العدد : ١٧٥٧٢ - الأحد ٠٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٢ - الأحد ٠٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

القلم خط الدفاع الأول

إذا‭ ‬أردنا‭ ‬تاريخ‭ ‬الصحافة،‭ ‬فالمصادر‭ ‬الغربية‭ ‬محدودة‭ ‬جدا،‭ ‬بحيث‭ ‬اختلفت‭ ‬الآراء‭ ‬بشأن‭ ‬البدايات،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أنها‭ ‬أقدم‭ ‬مطبوعة‭ ‬يومية‭ ‬بدأت‭ ‬مع‭ ‬المؤسسات‭ ‬التجارية‭ ‬وفرض‭ ‬القوانين‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬مدينة‭ ‬لندن،‭ ‬وكانت‭ ‬تسمى‭ ‬‮«‬لندن‭ ‬جازيت‮»‬‭.‬

فيما‭ ‬كانت‭ ‬أول‭ ‬جريدة‭ ‬حائط‭ ‬أسبوعية‭ ‬تكتب‭ ‬بخط‭ ‬اليد‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الدولة‭ ‬العباسية‭ ‬بجامعة‭ ‬بغداد،‭ ‬وكان‭ ‬يخطها‭ ‬الأستاذ‭ ‬أحمد‭ ‬يحيى‭ ‬رواندي،‭ ‬الأستاذ‭ ‬في‭ ‬علوم‭ ‬الرياضيات،‭ ‬وأسماها‭ ‬‮«‬الفرند‮»‬،‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬تماما‭ ‬بكلمة‭ ‬‮«‬Friend‮»‬‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬لأنها‭ ‬كلمة‭ ‬عربية‭ ‬أصيلة‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬معانيها‭ ‬‮«‬السيف‭ ‬أو‭ ‬جَوْهَر‭ ‬السيف‭ ‬وما‭ ‬يُرى‭ ‬في‭ ‬صفحته‭ ‬من‭ ‬تموجات‭ ‬الضوء‭ ‬وانعكاساته‮»‬،‭ ‬والجريدة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬جريدة‭ ‬إخبارية‭ ‬بل‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مقالات‭ ‬الرأي‭.‬

وكأن‭ ‬الأستاذ‭ ‬أحمد‭ ‬يحيى‭ ‬رواندي‭ ‬يستشرف‭ ‬المستقبل،‭ ‬بأن‭ ‬تتحول‭ ‬الصحافة‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬الأسلحة‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬تشكيل‭ ‬الوعي‭ ‬الإنساني،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬الإعلام‭ ‬الوطني‭ ‬الرصين‭ ‬خطا‭ ‬دفاعيا‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهميةً‭ ‬عن‭ ‬سائر‭ ‬خطوط‭ ‬الدفاع‭ ‬حين‭ ‬تتعرض‭ ‬الأوطان‭ ‬للاعتداء،‭ ‬كما‭ ‬أكد‭ ‬ذلك‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬في‭ ‬رسالته‭ ‬السامية‭ ‬بمناسبة‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬لحرية‭ ‬الصحافة‭ ‬الذي‭ ‬يصادف‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬مايو‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام‭.‬

وتكتسب‭ ‬الكلمة‭ ‬السامية‭ ‬أهمية‭ ‬مضاعفة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬المنطقة،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المعارك‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬ميادين‭ ‬القتال‭ ‬التقليدية،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬الإعلام‭ ‬والتأثير‭ ‬المعنوي‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يصبح‭ ‬الإعلام‭ ‬الوطني‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬حملات‭ ‬التضليل‭ ‬والتشويه،‭ ‬وحائط‭ ‬الصد‭ ‬الذي‭ ‬يحفظ‭ ‬وعي‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬الانزلاق‭ ‬خلف‭ ‬الشائعات‭ ‬أو‭ ‬الأجندات‭ ‬المغرضة‭.‬

إن‭ ‬الرسالة‭ ‬الملكية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬تهنئة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬وثيقة‭ ‬توجيهية‭ ‬ترسم‭ ‬ملامح‭ ‬الدور‭ ‬المنشود‭ ‬للإعلام‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة،‭ ‬فهي‭ ‬دعوة‭ ‬صريحة‭ ‬لأن‭ ‬يكون‭ ‬الصحفي‭ ‬‮«‬سفيرًا‭ ‬للسلام‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬حريته‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬مسؤوليته،‭ ‬وأن‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬يكتبها‭ ‬قد‭ ‬تبني‭ ‬وعيًا‭ ‬أو‭ ‬تهدمه،‭ ‬وقد‭ ‬تجمع‭ ‬أو‭ ‬تفرق‭.‬

وتأكيد‭ ‬جلالته‭ ‬الالتزام‭ ‬الدائم‭ ‬بدعم‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير،‭ ‬وحرية‭ ‬الصحافة‭ ‬المسؤولة،‭ ‬أمرٌ‭ ‬يدعونا‭ ‬إلى‭ ‬التقيد‭ ‬بالثوابت‭ ‬الراسخة‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬عليها‭ ‬بلدنا،‭ ‬التي‭ ‬أشار‭ ‬إليها‭ ‬جلالته‭ ‬بجلاء‭ ‬حين‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬تحظى‭ ‬بلحمة‭ ‬وطنية‭ ‬صادقة‭ ‬تحتضن‭ ‬مختلف‭ ‬الأديان‭ ‬والمعتقدات،‭ ‬وتجمع‭ ‬أبناءها‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الرخاء‭ ‬والشدة‭ ‬على‭ ‬حدٍّ‭ ‬سواء،‭ ‬وأن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬كانت‭ ‬وستظل‭ ‬دولة‭ ‬تراعي‭ ‬حق‭ ‬الجوار،‭ ‬لم‭ ‬تبادر‭ ‬يومًا‭ ‬إلى‭ ‬استعداء‭ ‬أحد،‭ ‬وتنتهج‭ ‬سبيل‭ ‬التعاون‭ ‬وحُسن‭ ‬الجوار‭.‬

وفي‭ ‬عالم‭ ‬تتسارع‭ ‬فيه‭ ‬تدفقات‭ ‬المعلومات،‭ ‬وتتشابك‭ ‬فيه‭ ‬الحقائق‭ ‬مع‭ ‬التزييف،‭ ‬تصبح‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعلام‭ ‬مهني‭ ‬رصين‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحًا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.. ‬إعلام‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬قوته‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬السبق‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬المصداقية،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الإثارة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬العمق،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬كثرة‭ ‬النشر،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬التأثير‭.‬

وعلى‭ ‬القارئ‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬صحيفة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬تتحلى‭ ‬بالحرية‭ ‬المطلقة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أكبر‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬مثل‭ ‬بريطانيا‭ ‬أو‭ ‬فرنسا،‭ ‬وأنه‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬الصحفيين‭ ‬أن‭ ‬يتحلوا‭ ‬بالحرية‭ ‬المسؤولة‭ ‬التي‭ ‬تراعي‭ ‬مصالح‭ ‬الوطن،‭ ‬ويمكننا‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الصحافة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬مهنة،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬اليوم‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭. ‬فالكلمة‭ ‬الصادقة،‭ ‬حين‭ ‬تُكتب‭ ‬بمسؤولية،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬درعًا‭ ‬يحمي‭ ‬الأوطان،‭ ‬وجسرًا‭ ‬يعبر‭ ‬بها‭ ‬نحو‭ ‬مستقبل‭ ‬أكثر‭ ‬أمنًا‭ ‬واستقرارًا‭.‬

 

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا