مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
القلم خط الدفاع الأول
إذا أردنا تاريخ الصحافة، فالمصادر الغربية محدودة جدا، بحيث اختلفت الآراء بشأن البدايات، مع العلم أنها أقدم مطبوعة يومية بدأت مع المؤسسات التجارية وفرض القوانين في القرن السابع عشر في قلب مدينة لندن، وكانت تسمى «لندن جازيت».
فيما كانت أول جريدة حائط أسبوعية تكتب بخط اليد في عهد الدولة العباسية بجامعة بغداد، وكان يخطها الأستاذ أحمد يحيى رواندي، الأستاذ في علوم الرياضيات، وأسماها «الفرند»، هذه الكلمة العربية التي لا علاقة لها تماما بكلمة «Friend» الإنجليزية، لأنها كلمة عربية أصيلة في أحد معانيها «السيف أو جَوْهَر السيف وما يُرى في صفحته من تموجات الضوء وانعكاساته»، والجريدة لم تكن جريدة إخبارية بل تقوم على مقالات الرأي.
وكأن الأستاذ أحمد يحيى رواندي يستشرف المستقبل، بأن تتحول الصحافة فيما بعد إلى أحد الأسلحة المهمة في معركة تشكيل الوعي الإنساني، وأن يكون الإعلام الوطني الرصين خطا دفاعيا لا يقل أهميةً عن سائر خطوط الدفاع حين تتعرض الأوطان للاعتداء، كما أكد ذلك جلالة الملك المعظم في رسالته السامية بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يصادف الثالث من شهر مايو من كل عام.
وتكتسب الكلمة السامية أهمية مضاعفة في ظل التحديات التي تشهدها المنطقة، إذ لم تعد المعارك تقتصر على ميادين القتال التقليدية، بل امتدت إلى فضاءات الإعلام والتأثير المعنوي. ومن هنا، يصبح الإعلام الوطني خط الدفاع الأول في مواجهة حملات التضليل والتشويه، وحائط الصد الذي يحفظ وعي المجتمع من الانزلاق خلف الشائعات أو الأجندات المغرضة.
إن الرسالة الملكية لم تكن مجرد تهنئة عابرة، بل وثيقة توجيهية ترسم ملامح الدور المنشود للإعلام في المرحلة المقبلة، فهي دعوة صريحة لأن يكون الصحفي «سفيرًا للسلام»، وأن يدرك أن حريته لا تنفصل عن مسؤوليته، وأن الكلمة التي يكتبها قد تبني وعيًا أو تهدمه، وقد تجمع أو تفرق.
وتأكيد جلالته الالتزام الدائم بدعم حرية الرأي والتعبير، وحرية الصحافة المسؤولة، أمرٌ يدعونا إلى التقيد بالثوابت الراسخة التي قامت عليها بلدنا، التي أشار إليها جلالته بجلاء حين أكد أن مملكة البحرين تحظى بلحمة وطنية صادقة تحتضن مختلف الأديان والمعتقدات، وتجمع أبناءها في أوقات الرخاء والشدة على حدٍّ سواء، وأن مملكة البحرين كانت وستظل دولة تراعي حق الجوار، لم تبادر يومًا إلى استعداء أحد، وتنتهج سبيل التعاون وحُسن الجوار.
وفي عالم تتسارع فيه تدفقات المعلومات، وتتشابك فيه الحقائق مع التزييف، تصبح الحاجة إلى إعلام مهني رصين أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.. إعلام يدرك أن قوته الحقيقية لا تكمن في السبق وحده، بل في المصداقية، ولا في الإثارة، بل في العمق، ولا في كثرة النشر، بل في جودة التأثير.
وعلى القارئ أن يدرك أنه لا توجد صحيفة في هذا العالم تتحلى بالحرية المطلقة حتى في أكبر الديمقراطيات مثل بريطانيا أو فرنسا، وأنه يجب على الصحفيين أن يتحلوا بالحرية المسؤولة التي تراعي مصالح الوطن، ويمكننا القول إن الصحافة لم تعد مجرد مهنة، بل باتت اليوم أحد أعمدة الأمن الوطني. فالكلمة الصادقة، حين تُكتب بمسؤولية، قادرة على أن تكون درعًا يحمي الأوطان، وجسرًا يعبر بها نحو مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك