مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
كفاكم أكاذيب وعداء
تأتي الرسالةُ المنسوبةُ إلى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي لتعيد ترويج خطاب سياسي ممجوج، يقوم على تكرار ادعاءات وأكاذيب بشأن دول الخليج العربية، في محاولة لفرض رؤية أحادية على منطقة تشهد تحولات تنموية واستراتيجية كبرى، وتتمسك في الوقت نفسه بثوابتها القائمة على السيادة وحسن الجوار واحترام القانون الدولي.
إنَّ حديث هذا المجتبى -غير المعروف إذا كان حيا أو ميتا- عن «فصل جديد للخليج ومضيق هرمز»، لا يمكن فصله عن سياق سياسي يهدف إلى إعادة صياغة الواقع وفق أوهام انتصارات واهية يروّجها النظام الإيراني، بينما الحقائق على الأرض تؤكد أن دول الخليج العربية هي وحدها التي تمتلك الحقّ في تحديد أولوياتها بشأن أمنها الجماعي واستراتيجياتها، وهي التي ترسم خريطة تحالفاتها بناءً على رؤيتها الوطنية ومصالحها العليا.
إنَّ مجتبى خامنئي، أو غيره من المسؤولين الإيرانيين، حين يتحدث عن مصير مشترك، أو عن إدارة جديدة لمضيق هرمز، يتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن هذا الممر المائي ليس ملكًا سياسيًّا لأي طرف، بل هو شريانٌ دوليٌّ يخضع لقواعد القانون الدولي للبحار، ويخدم الاقتصاد العالمي برمته، ولا يجوز تحويله إلى أداة سياسية أو ورقة ابتزاز أو وسيلة لفرض النفوذ.
لقد حطمت طهران، عبر سياساتها وممارساتها، كل سفن التواصل مع دول الخليج العربية حين أقدمت على العدوان الغاشم والآثم، الذي استهدفت به مقدرات ومصالح دول مجلس التعاون، رغم أن هذه الدول لم تبادر بأي عدوان، ولم تكن يومًا منصةً لاستهداف إيران، بل على العكس، ظلت دول الخليج تدعو إلى الاستقرار وخَفض التصعيد.
إنَّ ما يروجه الخطاب الإيراني من حديث عن وحدة المصير، أو مستقبل مشرق للمنطقة، يتناقض مع الواقع الذي شهدته دول الخليج من تهديدات متكررة ومحاولات لزعزعة الأمن والاستقرار، سواءٌ عبر التصعيد السياسي أو عبر استهدافات مباشرة طالت الأمن الإقليمي، وهو ما أدى إلى فقدان الثقة بشكل حاد، كما أشار إليه بيان القمة الخليجية التشاورية الأخيرة في جدة؛ لأن الاعتداءات الإيرانية الغادرة قد أدت إلى فقدان ثقة دول المجلس بإيران بشكل حاد، وهو ما يتطلب من إيران المبادرة ببذل الجهود الجادة لإعادة بناء الثقة، وهي رسالة واضحة بأن ما كسره العدوان الإيراني على دول الخليج لا يمكن إصلاحه بتصريحات كاذبة تعيد تكرار محاولة فرض الأجندة الإيرانية التوسعية على دول المنطقة من خلال تدخل سافر في شؤونها.
إنَّ الاعتداءات الإيرانية الآثمة تمثل انتهاكًا جسيمًا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وقواعد حُسن الجوار، وإعادة بناء الثقة لا تتم عبر تصريحات سياسية أو رسائل إعلامية، بل تتطلب تغييرًا حقيقيًّا في السلوك السياسي، والالتزام بمبادئ احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وعندما يتحدث مجتبى خامنئي عن إدارة مضيق هرمز، أو فرض «قواعد جديدة»، فإن ذلك لا يعدو كونه محاولةً لتسويق كذبة جديدة تضاف إلى سلسلة الأكاذيب التي احتوتها هذه الرسالة، فمحاولة اختطاف مضيق هرمز كرهينة سياسية تمثل إرهابًا اقتصاديًّا بكل معنى الكلمة؛ لأنها تقوم على كسر القواعد الدولية المنظمة للعبور في الممرات المائية، وتهدد التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، وتضع استقرار الاقتصاد الدولي في دائرة الخطر.
وقد أكدت أكثر من 100 دولة رفضها أي إجراءات إيرانية تتعلق بإغلاق مضيق هرمز أو استغلاله كأداة سياسية، وهو ما يعكس إدراكًا دوليًّا واسعًا لخطورة هذا النهج الذي لا يهدد دول الخليج فقط، بل يهدد العالم بأسره، ويؤثر على سُبل عيش الملايين، الذين يعتمدون على ممرات ملاحية آمنة ومستقرة.
على مجتبى خامنئي أو غيره من المسؤولين الإيرانيين أن يصمتوا، وألا يدسوا أنوفهم في شؤون غيرهم. وأقول لهم كفّوا أيديكم وألسنتكم عن دول الخليج العربية؛ فإن هذه الدول، التي حققت نهضة تنموية واقتصادية بفضل رؤى قادتها، اختارت طريق البناء والتنمية لا الحرب والدمار، وهو ما يجعلها أكثر تمسكًا بالاستقرار الإقليمي، وأكثر حرصًا على حماية مكتسباتها التنموية من أي محاولات لزعزعة الأمن أو فرض النفوذ.
وفي المقابل، فإن رصيد النظام الإيراني الاستراتيجي، كما يظهر من سياساته، هو رصيد قائم على تصدير العنف والدمار، وإثارة الأزمات في المنطقة، وهو ما انعكس أيضًا على الداخل الإيراني نفسه؛ إذ تواجه إيران أزمات اقتصادية حادة، وتأخرًا في صرف الرواتب، وتضخمًا مرتفعًا يتجاوز 70%، ما يعكس فشل السياسات التوسعية على حساب التنمية الداخلية.
إنَّ التصريحات التي تتحدث عن «إدارة الخليج» أو «إعادة تشكيل المنطقة» لا يمكن أن تُقرأ إلا باعتبارها امتدادًا لخطاب يتجاهل حقائق الجغرافيا والسيادة، ويحاول فرض واقع لا وجود له إلا في الخطاب السياسي الدعائي. بينما الحقيقة الثابتة أنَّ دول الخليج العربية هي صاحبة القرار في أمنها، وهي القادرة على حماية سيادتها.
إنَّ ما صدر عن مجتبى خامنئي لا يعكس سوى استمرار نهجٍ يقوم على التدخل السافر في شؤون دول الخليج العربية، ومحاولة فرض أجندات توسعية لم تعد مقبولة في ظل نظام دولي يقوم على السيادة والاحترام المتبادل. أما دول الخليج فهي ماضية في مسارها التنموي، وتعزيز شراكاتها الدولية، وترسيخ استقرارها، بعيدًا عن خطابات الكذب والادعاء، وبما يضمن مستقبلًا قائمًا على الأمن والتنمية والازدهار لشعوبها كافة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك