مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
المناعة الوطنية في وجه الاستهداف الفكري
عندما يطّلع القارئ اليوم على خبر ما أسفرت عنه التحريات الأمنية من القبض على عدد من المنخرطين في التنظيم الرئيسي المرتبط بالحرس الثوري الإيراني، فإن هذه الضربة الأمنية المهمة تستحق الإشادة بيقظة رجال وزارة الداخلية وجهودهم في التصدي لكل محاولات المساس بأمن البحرين واستقرارها.
هذه القضية تحمل العديد من الدلالات التي يجب التوقف عندها بكثير من الفحص والتحليل؛ لأن حماية المجتمعات أمنيًّا وفكريًّا عملية تتكامل فيها الجهود، وخصوصًا أن المُروّجين لأفكار «ولاية الفقيه» يعتمدون وسائل متعددة للعبث بعقول الشباب والتأثير على ولاءاتهم وانتماءاتهم الوطنية. لذلك، فإن معركة التصدي لهذه الأفكار الهدامة وتفكيكها تمثل مسؤولية وطنية مشتركة بين جميع مؤسسات الدولة.
إن تمسكنا بالوطنية البحرينية هو السبيل الأنجح لإبطال مفعول الهجمات الخارجية الممنهجة ضد وطننا، التي انكشفت بوضوح خلال أزمة العدوان الإيراني الغاشم على المملكة، التي استمرت أكثر من أربعين يومًا، ولم تقتصر على الهجمات العسكرية فحسب، بل صاحبها كثير من محاولات الاستهداف الفكري لأبناء الوطن عبر منصات التواصل الاجتماعي، وللأسف عبر بعض المنابر التي انحرفت عن دورها المهني بالترويج والتبرير لهذه الهجمات الغاشمة.
إنَّ الهوية البحرينية الأصيلة قامت، عبر تاريخها الممتد، على ثوابت راسخة، أهمها أن هذه الأرض احتضنت جميع الأديان والمذاهب والمعتقدات بحرية واحترام.
وإنَّ التفاف أبناء الوطن تحت راية القيادة الحكيمة وعلم البحرين هو التعبير الصادق عن قيمة الانتماء لهذه الأرض التي لم تفرق بين أبنائها، ووفرت لهم سبل العيش الكريم، واستثمرت في بناء الإنسان البحريني باعتباره أغلى ثرواتها.
وعلى القارئ أن يدرك أن ما يجري ليس خلافًا أو اختلافًا عقائديًّا أو مذهبيًّا، بل إن الحقيقة تقتضي منا التحلي بالحكمة والشجاعة للاعتراف بأن هناك من يسعى إلى تغيير هوية البحرين وتاريخها بالتعاون مع ألدِّ أعدائها.
لقد صبَرَ هذا الوطن طويلا، لعل البعض يراجع مواقفه وأفكاره ويعود إلى جادة الصواب، إلا أن الحقيقة تؤكد أن هناك من لا يزال يحيدُ عن الطريق الصحيح.
ومن هنا، يجب أن ننتقل إلى مرحلة جديدة يصبح فيها المجتمع بأكمله، وليس وزارة الداخلية وحدها، مسؤولا عن حماية هويتنا الوطنية. فالأسرة، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة الشباب، ووزارة الإعلام، والمنابر الدينية، وهيئة الثقافة، جميعها مطالبةٌ، كلٌّ في موقعه، بتقديم برامج توعوية نوعية ومتكاملة تعزز قيم المواطنة والاعتزاز بالهوية البحرينية.
فما يجري اليوم ليس وليد لحظة أو صنيعة يوم وليلة، بل هو نتاجُ مشروع متكامل مرتبط برسالة «ولاية الفقيه» التي حاولت إيران فرضها على المجتمع الشيعي العربي لاختطاف شرعية المذهب، علمًا أن عددًا كبيرًا من علماء المذهب الشيعي لا يتفقون مع الطرح الإيراني.
إنَّ بناء المناعة المجتمعية في مواجهة الأفكار الهدامة يجب أن يكون الشغل الشاغل لكل من يسعى إلى بناء مستقبل آمن ومستقر لأجيالنا القادمة.
ونتساءل: كيف لرجل دين، يُفترض أنه صاحب علم وبصيرة، أن يرضى بخيانة وطنه؟ وهذه ليست اتهامات جزافية، بل توصيفًا لواقع من يتعاون مع دولة أجنبية، وخصوصًا في أوقات الحرب؛ إذ لا يمكن تفسير ذلك بأي لغة أخرى سوى أنها خيانة.
وإلى متى تستطيع هذه الدولة وهذا الشعب القبول أو السكوت عما يفعلونه؟
إننا لا نمارس دور التفتيش في ضمائر الناس، لكننا نقوم بواجبنا في عرض الحقائق المجردة أمام الرأي العام، وخصوصًا فئة الشباب التي يحاول البعض التغرير بها تحت ستار الدين، عبر الإيحاء بأن التبعية لإيران جزءٌ من المذهب، بينما الحقيقة الواضحة تؤكد عكس ذلك تمامًا؛ لأن البحريني المنتمي لوطنه يجب أن ينتفض دفاعًا عن مصلحة وطنه الذي تربى على أرضه وتنعَّم بخيراته.
إنَّ الانتماء الوطني لا يمكن أن يتعارض مع العقيدة، وعلينا أن نكون أكثر وعيًا لإفشال محاولات المزايدة على وطننا.
وعلى الشباب أن يدركوا أن الدولة ليست طائفةً، بل أمةً، وهذه الأمة لا تفرق بين أبنائها، وإنما تعمل على حماية مصالحهم، وتوفير أفضل الفرص لهم بعدالة ومساواة في مختلف المجالات.
كما أنَّ على دول الخليج العربية أن تدرك أن المواجهة مع إيران لم تكن، ولن تكون، عسكرية فقط، بل تتطلب أيضًا بلورة مشروع فكري يعبر عن هويتنا الخليجية، ويستند إلى ما نمتلكه من عناصر قوة سياسية واقتصادية واجتماعية، بفضل تلاحمنا وتكاتفنا في مواجهة التحديات والتهديدات التي تستهدف أمننا واستقرارنا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك