العدد : ١٧٦٠٨ - الاثنين ٠٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٨ - الاثنين ٠٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

السلامة الوطنية فوق ولاية الفقيه

اعتاد‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬على‭ ‬الالتقاء‭ ‬مع‭ ‬رؤساء‭ ‬ومسؤولي‭ ‬المآتم‭ ‬بمناسبة‭ ‬الاستعداد‭ ‬لموسم‭ ‬عاشوراء،‭ ‬في‭ ‬نهج‭ ‬يعكس‭ ‬حرص‭ ‬المملكة‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬النهج‭ ‬البحريني‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬حرية‭ ‬ممارسة‭ ‬الشعائر‭ ‬الدينية،‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬الذي‭ ‬تتوارثه‭ ‬الأجيال‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأمة‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬التعايش‭ ‬والتسامح‭ ‬الديني‭ ‬والمذهبي‭ ‬طوال‭ ‬تاريخها‭.‬

اللقاء‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬ظرفية‭ ‬زمنية‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الظروف‭ ‬الإقليمية‭ ‬المعقدة،‭ ‬التي‭ ‬يحاول‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬استغلال‭ ‬المناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬لأغراض‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬ارتباطات‭ ‬خارجية‭ ‬تعكر‭ ‬صفو‭ ‬التعايش‭ ‬البحريني،‭ ‬لذا‭ ‬جاءت‭ ‬كلمة‭ ‬معالي‭ ‬الفريق‭ ‬أول‭ ‬الشيخ‭ ‬راشد‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬بمثابة‭ ‬رسالة‭ ‬سياسية‭ ‬وأمنية‭ ‬واجتماعية‭ ‬متكاملة،‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬الولاء‭ ‬الوطني‭.‬

ولعل‭ ‬أبرز‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬الكلمة‭ ‬هو‭ ‬أهمية‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الشعائر‭ ‬الدينية‭ ‬والمشاريع‭ ‬السياسية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬هو‭ ‬مشروع‭ ‬سياسي‭ ‬مغلف‭ ‬بغطاء‭ ‬ديني،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬التمييز‭ ‬الواضح‭ ‬بين‭ ‬الشعائر‭ ‬الحسينية‭ ‬المتجذرة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭ ‬ومشروع‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬،‭ ‬مع‭ ‬التشديد‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تعارض‭ ‬ممارسة‭ ‬الشعائر‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬إحياء‭ ‬موسم‭ ‬عاشوراء،‭ ‬بل‭ ‬ترفض‭ ‬توظيف‭ ‬المناسبة‭ ‬لخدمة‭ ‬أجندات‭ ‬سياسية‭ ‬خارجية‭ ‬أو‭ ‬ولاءات‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬عزاء‭ ‬الولي‭ ‬الفقيه‭ ‬محظور‭ ‬ويُحاسب‭ ‬عليه‮»‬‭.‬

إنَّ‭ ‬إحياء‭ ‬موسم‭ ‬عاشوراء‭ ‬كان‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬من‭ ‬الشعائر‭ ‬الدينية‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬البحرين‭ ‬تاريخيًّا،‭ ‬وكان‭ ‬سابقًا‭ ‬لمشروع‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬حاولت‭ ‬إيران‭ ‬وأذنابها‭ ‬ترويجه‭ ‬منذ‭ ‬وصول‭ ‬الخميني‭ ‬وأتباعه‭ ‬إلى‭ ‬سدة‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وحاولوا‭ ‬طوال‭ ‬هذه‭ ‬السنوات‭ ‬اختطاف‭ ‬المذهب‭ ‬الشيعي‭ ‬لخدمة‭ ‬مشروعهم‭ ‬السياسي‭.‬

وحرص‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬على‭ ‬إطلاع‭ ‬رؤساء‭ ‬المآتم‭ ‬على‭ ‬مستجدات‭ ‬قضية‭ ‬التنظيم‭ ‬الأكبر‭ ‬المرتبط‭ ‬بولاية‭ ‬الفقيه،‭ ‬تجسيدا‭ ‬لحماية‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬النفوذ‭ ‬الخارجي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فضح‭ ‬محاولات‭ ‬‮«‬الامتداد‭ ‬الإيراني‭ ‬باسم‭ ‬الدين‮»‬؛‭ ‬حرصا‭ ‬على‭ ‬تأكيد‭ ‬قيام‭ ‬المآتم‭ ‬بالاضطلاع‭ ‬بدورها‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬روادها‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬أن‭ ‬رسالتها‭ ‬ليست‭ ‬دينية‭ ‬فحسب،‭ ‬ولكنها‭ ‬فكرية‭ ‬وثقافية‭ ‬وتوعوية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬تأصيل‭ ‬الهوية‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬أبناء‭ ‬الوطن‭.‬

وتكشف‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬الدولة‭ ‬بأن‭ ‬المواجهة‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬مع‭ ‬أفراد‭ ‬أو‭ ‬تنظيمات،‭ ‬وإنما‭ ‬مع‭ ‬مشروع‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬ما‭ ‬سماه‭ ‬الوزير‭ ‬‮«‬الوطنية‭ ‬الموازية»؛‭ ‬أي‭ ‬ولاءات‭ ‬سياسية‭ ‬وعقائدية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الانتماء‭ ‬الوطني‭. ‬ولذلك‭ ‬ركز‭ ‬الخطاب‭ ‬على‭ ‬مفاهيم‭ ‬السيادة‭ ‬ووحدة‭ ‬الولاء‭ ‬للدولة‭ ‬ورفض‭ ‬ازدواجية‭ ‬الانتماء‭ ‬السياسي‭.‬

في‭ ‬الجانب‭ ‬التنظيمي،‭ ‬حملت‭ ‬الكلمة‭ ‬طمأنة‭ ‬واضحة‭ ‬بشأن‭ ‬استمرار‭ ‬إقامة‭ ‬الشعائر‭ ‬الحسينية،‭ ‬إذ‭ ‬أكد‭ ‬الوزير‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬تحمي‭ ‬وتدعم‭ ‬ممارسة‭ ‬الشعائر‭ ‬الدينية‭ ‬المكفولة‭ ‬قانونًا،‭ ‬وأن‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬التنظيمية‭ ‬هو‭ ‬ضمان‭ ‬الأمن‭ ‬والسلامة‭ ‬العامة‭ ‬وليس‭ ‬تقييد‭ ‬الممارسة‭ ‬الدينية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬توجه‭ ‬الدولة‭ ‬نحو‭ ‬إبقاء‭ ‬الموسم‭ ‬في‭ ‬إطاره‭ ‬الديني‭ ‬والحضاري‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التوترات‭ ‬السياسية‭ ‬والإقليمية‭.‬

في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬استمعنا‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬مداخلات‭ ‬رؤساء‭ ‬المآتم‭ ‬يعكس‭ ‬الرغبة‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬موسم‭ ‬عاشوراء‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬مناسبة‭ ‬دينية‭ ‬واجتماعية‭ ‬جامعة،‭ ‬وأنَّ‭ ‬نجاحه‭ ‬يرتبط‭ ‬باستمرار‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬المجتمع‭ ‬والدولة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التمسك‭ ‬بالطقوس‭ ‬الدينية‭ ‬المتوارثة،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬السلم‭ ‬الأهلي‭ ‬والتماسك‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬والالتزام‭ ‬بالقوانين‭ ‬والتعليمات‭ ‬المنظمة‭ ‬للموسم‭.‬

هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬يؤكد‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬قدسية‭ ‬عاشوراء‭ ‬واستمرار‭ ‬أجوائها‭ ‬الروحية‭ ‬وتعزيز‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬وإبعاد‭ ‬المناسبة‭ ‬عن‭ ‬الصراعات‭ ‬والتجاذبات‭ ‬الإقليمية‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬الرسالة‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬تتجاوز‭ ‬تنظيم‭ ‬موسم‭ ‬عاشوراء‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬الحديثة،‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات‭ ‬الدينية‭ ‬لجميع‭ ‬مواطنيها،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تحمي‭ ‬سيادتها‭ ‬واستقرارها‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬محاولات‭ ‬للتدخل‭ ‬أو‭ ‬التأثير‭ ‬الخارجي‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا