مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
إيران وقحط العقول.. الخليج والاستثمار في الإنسان
استكمالا لمقالنا السابق «الوطنية البحرينية.. قوتنا في مواجهة العدوان»، الذي نشرناه يوم الجمعة الماضي، الصورة بدأت تتضح أكثر فأكثر، حيث بات جليا أنه ليس في المخطط الأمريكي بالتحديد إسقاط هيكل حكم الملالي في إيران، مع أن هذا قد يكدر الإسرائيليين كثيرا، وسيخلق خلافا جوهريا بين علم «نجمة داود» و«النجوم والخطوط الأمريكية».
ومن الأسف الشديد أن الساحة الإيرانية خالية بالكامل من الزعامات الوطنية ذات النبرات القومية القادرة على لمّ الشمل الشعبي الإيراني، لذلك فالساحة حتى الآن مفتوحة ومحدودة على أصحاب العمائم.
لو نقرأ بعمق التاريخ الإيراني القريب منا، أي منذ قيام الدولة الصفوية التي طال حكمها في حدود 200 سنة، وانهارت مع بروز نادر شاه الذي لم يستمر حكمه أكثر من 40 سنة، بعدما كان هو القائد العام للعسكر الفارسي فترة من الزمن، وفي فترة أخرى ملكا لبلاد فارس، أما الزنديون الذين ورثوا الدولة النادرية فلم يطل الزمن بهم أكثر من 53 سنة، وبعدها بدأ بروز الدولة القاجارية، التي دامت أكثر من 125 سنة.
أي نجد أن حقب الحكم كانت تنتقل من قوة إلى أخرى مع بروز قوى جديدة على المسار السياسي والاجتماعي الفارسي، وانتهت هذه الحقب بزوال الدولة القاجارية وبروز الدولة البهلوية بترتيبات مطلقة من قبل التاج البريطاني.
وما استطاعت الدولة البهلوية أن تنجو أكثر من خمسة عقود، فأنهت بريطانيا دعمها للتاج البهلوي، واختاروا البديل المعمّم «آية الله الخميني»، بل إلى درجة أننا كمعاصرين تعجبنا كيف أصبحت هيئة الإذاعة البريطانية «BBC» محطة إعلامية للثوار المعممين وصوتا لهم.
مع أن المسرح السياسي في إيران مسرح كبير ومفتوح لاستقبال الممثلين الجدد، إلا أنه من الواضح حتى الآن، سواء من بريطانيا أو أمريكا، أنهم لم يجدوا الشخص المناسب لاختياره ليصبح «قائم مقام» يخلف العمامة خلال الفترة القادمة.
العجيب أن إيران دائمًا كانت تملك عددًا كبيرًا من طلاب الوراثة في سباق الاستيلاء على الحكم، وهذه أول مرة في تاريخهم منذ خمسة قرون يكون فيها المنصب شاغرًا، وليس هناك من يرى في نفسه القدرة على الاستيلاء على الحكم؛ وذلك لأن الملالي عملوا على مدار حكمهم الذي امتد نحو خمسة عقود على تجريف إيران من رجالاتها السياسيين القادرين على منازعتهم الحكم، وكرسوا المصالح المشتركة مع الحرس الثوري وبقية أركان حكمهم.
بهذه المقدمة القصيرة لمساحة من الزمن تمتد خمسة قرون، نحاول أن نعطي للقارئ فكرة عن أن إيران تمر بفترة قحط في العقول.
هذه الحرب كشفت أن الشارع الإيراني ليس مهيأً أو مستعدًا لدخول مغامرة جديدة للتخلص من الملالي أو انتقاء البديل الذي لا وجود له.
وهناك نقطة مهمة، أن الذين خلقوا الحالة الراهنة للمجتمع الإيراني يعلمون أن الحرس الثوري يستطيع أن يتحكم برهة من الزمن، ولكنه لا يستطيع أن يحكم، وهناك فارق شاسع بين «التحكم والحكم».
الفجيعة الكبرى بالنسبة إلى إيران أن أي فئة أو قوى إيرانية تعيش في المهجر، وهم بالآلاف -أساتذة في الجامعات الغربية وكبار الاقتصاديين في المؤسسات المالية، من الذين هاجروا إيران وهم أطفال مع آبائهم يأسًا وندامة على ما جرى في بلادهم بعد سقوط الحكم الملكي وبروز الملالي- مازالوا يعيشون اليأس الذي يمتد إلى اليوم في ربوع إيران التي جدبت أرضها أن تلد بديلا للملالي حتى الآن.
والمشكلة الوحيدة أن الذي يجلس بالمرصاد يتحين الفرصة وينتظر الرضا الأمريكي عليه لتأييده وتعيينه ملكا على إيران هو «ابن الشاه»، الذي لا يحظى بثقة الشعب الإيراني الذي مازال يتذكر ما أقدم عليه والده وجده.
◼ ◼ ◼
واليوم أيها القارئ العزيز، المجتمعات تعيش في عالم انفتاح السماوات، وأي مجتمع يريد أن يتقدم يجب أن يرفض إغلاق فضاءاته، ولو كانت إيران دولة متفتحة العقل لأعطت لشعبها حرية التفكير والتعبير، ولكن استبدادية 47 سنة من الحكم أدت إلى انغلاق العقول حتى في أحلك ساعات تاريخه، فالشعب فاقد الإرادة ليس داخل إيران فقط، بل حتى الذين يعيشون في المجتمعات المتفتحة يشعرون بعدم قبول تبني التغيير وإنقاذ بلادهم من ويلات الحرب.
◼ ◼ ◼
أقول هذا ونحن نعيش في مجتمع منفتح في آرائه، وثراؤه في تنوعه، ويجب أن نشارك بآرائنا في مثل هذه الظروف التي نمر بها، والبوصلة التي ترشدنا هي الوطن أولا، والوطن ثانيا، والوطن ثالثا، بغض النظر عن أي مدرسة فكرية ننتمي إليها، فالوقت الراهن هو وقت التلاحم في مواجهة العدوان بعيدًا عن بث الفرقة فيما بيننا.
هذه القراءة لما يحدث في الوضع الراهن تأتي من منطلق المسؤولية في وضع السيناريوهات المستقبلية لما ستؤول إليه هذه الأحداث عبر التمعن فيما يدور في الداخل الإيراني، مع المحافظة على مواطن قوتنا الداخلية في التصدي للتداعيات.
وما يُحسب للبحرين ودول الخليج العربية أنها استثمرت في أبنائها ووفرت لهم أفضل سبل التعليم والعيش الكريم على مدار السنوات، وهناك آلاف الخليجيين الذين تم ابتعاثهم على مدار السنوات الماضية إلى كبرى الجامعات في مختلف التخصصات، وهو ما يؤكد أن هذه الدول وضعت تنمية البشر أولوية في مشاريعها الوطنية، وفي المقابل وضعت بلدان أخرى الحروب والدمار نصب أعينها، وها هي اليوم تدفع ثمن ذلك.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك