مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
من يحكم إيران الآن؟
مع تضارب الأنباء حول مصير مضيق هرمز، وتزايد الضغوط الاقتصادية على طهران، ما يُثير مخاوف متصاعدة داخل دوائر الحكم من تدهور الأوضاع الداخلية التي تعاني أساسًا من أزمات مزمنة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، يظل السؤال المطروح دائما هو: من يحكم إيران؟
منذ وصول الفيلق الديني إلى سدة الحكم عقب الثورة الإيرانية ظل رجال الدين هم المُتحكم الأول في المشهد السياسي، مع بقاء القرار النهائي بيد المرشد الأعلى. وفي هذا السياق، يستمر الحرس الثوري الإيراني في أداء دور الذراع التنفيذية؛ إذ يتلقى توجيهاته من المؤسسة الدينية، في ظل غياب شخصية قيادية داخله قادرة على منازعة الملالي على الحكم.
إيران تمر داخليًّا، للمرة الأولى، بصراعات صعبة وخشنة على سلطة إدارة الحكم، إذ يهيمن «المطاوعة» أو رجال الدين على القرار السياسي، وهم مستعدون للتضحية بأي شيء في سبيل البقاء. في المقابل، لا يبدو الحرس الثوري مُستعدًا ليكون «حطب المعركة»، وهو ما ينطبق أيضًا على الجيش الإيراني، رغم خضوعه لنفس الهرمية العسكرية.
يرى رجال الدين أن وصولهم إلى السلطة يمثل تتويجًا لصراع تاريخي طويل، ما يجعلهم أقل ميلا إلى التنازل تحت أي ظرف. في حين يُنظر إلى الحرس الثوري -في بعض أجنحته- باعتباره أكثر ميلا إلى التفاوض مع الولايات المتحدة، انطلاقًا من قراءة براغماتية للواقع، لا من منطلقات عقائدية بحتة.
ومنذ اغتيال قاسم سليماني، يواجه الحرس الثوري فراغًا في القيادات القادرة على لعب دور سياسي مؤثر، ما يعزز استمرار خضوعه لهيمنة رجال الدين، ويؤكد غياب نموذج عسكري قادر على إحداث تحول جذري في بنية النظام.
في المقابل، تشير المعطيات إلى أن أي انتكاسة داخلية أو خارجية قد تنعكس بشكل مباشر على المؤسسة الدينية، رغم أن كُلفة المواجهة غالبًا ما يتحملها العسكريون، وخاصةً في ظل استهدافهم المتكرر في العمليات الخارجية، إلى جانب استهداف علي خامنئي. وهو ما يعزز الانطباع بأن الحرس الثوري يُستخدم كدرع، بينما تبقى مراكز القرار الفعلية بيد القيادة الدينية.
وعند قراءة التركيبة السكانية، تبرز تحديات إضافية، إذ تضم إيران مناطق متعددة مثل بلوشستان وكردستان وعربستان، ما يفتح الباب أمام فرضيات التفكك على أسس قومية وجغرافية، في حال تفاقمت الأزمات الداخلية.
هذا الواقع يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين رجال الدين والعسكر: هل هي تبعية مطلقة، أم شراكة اضطرارية؟ الواقع يشير إلى توازن دقيق، إذ تحتاج المؤسسة الدينية إلى القوة العسكرية لضمان الاستمرار، بينما يستمد الحرس الثوري شرعيته من هذه المظلة السياسية.
في ضوء هذا المشهد المعقد، يمكن تصور عدة سيناريوهات لمستقبل إيران؛ منها محافظة النظام على توازنه الهش بين رجال الدين والعسكر، مع استمرار الضغوط الاقتصادية من دون انفجار داخلي شامل، أو أن تتفاقم الخلافات بين مراكز القوى، وخصوصًا إذا تزايدت الضغوط الشعبية، ما قد يؤدي إلى انقسامات داخل النظام نفسه.
ورغم غياب شخصية كاريزمية، فإن تطورات كبرى قد تدفع الحرس الثوري إلى لعب دور سياسي أكبر، وخاصةً إذا شعر بأن كُلفة المواجهة تتجاوز قدرته على التحمل.
أما السيناريو الذي مازال يُعوّل عليه البعض حتى الآن مع تدهور الأوضاع الاقتصادية فقد يفتح المجال أمام احتجاجات داخلية أوسع، وربما سيناريوهات عدم استقرار، مع تصدّعات قومية ومناطقية.
في المحصلة، تبدو إيران أمام معادلة شديدة التعقيد: سلطة دينية متمسكة بالحكم، ومؤسسة عسكرية قوية لكنها مقيدة، وضغوط خارجية متصاعدة. وتبرز هنا إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة العقلية التي تدير المشهد؛ إذ يرى مراقبون أنها تميل إلى خيارات قصوى، قد تصل إلى حد تبني سياسات تصادمية عالية الكُلفة، بما يعكس نهجًا قد يُغامر بتدمير الكثير في سبيل الحفاظ على كل شيء.
وبين هذه العوامل، يظل المشهد الإيراني مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين الاستمرار في حالة التوازن الهش، والانزلاق نحو تحولات أعمق قد تعيد تشكيل بنية النظام بالكامل.
من المعروف أن عدد المعتقلين السياسيين في سجون إيران تجاوز عشرات الآلاف، وما أدل على ذلك سوى أن سجن «إيفين» الشهير في طهران، الذي بُني في سبعينيات القرن الماضي لاستيعاب 4 آلاف نزيل، يتكدس فيه قبل الأحداث الأخيرة أكثر من 40 ألف نزيل.
إن السكوت المطلق من قبل الشعب الإيراني في الآونة الأخيرة لا يدل مُطلقًا على رضا الأمة الإيرانية، بل يعكس الخوف من البطش والإعدامات التي يُسلطها هذا النظام على رقاب مواطنيه.
إنّ هذا الشعب أصبح مُحتارًا، في الوقت الذي كان يُمني النفس بأن هذه الحرب ستكون بمثابة إنقاذ لإيران من ويلات حكامها، ولكن كل المؤشرات تدُل على أن أمريكا اختارت الإبقاء على هذا النظام، وهذا يعني أن درب الخلاص للشعب الإيراني من ويلات أصحاب العمائم مازال طويلا؛ لأن الفيلق الديني مازال يُحكِم قبضته على إيران التي مازالت تبحث عن المُخلص.
علينا أن نعلم أن مشكلة الشعب الإيراني ليست في مضيق هرمز أو في الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن مشكلة هذا الشعب مع من يحكمه بالحديد والنار حتى الآن.
عباقرة الفكر الإيراني في السجون، ومن هم خارج القضبان من المهاجرين الذين يصل عددهم إلى أكثر من 7 ملايين إيراني منتشرين بين سان فرانسسكو وسيدني بأستراليا، وكلهم أساتذة في الحقوق والتجارة والعلوم والاقتصاد بالجامعات الأوروبية والغربية، لا يضع الملالي لهم أي اعتبار.
حتى إن انتهت الحرب أو وضعت أوزارها، فإن صورة هذا النظام لن تتغير؛ فنظام الملالي دخل الحرب وهو نظام قمعي لشعبه، ونظام مارق إرهابي لمحيطه الإقليمي والدولي، وسيخرج من الحرب وهو في ذات الحلة، ولن يتغير حتى إن غابت بعض الوجوه بسبب الاغتيالات.
مشكلات هذه المنطقة لن تنتهِ بانتهاء الحرب وبقاء النظام الإيراني بهيكليته الحالية؛ لأنه سوف يستمر في تصدير أزماته إلى المنطقة والعالم، وعلينا كدول خليجية أن نُعد العدة للمستقبل، وألا نكون فريسةً مرة أخرى للغدر الإيراني، وهذا يتطلب رؤية خليجية موحدة لمواجهة الأخطار.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك