العدد : ١٧٥٨٢ - الأربعاء ١٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٢ - الأربعاء ١٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

الديمقراطية لا تحمي الخطأ

حرصت‭ ‬‮«‬أخبار‭ ‬الخليج‮»‬‭ ‬على‭ ‬الحضور‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬البرلمانية،‭ ‬وأن‭ ‬تراقب‭ ‬بدقة‭ ‬متناهية‭ ‬مجرى‭ ‬تطبيق‭ ‬الأعراف‭ ‬والقوانين‭ ‬البرلمانية‭ ‬بأدق‭ ‬تفاصيلها،‭ ‬لذلك‭ ‬كنا‭ ‬يوم‭ ‬أمس‭ ‬حريصين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬ونسمع‭ ‬من‭ ‬قرب‭ ‬ما‭ ‬اتخذه‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬بشأن‭ ‬عضوية‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬عبدالنبي‭ ‬سلمان‭ ‬وممدوح‭ ‬الصالح‭ ‬ود‭. ‬مهدي‭ ‬الشويخ‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬الجلسة‭ ‬كانت‭ ‬إجرائية،‭ ‬بمعنى‭ ‬اقتصارها‭ ‬على‭ ‬الالتزام‭ ‬بالتصويت‭ ‬نداءً‭ ‬بالاسم‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬العضوية‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬منهم،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الأمر،‭ ‬مع‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬اللجنة‭ ‬التشريعية‭ ‬بشأنهم،‭ ‬فإننا‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬لحظة‭ ‬تاريخية‭ ‬بامتياز،‭ ‬ترسخ‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬السلطة‭ ‬التشريعية‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬أعرافها‭ ‬البرلمانية،‭ ‬وتؤكد‭ ‬أنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تصحيح‭ ‬مسارها‭ ‬من‭ ‬داخلها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬آليات‭ ‬دستورية‭ ‬ولائحية‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬تطور‭ ‬تجربتنا‭ ‬الديمقراطية‭.‬

إن‭ ‬أنظار‭ ‬أبناء‭ ‬البحرين‭ ‬كانت‭ ‬تتابع‭ ‬أعمال‭ ‬هذه‭ ‬الجلسة‭ ‬من‭ ‬كثب،‭ ‬في‭ ‬تأكيد‭ ‬لدور‭ ‬الرقابة‭ ‬الشعبية‭ ‬على‭ ‬البرلمان،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬إيمان‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬بالعملية‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬وحرص‭ ‬أبنائه‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ممثلوهم‭ ‬تحت‭ ‬قبة‭ ‬البرلمان‭ ‬معبرين‭ ‬بصدق‭ ‬عن‭ ‬مصالح‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأوقات،‭ ‬وألا‭ ‬يصطفوا‭ ‬مع‭ ‬الاتجاهات‭ ‬المعادية‭ ‬له‭.‬

وليعلم‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬المؤسسات‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بعدم‭ ‬وقوع‭ ‬الأخطاء،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬معالجتها‭ ‬وفق‭ ‬الأطر‭ ‬الدستورية‭ ‬والقانونية‭ ‬التي‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬هيبة‭ ‬الدولة‭ ‬ومكانة‭ ‬المؤسسات‭.‬

لقد‭ ‬علَّمنا‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬حضرات‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬النواب،‭ ‬قبل‭ ‬اتخاذ‭ ‬أي‭ ‬قرار‭ ‬عشوائي‭ ‬غير‭ ‬مدروس،‭ ‬مراجعة‭ ‬المستشارين‭ ‬القانونيين‭ ‬وطلب‭ ‬المشورة‭ ‬والنصيحة‭ ‬بشأن‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُقال‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭.‬

إنَّ‭ ‬جميع‭ ‬البرلمانيين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الديمقراطي‭ ‬لديهم‭ ‬مستشار‭ ‬قانوني‭ ‬خاص‭ ‬لإرشادهم‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬غير‭ ‬معلوم،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬قبوله‭ ‬دستوريا‭ ‬أو‭ ‬تقبله‭ ‬الأعراف‭ ‬البرلمانية‭.‬

ولا‭ ‬يظن‭ ‬أي‭ ‬نائب‭ ‬أنَّ‭ ‬الحصانة‭ ‬البرلمانية‭ ‬تمنحه‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬التلفظ‭ ‬أو‭ ‬الحديث‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬ثوابت‭ ‬المجتمع‭ ‬والوطنية؛‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬النائب‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬رسالة‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬وتشكّل‭ ‬وعي‭ ‬الأجيال‭.‬

ولا‭ ‬نقول‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬التخويف‭ ‬أو‭ ‬الشماتة‭ ‬بأحد،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬إيماننا‭ ‬بدور‭ ‬الصحافة‭ ‬في‭ ‬تنوير‭ ‬العقول‭ ‬بمسؤولياتها،‭ ‬مع‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬برلمان‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بدوره‭ ‬الفاعل‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬وطنه‭.‬

وعلى‭ ‬السادة‭ ‬النواب‭ ‬أن‭ ‬يعرفوا‭ ‬أنه‭ ‬ليست‭ ‬هناك‭ ‬مدرسة‭ ‬لتدريب‭ ‬البرلمانيين،‭ ‬وأن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬البرلمانيين‭ ‬يصبحون‭ ‬أساتذة‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬البرلماني‭ ‬نتيجة‭ ‬التجربة‭ ‬والسنوات‭ ‬الطويلة‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬واجبهم‭ ‬الوطني‭.‬

وحتى‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬من‭ ‬الرقي‭ ‬كنواب‭ ‬عليهم‭ ‬أن‭ ‬يدركوا‭ ‬أنَّ‭ ‬المعرفة‭ ‬والمشورة‭ ‬الصالحة‭ ‬هما‭ ‬المسار‭ ‬السليم‭ ‬لأي‭ ‬عمل‭ ‬تشريعي‭ ‬ورقابي‭ ‬منضبط،‭ ‬وأنَّ‭ ‬شرف‭ ‬تمثيل‭ ‬الشعب‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬وجاهة،‭ ‬بل‭ ‬مسؤولية‭ ‬وطنية‭ ‬عظيمة،‭ ‬لو‭ ‬تعلمون‭.‬

إذ‭ ‬إن‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬التشريعية،‭ ‬باعتبارها‭ ‬إحدى‭ ‬السلطات‭ ‬الثلاث‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬شؤون‭ ‬الدولة،‭ ‬أمر‭ ‬عظيم‭ ‬يتطلب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬نائب‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬باجتهاد‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬القسم‭ ‬الذي‭ ‬أداه‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصالح‭ ‬الوطن‭.‬

وبقدر‭ ‬ما‭ ‬يريد‭ ‬البرلمانيون‭ ‬أن‭ ‬ينتقدوا‭ ‬بحرية‭ ‬مطلقة،‭ ‬عليهم‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬يتقبلوا‭ ‬النقد‭ ‬البناء‭ ‬من‭ ‬الصحافة؛‭ ‬فالصحافة‭ ‬الوطنية‭ ‬حين‭ ‬تراقب‭ ‬وتنقد‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تستهدف‭ ‬الأشخاص،‭ ‬بل‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬جودة‭ ‬الأداء‭ ‬العام‭ ‬وصيانة‭ ‬الثقة‭ ‬الشعبية‭ ‬بالمؤسسات‭.‬

لقد‭ ‬تابعت‭ ‬عودة‭ ‬الحياة‭ ‬النيابية‭ ‬مع‭ ‬المشروع‭ ‬الإصلاحي‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2002،‭ ‬وكثيرًا‭ ‬ما‭ ‬أولت‭ ‬الصحافة‭ ‬اهتمامًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬للعملية‭ ‬الانتخابية،‭ ‬وأفردت‭ ‬الصحف‭ ‬صفحات‭ ‬واسعة‭ ‬لنشاط‭ ‬مجلس‭ ‬النواب،‭ ‬كما‭ ‬شهدت‭ ‬تحولات‭ ‬المجلس‭ ‬وعثراته‭ ‬وتطوراته،‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬إيماني‭ ‬بأنَّ‭ ‬هذا‭ ‬المجلس‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬عملية‭ ‬ديمقراطية‭ ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬بإرادة‭ ‬ملكية‭ ‬سامية‭ ‬لتعزيز‭ ‬التشاركية‭ ‬في‭ ‬الحكم،‭ ‬وعلينا‭ ‬أن‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬استمرارية‭ ‬هذه‭ ‬المكتسبات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تثق‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬بقدرة‭ ‬البرلمان‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬تطلعاتها‭ ‬للمستقبل‭.‬

وأؤكد‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬ليست‭ ‬فرض‭ ‬وصاية‭ ‬على‭ ‬مجلس‭ ‬النواب،‭ ‬ولا‭ ‬تشفيًا‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬ممن‭ ‬أُسقطت‭ ‬عضويتهم،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬نتشارك‭ ‬معًا‭ ‬مسؤولية‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬قيمنا‭ ‬الوطنية،‭ ‬وأن‭ ‬نُسهم‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬مراجعة‭ ‬فكرية‭ ‬لبعض‭ ‬الممارسات‭ ‬التي‭ ‬يُقدِمُ‭ ‬عليها‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إدراكٍ‭ ‬لمخاطرها‭ ‬على‭ ‬عقول‭ ‬النشء‭ ‬والشباب‭.‬

وفي‭ ‬حياة‭ ‬الأمم‭ ‬لحظاتٌ‭ ‬فارقةٌ‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬تصحيح‭ ‬بوصلة‭ ‬العمل‭ ‬الوطني،‭ ‬ولعل‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬وتداعياته‭ ‬يمثلان‭ ‬اللحظة‭ ‬المفصلية‭ ‬لكشف‭ ‬بعض‭ ‬المفاهيم‭ ‬الخاطئة‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬البعض،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬فرصة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬يتطلع‭ ‬إلى‭ ‬الترشح‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬النيابية‭ ‬مستقبلا‭ ‬أنه‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُعد‭ ‬العدة‭ ‬لهذه‭ ‬المهمة‭ ‬الكبيرة،‭ ‬عبر‭ ‬إعداد‭ ‬وتثقيف‭ ‬ذاته،‭ ‬وتجهيز‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬المتعاونين‭ ‬الخبراء،‭ ‬لا‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬المهللين‭ ‬الذين‭ ‬يصفقون‭ ‬لما‭ ‬يقوله‭ ‬النائب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يصححوا‭ ‬له‭ ‬مساره؛‭ ‬لأن‭ ‬النائب‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مشرّع،‭ ‬بل‭ ‬صانع‭ ‬وعي‭ ‬مجتمعي‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬رسالة‭ ‬إلى‭ ‬الناخبين‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬بألا‭ ‬يسقطوا‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الكلمات‭ ‬المعسولة‭ ‬والمنمقة،‭ ‬وألا‭ ‬يكونوا‭ ‬سببًا‭ ‬في‭ ‬وصول‭ ‬الشخص‭ ‬غير‭ ‬المناسب‭ ‬إلى‭ ‬مقاعد‭ ‬البرلمان‭.‬

فالديمقراطية‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تبرر‭ ‬الخطأ،‭ ‬بل‭ ‬تمتلك‭ ‬الشجاعة‭ ‬لتصحيحه‭ ‬حمايةً‭ ‬للوطن‭ ‬وصونًا‭ ‬لهيبة‭ ‬مؤسساته‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا