬الرسالة‭ ‬الأبرز‭ ‬التي‭ ‬حملها‭ ‬التمرين،‭ ‬وأكدتها‭ ‬الكلمة‭ ‬السامية‭ ‬لحضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬القائد‭ ‬الأعلى‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬التكامل‭ ‬الدفاعي‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬السلام‭ ‬والاستقرار‭ ‬والتنمية،‭ ‬وليس‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬التصعيد‭ ‬أو‭ ‬المواجهة،‭ ‬فبناء‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬المشتركة‭ ‬لا‭ ‬يستهدف‭ ‬إشعال‭ ‬الحروب،‭ ‬وإنما‭ ‬منعها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ترسيخ‭ ‬قوة‭ ‬الردع‭ ‬ورفع‭ ‬كُلفة‭ ‬أي‭ ‬اعتداء،‭ ‬بما‭ ‬يحفظ‭ ‬أمن‭ ‬الأوطان‭ ‬ويصون‭ ‬مكتسباتها‭ ‬التنموية‭ ‬والحضارية‭.‬

ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬الخطاب‭ ‬على‭ ‬إبراز‭ ‬التكامل‭ ‬الدفاعي‭ ‬الخليجي،‭ ‬بل‭ ‬أكد‭ ‬أيضًا‭ ‬أهمية‭ ‬الشراكات‭ ‬الأمنية‭ ‬والدفاعية‭ ‬مع‭ ‬الأشقاء‭ ‬والأصدقاء‭ ‬والحلفاء،‭ ‬باعتبارها‭ ‬ركيزة‭ ‬مكملة‭ ‬لمنظومة‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي؛‭ ‬فالتحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬المنطقة‭ ‬باتت‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬التنسيق‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬وتعزيز‭ ‬القدرات‭ ‬المشتركة‭ ‬عناصر‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬الاستقرار‭ ‬وحماية‭ ‬المصالح‭ ‬الحيوية،‭ ‬وتؤكد‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مسؤولية‭ ‬داخلية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬تعاون‭ ‬أوسع‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة،‭ ‬واحترام‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وصون‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬الدولية،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬قدرة‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬وصيانة‭ ‬مكتسباتها‭ ‬التنموية‭.‬

ومن‭ ‬أعمق‭ ‬الرسائل‭ ‬التي‭ ‬تضمنتها‭ ‬الكلمة‭ ‬السامية‭ ‬حديث‭ ‬جلالته‭ ‬عن‭ ‬تجاهل‭ ‬إيران‭ ‬للرابطة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وتناسيها‭ ‬فضل‭ ‬الرسالة‭ ‬المحمدية‭ ‬على‭ ‬الأمة‭ ‬الفارسية‭. ‬وهذه‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬إشارة‭ ‬دينية‭ ‬مجردة،‭ ‬بل‭ ‬رسالة‭ ‬فكرية‭ ‬وسياسية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الإشكالية‭ ‬ليست‭ ‬بين‭ ‬العرب‭ ‬والفرس،‭ ‬وإنما‭ ‬بين‭ ‬نهج‭ ‬يلتزم‭ ‬بقيم‭ ‬الإسلام‭ ‬السمحة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الأخوة،‭ ‬وحُسن‭ ‬الجوار،‭ ‬والوفاء‭ ‬بالعهود،‭ ‬واحترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول،‭ ‬وسلوك‭ ‬يوظف‭ ‬الدين‭ ‬لخدمة‭ ‬مشاريع‭ ‬التوسع‭ ‬وإثارة‭ ‬النزاعات‭. ‬وبذلك،‭ ‬وضع‭ ‬جلالته‭ ‬معيارًا‭ ‬واضحًا‭ ‬للحكم‭ ‬على‭ ‬الممارسات،‭ ‬هو‭ ‬الالتزام‭ ‬بقيم‭ ‬الإسلام‭ ‬الحنيف،‭ ‬لا‭ ‬الاكتفاء‭ ‬برفع‭ ‬شعاراته‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬استشهاد‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬بالرسالة‭ ‬المحمدية‭ ‬يأتي‭ ‬إيمانا‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬‮«‬عمارة‭ ‬الأرض‮»‬‭ ‬لا‭ ‬‮«‬إشعال‭ ‬الصراعات‮»‬،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الأوطان‭ ‬يأتي‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬حضاري،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬دفاع‭ ‬عن‭ ‬حدود‭ ‬جغرافية‭.‬

ولعل‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬فضل‭ ‬الرسالة‭ ‬المحمدية‭ ‬على‭ ‬الأمة‭ ‬الفارسية‭ ‬تحمل‭ ‬دلالة‭ ‬تاريخية‭ ‬وحضارية‭ ‬عميقة؛‭ ‬فالإسلام‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬دينًا‭ ‬للعرب‭ ‬وحدهم،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬رسالة‭ ‬عالمية‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬نهضة‭ ‬أمم‭ ‬عديدة،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬الأمة‭ ‬الفارسية‭ ‬التي‭ ‬أنجبت‭ ‬بعد‭ ‬الإسلام‭ ‬علماء‭ ‬ومفكرين‭ ‬وفقهاء‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬أثرٌ‭ ‬بالغٌ‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وفي‭ ‬إثراء‭ ‬علوم‭ ‬التفسير‭ ‬والحديث‭ ‬والفقه‭ ‬واللغة‭ ‬والطب‭ ‬والفلك‭ ‬والفلسفة‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬استحضار‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬التاريخية‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تجمع‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬أرساها‭ ‬الإسلام‭ ‬من‭ ‬عدل‭ ‬ورحمة‭ ‬وأخوة‭ ‬وحسن‭ ‬جوار،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬سياسات‭ ‬التوسع‭ ‬وإثارة‭ ‬النزاعات‭.‬

في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬حملت‭ ‬الكلمة‭ ‬السامية‭ ‬رسالة‭ ‬اتزان‭ ‬وحكمة؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تغلق‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬قيام‭ ‬علاقات‭ ‬طبيعية‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬لكنها‭ ‬ربطت‭ ‬ذلك‭ ‬بتغيير‭ ‬السلوك،‭ ‬والالتزام‭ ‬بمبادئ‭ ‬حُسن‭ ‬الجوار،‭ ‬واحترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول،‭ ‬والكف‭ ‬عن‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬شؤونها،‭ ‬بما‭ ‬يعيد‭ ‬للعلاقات‭ ‬الإقليمية‭ ‬أسسها‭ ‬الطبيعية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬والمصالح‭ ‬المشتركة‭.‬

إنَّ‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يواجه‭ ‬الأوطان‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬ليس‭ ‬تضارب‭ ‬المصالح‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬انهيار‭ ‬منظومة‭ ‬القيم،‭ ‬لذا‭ ‬جاءت‭ ‬الكلمة‭ ‬السامية‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬الخليج‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬الجنود‭ ‬أو‭ ‬حجم‭ ‬المعدات‭ ‬العسكرية،‭ ‬وإنما‭ ‬بما‭ ‬يجمع‭ ‬أبناءه‭ ‬من‭ ‬أخوة‭ ‬صادقة،‭ ‬وثقة‭ ‬متبادلة،‭ ‬ووحدة‭ ‬في‭ ‬الهدف‭ ‬والمصير‭.‬

ولعل‭ ‬العبارة‭ ‬الأبلغ‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬‮«‬دماؤنا‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الجبهات‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬وصف‭ ‬لمشهد‭ ‬عسكري،‭ ‬بل‭ ‬إعلانًا‭ ‬لعقيدة‭ ‬خليجية‭ ‬راسخة،‭ ‬مُفادها‭ ‬أنَّ‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬كلٌّ‭ ‬واحد‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ،‭ ‬وأن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬خليجية‭ ‬هو‭ ‬دفاع‭ ‬عن‭ ‬الجميع‭. ‬إنها‭ ‬رسالة‭ ‬تؤكد‭ ‬أنَّ‭ ‬السلام‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يُصان‭ ‬إلا‭ ‬بوحدة‭ ‬الصف،‭ ‬وأنَّ‭ ‬تلاحم‭ ‬الأشقاء‭ ‬هو‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬لحماية‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬وصون‭ ‬مستقبل‭ ‬المنطقة‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الدماء‭ ‬قد‭ ‬وحدت‭ ‬الصفوف‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬الدفاع،‭ ‬فإنَّ‭ ‬القيم‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬توحّد‭ ‬الإرادة‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬البناء،‭ ‬وبهما‭ ‬معًا‭ ‬يواصل‭ ‬الخليج‭ ‬ترسيخ‭ ‬أمنه‭ ‬واستقراره‭ ‬ورسالته‭ ‬الحضارية‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا