العدد : ١٧٥٢٤ - الاثنين ١٦ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٤ - الاثنين ١٦ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ رمضان ١٤٤٧هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

إيران وقحط العقول.. الخليج والاستثمار في الإنسان

استكمالا‭ ‬لمقالنا‭ ‬السابق‭ ‬‮«‬الوطنية‭ ‬البحرينية‭.. ‬قوتنا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬العدوان‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬نشرناه‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬الماضي،‭ ‬الصورة‭ ‬بدأت‭ ‬تتضح‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر،‭ ‬حيث‭ ‬بات‭ ‬جليا‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬المخطط‭ ‬الأمريكي‭ ‬بالتحديد‭ ‬إسقاط‭ ‬هيكل‭ ‬حكم‭ ‬الملالي‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬قد‭ ‬يكدر‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬كثيرا،‭ ‬وسيخلق‭ ‬خلافا‭ ‬جوهريا‭ ‬بين‭ ‬علم‭ ‬‮«‬نجمة‭ ‬داود‮»‬‭ ‬و«النجوم‭ ‬والخطوط‭ ‬الأمريكية‮»‬‭.‬

ومن‭ ‬الأسف‭ ‬الشديد‭ ‬أن‭ ‬الساحة‭ ‬الإيرانية‭ ‬خالية‭ ‬بالكامل‭ ‬من‭ ‬الزعامات‭ ‬الوطنية‭ ‬ذات‭ ‬النبرات‭ ‬القومية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬لمّ‭ ‬الشمل‭ ‬الشعبي‭ ‬الإيراني،‭ ‬لذلك‭ ‬فالساحة‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬مفتوحة‭ ‬ومحدودة‭ ‬على‭ ‬أصحاب‭ ‬العمائم‭.‬

لو‭ ‬نقرأ‭ ‬بعمق‭ ‬التاريخ‭ ‬الإيراني‭ ‬القريب‭ ‬منا،‭ ‬أي‭ ‬منذ‭ ‬قيام‭ ‬الدولة‭ ‬الصفوية‭ ‬التي‭ ‬طال‭ ‬حكمها‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬200‭ ‬سنة،‭ ‬وانهارت‭ ‬مع‭ ‬بروز‭ ‬نادر‭ ‬شاه‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يستمر‭ ‬حكمه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬40‭ ‬سنة،‭ ‬بعدما‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬القائد‭ ‬العام‭ ‬للعسكر‭ ‬الفارسي‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬وفي‭ ‬فترة‭ ‬أخرى‭ ‬ملكا‭ ‬لبلاد‭ ‬فارس،‭ ‬أما‭ ‬الزنديون‭ ‬الذين‭ ‬ورثوا‭ ‬الدولة‭ ‬النادرية‭ ‬فلم‭ ‬يطل‭ ‬الزمن‭ ‬بهم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬53‭ ‬سنة،‭ ‬وبعدها‭ ‬بدأ‭ ‬بروز‭ ‬الدولة‭ ‬القاجارية،‭ ‬التي‭ ‬دامت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬125‭ ‬سنة‭.‬

أي‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬حقب‭ ‬الحكم‭ ‬كانت‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬مع‭ ‬بروز‭ ‬قوى‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬المسار‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬الفارسي،‭ ‬وانتهت‭ ‬هذه‭ ‬الحقب‭ ‬بزوال‭ ‬الدولة‭ ‬القاجارية‭ ‬وبروز‭ ‬الدولة‭ ‬البهلوية‭ ‬بترتيبات‭ ‬مطلقة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬التاج‭ ‬البريطاني‭.‬

وما‭ ‬استطاعت‭ ‬الدولة‭ ‬البهلوية‭ ‬أن‭ ‬تنجو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬عقود،‭ ‬فأنهت‭ ‬بريطانيا‭ ‬دعمها‭ ‬للتاج‭ ‬البهلوي،‭ ‬واختاروا‭ ‬البديل‭ ‬المعمّم‭ ‬‮«‬آية‭ ‬الله‭ ‬الخميني‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أننا‭ ‬كمعاصرين‭ ‬تعجبنا‭ ‬كيف‭ ‬أصبحت‭ ‬هيئة‭ ‬الإذاعة‭ ‬البريطانية‭ ‬‮«‬BBC‮»‬‭ ‬محطة‭ ‬إعلامية‭ ‬للثوار‭ ‬المعممين‭ ‬وصوتا‭ ‬لهم‭.‬

مع‭ ‬أن‭ ‬المسرح‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬مسرح‭ ‬كبير‭ ‬ومفتوح‭ ‬لاستقبال‭ ‬الممثلين‭ ‬الجدد،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬بريطانيا‭ ‬أو‭ ‬أمريكا،‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬يجدوا‭ ‬الشخص‭ ‬المناسب‭ ‬لاختياره‭ ‬ليصبح‭ ‬‮«‬قائم‭ ‬مقام‮»‬‭ ‬يخلف‭ ‬العمامة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬القادمة‭.‬

العجيب‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬دائمًا‭ ‬كانت‭ ‬تملك‭ ‬عددًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬طلاب‭ ‬الوراثة‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬الحكم،‭ ‬وهذه‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬تاريخهم‭ ‬منذ‭ ‬خمسة‭ ‬قرون‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬المنصب‭ ‬شاغرًا،‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬الحكم؛‭ ‬وذلك‭ ‬لأن‭ ‬الملالي‭ ‬عملوا‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬حكمهم‭ ‬الذي‭ ‬امتد‭ ‬نحو‭ ‬خمسة‭ ‬عقود‭ ‬على‭ ‬تجريف‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬رجالاتها‭ ‬السياسيين‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬منازعتهم‭ ‬الحكم،‭ ‬وكرسوا‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬مع‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬وبقية‭ ‬أركان‭ ‬حكمهم‭.‬

بهذه‭ ‬المقدمة‭ ‬القصيرة‭ ‬لمساحة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬تمتد‭ ‬خمسة‭ ‬قرون،‭ ‬نحاول‭ ‬أن‭ ‬نعطي‭ ‬للقارئ‭ ‬فكرة‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬تمر‭ ‬بفترة‭ ‬قحط‭ ‬في‭ ‬العقول‭.‬

هذه‭ ‬الحرب‭ ‬كشفت‭ ‬أن‭ ‬الشارع‭ ‬الإيراني‭ ‬ليس‭ ‬مهيأً‭ ‬أو‭ ‬مستعدًا‭ ‬لدخول‭ ‬مغامرة‭ ‬جديدة‭ ‬للتخلص‭ ‬من‭ ‬الملالي‭ ‬أو‭ ‬انتقاء‭ ‬البديل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬له‭.‬

وهناك‭ ‬نقطة‭ ‬مهمة،‭ ‬أن‭ ‬الذين‭ ‬خلقوا‭ ‬الحالة‭ ‬الراهنة‭ ‬للمجتمع‭ ‬الإيراني‭ ‬يعلمون‭ ‬أن‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يتحكم‭ ‬برهة‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يحكم،‭ ‬وهناك‭ ‬فارق‭ ‬شاسع‭ ‬بين‭ ‬‮«‬التحكم‭ ‬والحكم‮»‬‭.‬

الفجيعة‭ ‬الكبرى‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬إيران‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬فئة‭ ‬أو‭ ‬قوى‭ ‬إيرانية‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬المهجر،‭ ‬وهم‭ ‬بالآلاف‭ -‬أساتذة‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الغربية‭ ‬وكبار‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية،‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬هاجروا‭ ‬إيران‭ ‬وهم‭ ‬أطفال‭ ‬مع‭ ‬آبائهم‭ ‬يأسًا‭ ‬وندامة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬بلادهم‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬الحكم‭ ‬الملكي‭ ‬وبروز‭ ‬الملالي‭- ‬مازالوا‭ ‬يعيشون‭ ‬اليأس‭ ‬الذي‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬ربوع‭ ‬إيران‭ ‬التي‭ ‬جدبت‭ ‬أرضها‭ ‬أن‭ ‬تلد‭ ‬بديلا‭ ‬للملالي‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭.‬

والمشكلة‭ ‬الوحيدة‭ ‬أن‭ ‬الذي‭ ‬يجلس‭ ‬بالمرصاد‭ ‬يتحين‭ ‬الفرصة‭ ‬وينتظر‭ ‬الرضا‭ ‬الأمريكي‭ ‬عليه‭ ‬لتأييده‭ ‬وتعيينه‭ ‬ملكا‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬هو‭ ‬‮«‬ابن‭ ‬الشاه‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحظى‭ ‬بثقة‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬مازال‭ ‬يتذكر‭ ‬ما‭ ‬أقدم‭ ‬عليه‭ ‬والده‭ ‬وجده‭.‬

◼‭ ‬◼‭ ‬◼

واليوم‭ ‬أيها‭ ‬القارئ‭ ‬العزيز،‭ ‬المجتمعات‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬انفتاح‭ ‬السماوات،‭ ‬وأي‭ ‬مجتمع‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يتقدم‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يرفض‭ ‬إغلاق‭ ‬فضاءاته،‭ ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬إيران‭ ‬دولة‭ ‬متفتحة‭ ‬العقل‭ ‬لأعطت‭ ‬لشعبها‭ ‬حرية‭ ‬التفكير‭ ‬والتعبير،‭ ‬ولكن‭ ‬استبدادية‭ ‬47‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬انغلاق‭ ‬العقول‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أحلك‭ ‬ساعات‭ ‬تاريخه،‭ ‬فالشعب‭ ‬فاقد‭ ‬الإرادة‭ ‬ليس‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬المتفتحة‭ ‬يشعرون‭ ‬بعدم‭ ‬قبول‭ ‬تبني‭ ‬التغيير‭ ‬وإنقاذ‭ ‬بلادهم‭ ‬من‭ ‬ويلات‭ ‬الحرب‭.‬

◼‭ ‬◼‭ ‬◼

أقول‭ ‬هذا‭ ‬ونحن‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬منفتح‭ ‬في‭ ‬آرائه،‭ ‬وثراؤه‭ ‬في‭ ‬تنوعه،‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬نشارك‭ ‬بآرائنا‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬نمر‭ ‬بها،‭ ‬والبوصلة‭ ‬التي‭ ‬ترشدنا‭ ‬هي‭ ‬الوطن‭ ‬أولا،‭ ‬والوطن‭ ‬ثانيا،‭ ‬والوطن‭ ‬ثالثا،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬مدرسة‭ ‬فكرية‭ ‬ننتمي‭ ‬إليها،‭ ‬فالوقت‭ ‬الراهن‭ ‬هو‭ ‬وقت‭ ‬التلاحم‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬العدوان‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬بث‭ ‬الفرقة‭ ‬فيما‭ ‬بيننا‭.‬

هذه‭ ‬القراءة‭ ‬لما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الوضع‭ ‬الراهن‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬المسؤولية‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬السيناريوهات‭ ‬المستقبلية‭ ‬لما‭ ‬ستؤول‭ ‬إليه‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬عبر‭ ‬التمعن‭ ‬فيما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬الإيراني،‭ ‬مع‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬مواطن‭ ‬قوتنا‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬التصدي‭ ‬للتداعيات‭.‬

وما‭ ‬يُحسب‭ ‬للبحرين‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬أنها‭ ‬استثمرت‭ ‬في‭ ‬أبنائها‭ ‬ووفرت‭ ‬لهم‭ ‬أفضل‭ ‬سبل‭ ‬التعليم‭ ‬والعيش‭ ‬الكريم‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬السنوات،‭ ‬وهناك‭ ‬آلاف‭ ‬الخليجيين‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬ابتعاثهم‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬إلى‭ ‬كبرى‭ ‬الجامعات‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬التخصصات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬وضعت‭ ‬تنمية‭ ‬البشر‭ ‬أولوية‭ ‬في‭ ‬مشاريعها‭ ‬الوطنية،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬وضعت‭ ‬بلدان‭ ‬أخرى‭ ‬الحروب‭ ‬والدمار‭ ‬نصب‭ ‬أعينها،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬اليوم‭ ‬تدفع‭ ‬ثمن‭ ‬ذلك‭.‬

 

 

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا