مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
الديمقراطية لا تحمي الخطأ
حرصت «أخبار الخليج» على الحضور في جلسة اتخاذ القرارات البرلمانية، وأن تراقب بدقة متناهية مجرى تطبيق الأعراف والقوانين البرلمانية بأدق تفاصيلها، لذلك كنا يوم أمس حريصين على أن نرى ونسمع من قرب ما اتخذه مجلس النواب بشأن عضوية كل من عبدالنبي سلمان وممدوح الصالح ود. مهدي الشويخ.
ورغم أن الجلسة كانت إجرائية، بمعنى اقتصارها على الالتزام بالتصويت نداءً بالاسم على إسقاط العضوية عن كل منهم، من دون فتح باب النقاش حول هذا الأمر، مع الاكتفاء بما ورد في تقرير اللجنة التشريعية بشأنهم، فإننا نرى أن هذه لحظة تاريخية بامتياز، ترسخ من خلالها السلطة التشريعية في المملكة أعرافها البرلمانية، وتؤكد أنها قادرة على تصحيح مسارها من داخلها، من خلال آليات دستورية ولائحية تعبر عن تطور تجربتنا الديمقراطية.
إن أنظار أبناء البحرين كانت تتابع أعمال هذه الجلسة من كثب، في تأكيد لدور الرقابة الشعبية على البرلمان، وهو ما يعكس إيمان هذا الوطن بالعملية الديمقراطية، وحرص أبنائه على أن يكون ممثلوهم تحت قبة البرلمان معبرين بصدق عن مصالح الوطن في كل الأوقات، وألا يصطفوا مع الاتجاهات المعادية له.
وليعلم الجميع أن قوة المؤسسات لا تُقاس بعدم وقوع الأخطاء، بل بقدرتها على معالجتها وفق الأطر الدستورية والقانونية التي تحافظ على هيبة الدولة ومكانة المؤسسات.
لقد علَّمنا هذا الحدث أن على حضرات أعضاء مجلس النواب، قبل اتخاذ أي قرار عشوائي غير مدروس، مراجعة المستشارين القانونيين وطلب المشورة والنصيحة بشأن ما يجب أن يُقال في مثل هذه الحالات.
إنَّ جميع البرلمانيين في العالم الديمقراطي لديهم مستشار قانوني خاص لإرشادهم إلى ما قد يكون غير معلوم، أو ما يتم قبوله دستوريا أو تقبله الأعراف البرلمانية.
ولا يظن أي نائب أنَّ الحصانة البرلمانية تمنحه الحق في التلفظ أو الحديث بما لا يتناسب مع ثوابت المجتمع والوطنية؛ لأن ما يقوله النائب يتحول إلى رسالة تؤثر في الرأي العام وتشكّل وعي الأجيال.
ولا نقول ذلك من قبيل التخويف أو الشماتة بأحد، ولكن من منطلق إيماننا بدور الصحافة في تنوير العقول بمسؤولياتها، مع الحرص على الوصول إلى برلمان قادر على القيام بدوره الفاعل في خدمة وطنه.
وعلى السادة النواب أن يعرفوا أنه ليست هناك مدرسة لتدريب البرلمانيين، وأن كثيرًا من البرلمانيين يصبحون أساتذة في العمل البرلماني نتيجة التجربة والسنوات الطويلة في أداء واجبهم الوطني.
وحتى نصل إلى هذا المستوى من الرقي كنواب عليهم أن يدركوا أنَّ المعرفة والمشورة الصالحة هما المسار السليم لأي عمل تشريعي ورقابي منضبط، وأنَّ شرف تمثيل الشعب ليس مجرد وجاهة، بل مسؤولية وطنية عظيمة، لو تعلمون.
إذ إن المشاركة في السلطة التشريعية، باعتبارها إحدى السلطات الثلاث في إدارة شؤون الدولة، أمر عظيم يتطلب من كل نائب أن يعمل باجتهاد حتى يكون على قدر القسم الذي أداه في الدفاع عن مصالح الوطن.
وبقدر ما يريد البرلمانيون أن ينتقدوا بحرية مطلقة، عليهم أيضًا أن يتقبلوا النقد البناء من الصحافة؛ فالصحافة الوطنية حين تراقب وتنقد فإنها لا تستهدف الأشخاص، بل تدافع عن جودة الأداء العام وصيانة الثقة الشعبية بالمؤسسات.
لقد تابعت عودة الحياة النيابية مع المشروع الإصلاحي في عام 2002، وكثيرًا ما أولت الصحافة اهتمامًا كبيرًا للعملية الانتخابية، وأفردت الصحف صفحات واسعة لنشاط مجلس النواب، كما شهدت تحولات المجلس وعثراته وتطوراته، انطلاقًا من إيماني بأنَّ هذا المجلس هو نتاج عملية ديمقراطية نشأت في هذا البلد بإرادة ملكية سامية لتعزيز التشاركية في الحكم، وعلينا أن نحافظ على استمرارية هذه المكتسبات من أجل أن تثق الأجيال القادمة بقدرة البرلمان على تلبية تطلعاتها للمستقبل.
وأؤكد مرة أخرى أن هذه الكلمات ليست فرض وصاية على مجلس النواب، ولا تشفيًا في أحد ممن أُسقطت عضويتهم، وإنما من أجل أن نتشارك معًا مسؤولية المحافظة على قيمنا الوطنية، وأن نُسهم في تحقيق مراجعة فكرية لبعض الممارسات التي يُقدِمُ عليها البعض من دون إدراكٍ لمخاطرها على عقول النشء والشباب.
وفي حياة الأمم لحظاتٌ فارقةٌ تُسهم في تصحيح بوصلة العمل الوطني، ولعل العدوان الإيراني وتداعياته يمثلان اللحظة المفصلية لكشف بعض المفاهيم الخاطئة في أذهان البعض، كما أنها فرصة يجب أن يدرك فيها من يتطلع إلى الترشح في الانتخابات النيابية مستقبلا أنه يجب أن يُعد العدة لهذه المهمة الكبيرة، عبر إعداد وتثقيف ذاته، وتجهيز فريق من المتعاونين الخبراء، لا فريق من المهللين الذين يصفقون لما يقوله النائب من دون أن يصححوا له مساره؛ لأن النائب ليس مجرد مشرّع، بل صانع وعي مجتمعي.
كما أنَّ هذه رسالة إلى الناخبين أنفسهم في المستقبل، بألا يسقطوا في فخ الكلمات المعسولة والمنمقة، وألا يكونوا سببًا في وصول الشخص غير المناسب إلى مقاعد البرلمان.
فالديمقراطية الحقيقية لا تبرر الخطأ، بل تمتلك الشجاعة لتصحيحه حمايةً للوطن وصونًا لهيبة مؤسساته.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك