مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
العرب بين الوحدة والافتراس
قالت العرب قديمًا: «أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض»، فحين ينقسم الجمع، يسهل افتراسهم واحدًا تلو الآخر. هذا المثل يلخص ببلاغة شديدة واقع السياسة في منطقتنا اليوم؛ فالدول التي تتفرق مواقفها وتتنازع أولوياتها تصبح أكثر عرضة للضغوط والمشاريع الخارجية، بينما تشكل الوحدة والتضامن مظلة حماية سياسية واستراتيجية للجميع.
وفي لحظة إقليمية بالغة التعقيد، يخضع العمل العربي المشترك لاختبار حقيقي، ليس فقط في بيانات الإدانة للعدوان الإيراني، بل في القدرة على بلورة موقف عربي موحد يحمي الأمن القومي العربي، ويمنع تحويل المنطقة إلى ساحة صراع دائم تدفع ثمنه الشعوب العربية. فخطورة المرحلة لا تكمن فقط في التصعيد العسكري وتداعياته على أمن الطاقة والملاحة والتجارة العالمية، بل فيما قد يترتب عليه من إعادة رسم موازين القوى في المنطقة على حساب الدول العربية، إذا لم يكن هناك موقف عربي موحد قادر على التأثير في مسار الأحداث، لا الاكتفاء بالتفاعل معها.
لقد أثبتت تجارب المنطقة أن غياب الرؤية العربية المشتركة كان دائمًا يفتح الباب أمام المشاريع الإقليمية والدولية لملء الفراغ وفرض أجنداتها، بينما يجد العرب أنفسهم في نهاية المطاف أمام نتائج صراعات لم يختاروها، لكنهم يتحملون كلفتها السياسية والاقتصادية والأمنية. ومن هنا، فإن توحيد الصوت العربي لم يعد خيارًا سياسيًّا، بل ضرورة استراتيجية؛ لأن أمن الخليج هو جزءٌ لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وأي تهديد يتعرض له ينعكس بشكل مباشر على استقرار المنطقة العربية بأكملها.
وفي المقابل، فإن أخطر ما يواجه العمل العربي المشترك في هذه المرحلة ليس فقط التهديدات الخارجية، بل أيضًا حالة الانقسام العربي، والخطاب المتشنج، والتلاسن السياسي والإعلامي، وتغليب الخلافات البينية على التحديات الكبرى. فالدول لا تضعف فقط بسبب أعدائها، بل تضعف أيضًا عندما تنشغل بخلافاتها الصغيرة وتنسى أخطارها الكبرى. وفي مرحلة دقيقة كهذه، يصبحُ من الضروري أن يلفظ العرب عادات التصادم والتشرذم، وأن يدركوا أن الخلافات العربية-العربية هي الثغرة التي تتسلل منها المشاريع الأخرى إلى المنطقة.
ولست أقول ذلك دفاعًا عن جامعة الدول العربية، التي تتعرض اليوم لانتقادات وهجوم من بعض الأصوات التي تستشعر عدم فاعليتها في مساندة دول مجلس التعاون في مواجهة التحديات الأمنية، فالنقد حق مشروع، ومراجعة الأداء ضرورة، ولكن التحديات الوجودية التي تواجه الدول العربية اليوم أكبر بكثير من أن ينصرف العرب إلى مهاجمة بعضهم بعضا أو التقليل من أهمية العمل العربي المشترك. فإضعاف المؤسسات العربية في هذا التوقيت لا يخدم إلا المشاريع التي تسعى إلى تفكيك الموقف العربي، بينما المطلوب ليس هدم العمل العربي المشترك، بل تطويره وتفعيله ليكون أكثر قدرة على حماية المصالح العربية في عالم لا يعترف إلا بالتكتلات القوية.
إن الاصطفاف العربي اليوم يجب أن يكون اصطفافًا واعيًا ومسؤولا، قائمًا على مبدأ التضامن العربي الكامل، وخاصة مع دول الخليج العربي، ورفض أي استهداف لأمنها واستقرارها، وكذلك رفض محاولات زعزعة استقرار الدول العربية عبر الوكلاء أو المليشيات، لأن الحروب الحديثة لم تعد دائمًا جيوشًا في مواجهة جيوش، بل أصبحت حروب استنزاف وفوضى وعدم استقرار.
لكن في الوقت ذاته، فإن بلورة موقف عربي موحد للتصدي للمشروعات الإقليمية التي تستهدف المنطقة لا تعني الانحياز إلى مشاريع أخرى؛ لأن الموقف العربي يجب أن يبقى مستقلا ويستند إلى المصالح العربية أولا.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز الدور البحريني بوصفه نموذجًا للدبلوماسية العربية الهادئة التي تقوم على بناء التوافقات وتوحيد الصف العربي، وهو ما تجلى في رئاسة مملكة البحرين المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية في توقيت بالغ الحساسية، إلى جانب رئاسة الدورة الحالية لمجلس التعاون، ورئاسة مجلس الأمن خلال شهر أبريل الحالي، فقد أكدت البحرين بقيادة جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، خلال لقاءاته مع قادة الدول العربية، أن المرحلة تتطلب توحيد المواقف وتعزيز العمل العربي المشترك، كما عملت على تفعيل التحرك العربي في المحافل الدولية، وخاصة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بصفتها ممثلا عن المجموعة العربية، وهو ما يعكس دورًا دبلوماسيًّا قياديًّا يعبر عن المصالح العربية ككل.
إن ما تقوم به البحرين يمكن وصفه بالدبلوماسية القيادية الهادئة، وهي دبلوماسية تقوم على توحيد الصف العربي، وتدويل القضايا العربية، وإدارة الأزمات بالحكمة، لا بالانفعال، وبالدبلوماسية، لا بالمواجهات غير المحسوبة. فالمرحلة الراهنة ليست مرحلة بيانات، بل مرحلة بناء موقف عربي موحد؛ لأن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل، ومن لا يشارك في رسم مستقبلها سيجد نفسه يعيش في مستقبل رسمه الآخرون.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك