العدد : ١٧٥٧٩ - الأحد ١٠ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٩ - الأحد ١٠ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

المناعة الوطنية في وجه الاستهداف الفكري

عندما‭ ‬يطّلع‭ ‬القارئ‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬خبر‭ ‬ما‭ ‬أسفرت‭ ‬عنه‭ ‬التحريات‭ ‬الأمنية‭ ‬من‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المنخرطين‭ ‬في‭ ‬التنظيم‭ ‬الرئيسي‭ ‬المرتبط‭ ‬بالحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الضربة‭ ‬الأمنية‭ ‬المهمة‭ ‬تستحق‭ ‬الإشادة‭ ‬بيقظة‭ ‬رجال‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬وجهودهم‭ ‬في‭ ‬التصدي‭ ‬لكل‭ ‬محاولات‭ ‬المساس‭ ‬بأمن‭ ‬البحرين‭ ‬واستقرارها‭.‬

هذه‭ ‬القضية‭ ‬تحمل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدلالات‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬التوقف‭ ‬عندها‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الفحص‭ ‬والتحليل؛‭ ‬لأن‭ ‬حماية‭ ‬المجتمعات‭ ‬أمنيًّا‭ ‬وفكريًّا‭ ‬عملية‭ ‬تتكامل‭ ‬فيها‭ ‬الجهود،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬أن‭ ‬المُروّجين‭ ‬لأفكار‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬يعتمدون‭ ‬وسائل‭ ‬متعددة‭ ‬للعبث‭ ‬بعقول‭ ‬الشباب‭ ‬والتأثير‭ ‬على‭ ‬ولاءاتهم‭ ‬وانتماءاتهم‭ ‬الوطنية‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬معركة‭ ‬التصدي‭ ‬لهذه‭ ‬الأفكار‭ ‬الهدامة‭ ‬وتفكيكها‭ ‬تمثل‭ ‬مسؤولية‭ ‬وطنية‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭.‬

إن‭ ‬تمسكنا‭ ‬بالوطنية‭ ‬البحرينية‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الأنجح‭ ‬لإبطال‭ ‬مفعول‭ ‬الهجمات‭ ‬الخارجية‭ ‬الممنهجة‭ ‬ضد‭ ‬وطننا،‭ ‬التي‭ ‬انكشفت‭ ‬بوضوح‭ ‬خلال‭ ‬أزمة‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬الغاشم‭ ‬على‭ ‬المملكة،‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعين‭ ‬يومًا،‭ ‬ولم‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الهجمات‭ ‬العسكرية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬صاحبها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬الاستهداف‭ ‬الفكري‭ ‬لأبناء‭ ‬الوطن‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وللأسف‭ ‬عبر‭ ‬بعض‭ ‬المنابر‭ ‬التي‭ ‬انحرفت‭ ‬عن‭ ‬دورها‭ ‬المهني‭ ‬بالترويج‭ ‬والتبرير‭ ‬لهذه‭ ‬الهجمات‭ ‬الغاشمة‭.‬

إنَّ‭ ‬الهوية‭ ‬البحرينية‭ ‬الأصيلة‭ ‬قامت،‭ ‬عبر‭ ‬تاريخها‭ ‬الممتد،‭ ‬على‭ ‬ثوابت‭ ‬راسخة،‭ ‬أهمها‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬احتضنت‭ ‬جميع‭ ‬الأديان‭ ‬والمذاهب‭ ‬والمعتقدات‭ ‬بحرية‭ ‬واحترام‭.‬

وإنَّ‭ ‬التفاف‭ ‬أبناء‭ ‬الوطن‭ ‬تحت‭ ‬راية‭ ‬القيادة‭ ‬الحكيمة‭ ‬وعلم‭ ‬البحرين‭ ‬هو‭ ‬التعبير‭ ‬الصادق‭ ‬عن‭ ‬قيمة‭ ‬الانتماء‭ ‬لهذه‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تفرق‭ ‬بين‭ ‬أبنائها،‭ ‬ووفرت‭ ‬لهم‭ ‬سبل‭ ‬العيش‭ ‬الكريم،‭ ‬واستثمرت‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان‭ ‬البحريني‭ ‬باعتباره‭ ‬أغلى‭ ‬ثرواتها‭.‬

وعلى‭ ‬القارئ‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬ليس‭ ‬خلافًا‭ ‬أو‭ ‬اختلافًا‭ ‬عقائديًّا‭ ‬أو‭ ‬مذهبيًّا،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الحقيقة‭ ‬تقتضي‭ ‬منا‭ ‬التحلي‭ ‬بالحكمة‭ ‬والشجاعة‭ ‬للاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬هوية‭ ‬البحرين‭ ‬وتاريخها‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬ألدِّ‭ ‬أعدائها‭.‬

لقد‭ ‬صبَرَ‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬طويلا،‭ ‬لعل‭ ‬البعض‭ ‬يراجع‭ ‬مواقفه‭ ‬وأفكاره‭ ‬ويعود‭ ‬إلى‭ ‬جادة‭ ‬الصواب،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الحقيقة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يحيدُ‭ ‬عن‭ ‬الطريق‭ ‬الصحيح‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ننتقل‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬يصبح‭ ‬فيها‭ ‬المجتمع‭ ‬بأكمله،‭ ‬وليس‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬وحدها،‭ ‬مسؤولا‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬هويتنا‭ ‬الوطنية‭. ‬فالأسرة،‭ ‬ووزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم،‭ ‬ووزارة‭ ‬الشباب،‭ ‬ووزارة‭ ‬الإعلام،‭ ‬والمنابر‭ ‬الدينية،‭ ‬وهيئة‭ ‬الثقافة،‭ ‬جميعها‭ ‬مطالبةٌ،‭ ‬كلٌّ‭ ‬في‭ ‬موقعه،‭ ‬بتقديم‭ ‬برامج‭ ‬توعوية‭ ‬نوعية‭ ‬ومتكاملة‭ ‬تعزز‭ ‬قيم‭ ‬المواطنة‭ ‬والاعتزاز‭ ‬بالهوية‭ ‬البحرينية‭.‬

فما‭ ‬يجري‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬وليد‭ ‬لحظة‭ ‬أو‭ ‬صنيعة‭ ‬يوم‭ ‬وليلة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتاجُ‭ ‬مشروع‭ ‬متكامل‭ ‬مرتبط‭ ‬برسالة‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬إيران‭ ‬فرضها‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬الشيعي‭ ‬العربي‭ ‬لاختطاف‭ ‬شرعية‭ ‬المذهب،‭ ‬علمًا‭ ‬أن‭ ‬عددًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬المذهب‭ ‬الشيعي‭ ‬لا‭ ‬يتفقون‭ ‬مع‭ ‬الطرح‭ ‬الإيراني‭.‬

إنَّ‭ ‬بناء‭ ‬المناعة‭ ‬المجتمعية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأفكار‭ ‬الهدامة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الشغل‭ ‬الشاغل‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬مستقبل‭ ‬آمن‭ ‬ومستقر‭ ‬لأجيالنا‭ ‬القادمة‭.‬

ونتساءل‭: ‬كيف‭ ‬لرجل‭ ‬دين،‭ ‬يُفترض‭ ‬أنه‭ ‬صاحب‭ ‬علم‭ ‬وبصيرة،‭ ‬أن‭ ‬يرضى‭ ‬بخيانة‭ ‬وطنه؟‭ ‬وهذه‭ ‬ليست‭ ‬اتهامات‭ ‬جزافية،‭ ‬بل‭ ‬توصيفًا‭ ‬لواقع‭ ‬من‭ ‬يتعاون‭ ‬مع‭ ‬دولة‭ ‬أجنبية،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الحرب؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬ذلك‭ ‬بأي‭ ‬لغة‭ ‬أخرى‭ ‬سوى‭ ‬أنها‭ ‬خيانة‭.‬

وإلى‭ ‬متى‭ ‬تستطيع‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬وهذا‭ ‬الشعب‭ ‬القبول‭ ‬أو‭ ‬السكوت‭ ‬عما‭ ‬يفعلونه؟

إننا‭ ‬لا‭ ‬نمارس‭ ‬دور‭ ‬التفتيش‭ ‬في‭ ‬ضمائر‭ ‬الناس،‭ ‬لكننا‭ ‬نقوم‭ ‬بواجبنا‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬الحقائق‭ ‬المجردة‭ ‬أمام‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬فئة‭ ‬الشباب‭ ‬التي‭ ‬يحاول‭ ‬البعض‭ ‬التغرير‭ ‬بها‭ ‬تحت‭ ‬ستار‭ ‬الدين،‭ ‬عبر‭ ‬الإيحاء‭ ‬بأن‭ ‬التبعية‭ ‬لإيران‭ ‬جزءٌ‭ ‬من‭ ‬المذهب،‭ ‬بينما‭ ‬الحقيقة‭ ‬الواضحة‭ ‬تؤكد‭ ‬عكس‭ ‬ذلك‭ ‬تمامًا؛‭ ‬لأن‭ ‬البحريني‭ ‬المنتمي‭ ‬لوطنه‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ينتفض‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬مصلحة‭ ‬وطنه‭ ‬الذي‭ ‬تربى‭ ‬على‭ ‬أرضه‭ ‬وتنعَّم‭ ‬بخيراته‭.‬

إنَّ‭ ‬الانتماء‭ ‬الوطني‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬العقيدة،‭ ‬وعلينا‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬أكثر‭ ‬وعيًا‭ ‬لإفشال‭ ‬محاولات‭ ‬المزايدة‭ ‬على‭ ‬وطننا‭.‬

وعلى‭ ‬الشباب‭ ‬أن‭ ‬يدركوا‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬ليست‭ ‬طائفةً،‭ ‬بل‭ ‬أمةً،‭ ‬وهذه‭ ‬الأمة‭ ‬لا‭ ‬تفرق‭ ‬بين‭ ‬أبنائها،‭ ‬وإنما‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬مصالحهم،‭ ‬وتوفير‭ ‬أفضل‭ ‬الفرص‭ ‬لهم‭ ‬بعدالة‭ ‬ومساواة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬المواجهة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬لم‭ ‬تكن،‭ ‬ولن‭ ‬تكون،‭ ‬عسكرية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تتطلب‭ ‬أيضًا‭ ‬بلورة‭ ‬مشروع‭ ‬فكري‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬هويتنا‭ ‬الخليجية،‭ ‬ويستند‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬نمتلكه‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬قوة‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬بفضل‭ ‬تلاحمنا‭ ‬وتكاتفنا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬والتهديدات‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬أمننا‭ ‬واستقرارنا‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا