العدد : ١٧٥٤١ - الخميس ٠٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤١ - الخميس ٠٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٧هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

العرب بين الوحدة والافتراس

قالت‭ ‬العرب‭ ‬قديمًا‭: ‬‮«‬أُكِلتُ‭ ‬يوم‭ ‬أُكِلَ‭ ‬الثور‭ ‬الأبيض‮»‬،‭ ‬فحين‭ ‬ينقسم‭ ‬الجمع،‭ ‬يسهل‭ ‬افتراسهم‭ ‬واحدًا‭ ‬تلو‭ ‬الآخر‭. ‬هذا‭ ‬المثل‭ ‬يلخص‭ ‬ببلاغة‭ ‬شديدة‭ ‬واقع‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬منطقتنا‭ ‬اليوم؛‭ ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬تتفرق‭ ‬مواقفها‭ ‬وتتنازع‭ ‬أولوياتها‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للضغوط‭ ‬والمشاريع‭ ‬الخارجية،‭ ‬بينما‭ ‬تشكل‭ ‬الوحدة‭ ‬والتضامن‭ ‬مظلة‭ ‬حماية‭ ‬سياسية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬للجميع‭.‬

وفي‭ ‬لحظة‭ ‬إقليمية‭ ‬بالغة‭ ‬التعقيد،‭ ‬يخضع‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬المشترك‭ ‬لاختبار‭ ‬حقيقي،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬بيانات‭ ‬الإدانة‭ ‬للعدوان‭ ‬الإيراني،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬بلورة‭ ‬موقف‭ ‬عربي‭ ‬موحد‭ ‬يحمي‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬العربي،‭ ‬ويمنع‭ ‬تحويل‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬صراع‭ ‬دائم‭ ‬تدفع‭ ‬ثمنه‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭. ‬فخطورة‭ ‬المرحلة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬وتداعياته‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬والملاحة‭ ‬والتجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬بل‭ ‬فيما‭ ‬قد‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬موقف‭ ‬عربي‭ ‬موحد‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الأحداث،‭ ‬لا‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالتفاعل‭ ‬معها‭.‬

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬تجارب‭ ‬المنطقة‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬الرؤية‭ ‬العربية‭ ‬المشتركة‭ ‬كان‭ ‬دائمًا‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬المشاريع‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬لملء‭ ‬الفراغ‭ ‬وفرض‭ ‬أجنداتها،‭ ‬بينما‭ ‬يجد‭ ‬العرب‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬أمام‭ ‬نتائج‭ ‬صراعات‭ ‬لم‭ ‬يختاروها،‭ ‬لكنهم‭ ‬يتحملون‭ ‬كلفتها‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والأمنية‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬توحيد‭ ‬الصوت‭ ‬العربي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خيارًا‭ ‬سياسيًّا،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬استراتيجية؛‭ ‬لأن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬هو‭ ‬جزءٌ‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬العربي،‭ ‬وأي‭ ‬تهديد‭ ‬يتعرض‭ ‬له‭ ‬ينعكس‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬بأكملها‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يواجه‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬المشترك‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬التهديدات‭ ‬الخارجية،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬حالة‭ ‬الانقسام‭ ‬العربي،‭ ‬والخطاب‭ ‬المتشنج،‭ ‬والتلاسن‭ ‬السياسي‭ ‬والإعلامي،‭ ‬وتغليب‭ ‬الخلافات‭ ‬البينية‭ ‬على‭ ‬التحديات‭ ‬الكبرى‭. ‬فالدول‭ ‬لا‭ ‬تضعف‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬أعدائها،‭ ‬بل‭ ‬تضعف‭ ‬أيضًا‭ ‬عندما‭ ‬تنشغل‭ ‬بخلافاتها‭ ‬الصغيرة‭ ‬وتنسى‭ ‬أخطارها‭ ‬الكبرى‭. ‬وفي‭ ‬مرحلة‭ ‬دقيقة‭ ‬كهذه،‭ ‬يصبحُ‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬يلفظ‭ ‬العرب‭ ‬عادات‭ ‬التصادم‭ ‬والتشرذم،‭ ‬وأن‭ ‬يدركوا‭ ‬أن‭ ‬الخلافات‭ ‬العربية‭-‬العربية‭ ‬هي‭ ‬الثغرة‭ ‬التي‭ ‬تتسلل‭ ‬منها‭ ‬المشاريع‭ ‬الأخرى‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭.‬

ولست‭ ‬أقول‭ ‬ذلك‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬جامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬التي‭ ‬تتعرض‭ ‬اليوم‭ ‬لانتقادات‭ ‬وهجوم‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬تستشعر‭ ‬عدم‭ ‬فاعليتها‭ ‬في‭ ‬مساندة‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الأمنية،‭ ‬فالنقد‭ ‬حق‭ ‬مشروع،‭ ‬ومراجعة‭ ‬الأداء‭ ‬ضرورة،‭ ‬ولكن‭ ‬التحديات‭ ‬الوجودية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬اليوم‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ينصرف‭ ‬العرب‭ ‬إلى‭ ‬مهاجمة‭ ‬بعضهم‭ ‬بعضا‭ ‬أو‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬المشترك‭. ‬فإضعاف‭ ‬المؤسسات‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت‭ ‬لا‭ ‬يخدم‭ ‬إلا‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬الموقف‭ ‬العربي،‭ ‬بينما‭ ‬المطلوب‭ ‬ليس‭ ‬هدم‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬المشترك،‭ ‬بل‭ ‬تطويره‭ ‬وتفعيله‭ ‬ليكون‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬المصالح‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬إلا‭ ‬بالتكتلات‭ ‬القوية‭.‬

إن‭ ‬الاصطفاف‭ ‬العربي‭ ‬اليوم‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬اصطفافًا‭ ‬واعيًا‭ ‬ومسؤولا،‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬التضامن‭ ‬العربي‭ ‬الكامل،‭ ‬وخاصة‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬ورفض‭ ‬أي‭ ‬استهداف‭ ‬لأمنها‭ ‬واستقرارها،‭ ‬وكذلك‭ ‬رفض‭ ‬محاولات‭ ‬زعزعة‭ ‬استقرار‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬عبر‭ ‬الوكلاء‭ ‬أو‭ ‬المليشيات،‭ ‬لأن‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬دائمًا‭ ‬جيوشًا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬جيوش،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬حروب‭ ‬استنزاف‭ ‬وفوضى‭ ‬وعدم‭ ‬استقرار‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬فإن‭ ‬بلورة‭ ‬موقف‭ ‬عربي‭ ‬موحد‭ ‬للتصدي‭ ‬للمشروعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬المنطقة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬الانحياز‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬أخرى؛‭ ‬لأن‭ ‬الموقف‭ ‬العربي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬مستقلا‭ ‬ويستند‭ ‬إلى‭ ‬المصالح‭ ‬العربية‭ ‬أولا‭. ‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬يبرز‭ ‬الدور‭ ‬البحريني‭ ‬بوصفه‭ ‬نموذجًا‭ ‬للدبلوماسية‭ ‬العربية‭ ‬الهادئة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬التوافقات‭ ‬وتوحيد‭ ‬الصف‭ ‬العربي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تجلى‭ ‬في‭ ‬رئاسة‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬المجلس‭ ‬الوزاري‭ ‬لجامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬بالغ‭ ‬الحساسية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬رئاسة‭ ‬الدورة‭ ‬الحالية‭ ‬لمجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬ورئاسة‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬أبريل‭ ‬الحالي،‭ ‬فقد‭ ‬أكدت‭ ‬البحرين‭ ‬بقيادة‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬خلال‭ ‬لقاءاته‭ ‬مع‭ ‬قادة‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬تتطلب‭ ‬توحيد‭ ‬المواقف‭ ‬وتعزيز‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬المشترك،‭ ‬كما‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬تفعيل‭ ‬التحرك‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ومجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬بصفتها‭ ‬ممثلا‭ ‬عن‭ ‬المجموعة‭ ‬العربية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬دورًا‭ ‬دبلوماسيًّا‭ ‬قياديًّا‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬المصالح‭ ‬العربية‭ ‬ككل‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬البحرين‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بالدبلوماسية‭ ‬القيادية‭ ‬الهادئة،‭ ‬وهي‭ ‬دبلوماسية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬توحيد‭ ‬الصف‭ ‬العربي،‭ ‬وتدويل‭ ‬القضايا‭ ‬العربية،‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬بالحكمة،‭ ‬لا‭ ‬بالانفعال،‭ ‬وبالدبلوماسية،‭ ‬لا‭ ‬بالمواجهات‭ ‬غير‭ ‬المحسوبة‭. ‬فالمرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬ليست‭ ‬مرحلة‭ ‬بيانات،‭ ‬بل‭ ‬مرحلة‭ ‬بناء‭ ‬موقف‭ ‬عربي‭ ‬موحد؛‭ ‬لأن‭ ‬المنطقة‭ ‬تمر‭ ‬بمرحلة‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل،‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬مستقبلها‭ ‬سيجد‭ ‬نفسه‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬رسمه‭ ‬الآخرون‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا