العدد : ١٧٥٩٣ - الأحد ٢٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٣ - الأحد ٢٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

رسالة مفتوحة إلى المثقفين

في‭ ‬أوقات‭ ‬الاستقرار‭ ‬قد‭ ‬يتراجع‭ ‬أثر‭ ‬الكلمة،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬تُصبح‭ ‬الكلمة‭ ‬الواعية‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬أمن‭ ‬الأوطان‭ ‬واستقرار‭ ‬المجتمعات‭. ‬والمتتبع‭ ‬للواقع‭ ‬الفكري‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬يلحظ‭ ‬أنَّ‭ ‬كثيرًا‭ ‬ممن‭ ‬يبدون‭ ‬آراءهم‭ ‬يفعلون‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قراءة‭ ‬شاملة‭ ‬للأوضاع‭ ‬والمتغيرات،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تنأى‭ ‬فيه‭ ‬الدولة‭ ‬بنفسها‭ ‬عن‭ ‬فرض‭ ‬اتجاه‭ ‬فكري‭ ‬محدد‭ ‬تجاه‭ ‬القضايا‭ ‬المختلفة،‭ ‬متعاطيةً‭ ‬مع‭ ‬الطروحات‭ ‬المتباينة‭ ‬بحسن‭ ‬نية‭ ‬ومسؤولية‭.‬

وعلى‭ ‬مدى‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬تكررت‭ ‬ذات‭ ‬الحالة؛‭ ‬إذ‭ ‬برزت‭ ‬أصوات‭ ‬عقائدية‭ ‬وأخرى‭ ‬متفلسفة‭ ‬في‭ ‬طرحها،‭ ‬بينما‭ ‬حاول‭ ‬بعض‭ ‬المُسيَّسين،‭ ‬عبر‭ ‬بيانات‭ ‬ومنشورات‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬إعادة‭ ‬تقديم‭ ‬أنفسهم‭ ‬للمجتمع‭ ‬بصورة‭ ‬مختلفة،‭ ‬متجاهلين‭ ‬مواقفهم‭ ‬السابقة‭.‬

الحياة‭ ‬رسالة،‭ ‬ولا‭ ‬تتجلى‭ ‬قيمة‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات؛‭ ‬ففي‭ ‬الظروف‭ ‬الاستثنائية‭ ‬تظهر‭ ‬معادن‭ ‬الناس‭ ‬الحقيقية،‭ ‬سواء‭ ‬كانوا‭ ‬مواطنين‭ ‬عاديين،‭ ‬أو‭ ‬مسؤولين‭ ‬مخلصين،‭ ‬أو‭ ‬مثقفين‭ ‬يحملون‭ ‬مسؤولية‭ ‬تفسير‭ ‬الواقع‭ ‬وكشف‭ ‬أبعاده‭.‬

لكنَّ‭ ‬المؤسف‭ ‬أنَّ‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬مثقفينا‭ ‬اختاروا‭ ‬الصمت‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الأزمة‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬فلم‭ ‬نقرأ‭ ‬لهم‭ ‬حضورًا‭ ‬فاعلا‭ ‬يواكب‭ ‬حجم‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬الوطن‭. ‬وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬السؤال‭: ‬أين‭ ‬دور‭ ‬المثقف‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬اللحظات‭ ‬المصيرية؟

إنَّ‭ ‬المثقف‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بالمراقبة‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬بل‭ ‬يتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬وطنية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬وحدة‭ ‬وطنه،‭ ‬وتوضيح‭ ‬الحقائق،‭ ‬واستشراف‭ ‬النتائج،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الانفعال‭ ‬أو‭ ‬الخوف‭ ‬أو‭ ‬الحسابات‭ ‬الضيقة‭.‬

ففي‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬تصبح‭ ‬الكلمة‭ ‬الواعية‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬سلاح؛‭ ‬لأنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬الوحدة،‭ ‬وترسيخ‭ ‬الوعي،‭ ‬ومواجهة‭ ‬محاولات‭ ‬التشكيك‭ ‬أو‭ ‬بث‭ ‬الانقسام‭.‬

والمجتمع‭ ‬ينتظر‭ ‬من‭ ‬مثقفيه‭ ‬أن‭ ‬يفسروا‭ ‬الغموض،‭ ‬ويقدموا‭ ‬رؤية‭ ‬عقلانية‭ ‬تساعد‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬يجري،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يظلوا‭ ‬أسرى‭ ‬الصمت‭ ‬أو‭ ‬العزلة‭ ‬الفكرية‭.‬

إنَّ‭ ‬دور‭ ‬المثقف‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬النقد‭ ‬أو‭ ‬التنظير،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬الإسهام‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬وتعزيز‭ ‬التماسك‭ ‬المجتمعي‭.‬

إن‭ ‬للمثقفين‭ ‬دورًا‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات،‭ ‬ويكفي‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬ألمانيا‭ ‬الهتلرية‭ ‬تخطط‭ ‬لاحتلال‭ ‬الجزر‭ ‬البريطانية،‭ ‬إذ‭ ‬كشفت‭ ‬الوثائق‭ ‬أن‭ ‬السلطات‭ ‬النازية‭ ‬كانت‭ ‬تعتزم‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬المثقفين‭ ‬البريطانيين‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الغزو،‭ ‬إدراكًا‭ ‬منها‭ ‬لحجم‭ ‬تأثيرهم‭ ‬ودورهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الوعي‭ ‬الوطني‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬أوطانهم،‭ ‬وقد‭ ‬أورد‭ ‬هذه‭ ‬الواقعة‭ ‬المؤرخ‭ ‬الأمريكي‭ ‬ويليام‭ ‬شيرر‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬نشأة‭ ‬وسقوط‭ ‬الرايخ‭ ‬الثالث‮»‬‭.‬

جدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أن‭ ‬ويليام‭ ‬لورانس‭ ‬شيرر‭ ‬كان‭ ‬صحفيًّا‭ ‬أمريكيًّا‭ ‬ومراسلا‭ ‬حربيًّا‭ ‬ومؤرخًا،‭ ‬وقد‭ ‬قُرِئ‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬صعود‭ ‬وسقوط‭ ‬الرايخ‭ ‬الثالث‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يؤرخ‭ ‬لتاريخ‭ ‬ألمانيا‭ ‬النازية،‭ ‬واستُشهد‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬الأكاديمية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬عامًا؛‭ ‬وقد‭ ‬احتُفل‭ ‬بالذكرى‭ ‬الخمسين‭ ‬لصدوره‭ ‬بإصدار‭ ‬طبعة‭ ‬جديدة‭ ‬منه‭.‬

وهذا‭ ‬يؤكد‭ ‬المكانة‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬يحتلها‭ ‬المثقف‭ ‬الوطني،‭ ‬والمسؤولية‭ ‬التاريخية‭ ‬المُلقاة‭ ‬على‭ ‬عاتقه‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬وترسيخ‭ ‬الوعي‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬التحديات‭.‬

وبكل‭ ‬صراحة،‭ ‬فإننا‭ ‬لم‭ ‬نلمس‭ ‬من‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬مثقفينا‭ ‬ذلك‭ ‬الدور‭ ‬الفاعل‭ ‬الذي‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬حساسية‭ ‬المرحلة،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬أحلك‭ ‬فترة‭ ‬تاريخية‭ ‬مرَّ‭ ‬بها‭ ‬الوطن‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬المسؤولية‭ ‬اليوم‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬المثقف‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حاضرًا‭ ‬بقلمه‭ ‬وموقفه،‭ ‬وأن‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬الوعي‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المراحل‭ ‬حساسية‭.‬

وتزداد‭ ‬مسؤولية‭ ‬المثقف‭ ‬خطورة‭ ‬حين‭ ‬تختلط‭ ‬الشعارات‭ ‬بالحقائق،‭ ‬وتُستخدم‭ ‬القضايا‭ ‬الكبرى‭ ‬غطاءً‭ ‬لمشاريع‭ ‬سياسية‭ ‬وتوسعية‭ ‬تهدد‭ ‬أمن‭ ‬الأوطان‭ ‬واستقرارها؛‭ ‬فالمشهد‭ ‬الإقليمي‭ ‬اليوم‭ ‬كشف‭ ‬بوضوح‭ ‬حجم‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬الشعارات‭ ‬المرفوعة‭ ‬والممارسات‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬بعدما‭ ‬تحولت‭ ‬بعض‭ ‬الخطابات‭ ‬التي‭ ‬ادّعت‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الأمة‭ ‬وقضاياها‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬لزعزعة‭ ‬استقرار‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والتدخل‭ ‬في‭ ‬شؤونها‭ ‬الداخلية‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬دور‭ ‬المثقف‭ ‬الوطني‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬التنديد‭ ‬بالمخاطر،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬كشف‭ ‬محاولات‭ ‬التضليل‭ ‬الفكري‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تبرير‭ ‬العدوان‭ ‬أو‭ ‬تجميله‭ ‬تحت‭ ‬عناوين‭ ‬أيديولوجية‭ ‬أو‭ ‬دينية‭. ‬فحين‭ ‬تصل‭ ‬التهديدات‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬الوطن‭ ‬وأمن‭ ‬المجتمع،‭ ‬يصبح‭ ‬الصمت‭ ‬الفكري‭ ‬فراغًا‭ ‬خطيرًا‭ ‬قد‭ ‬تملؤه‭ ‬خطابات‭ ‬الانفعال‭ ‬والتبرير‭ ‬والاستقطاب‭.‬

هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬وجهتها‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭ ‬للنخب‭ ‬الفكرية‭ ‬والثقافية‭ ‬في‭ ‬المملكة،‭ ‬أعيدها‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬بعد‭ ‬مرحلة‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الوطن‭ ‬والمنطقة،‭ ‬انكشفت‭ ‬فيها‭ ‬الوجوه،‭ ‬ومن‭ ‬تخلف‭ ‬عن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬سيادة‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت،‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكتفي‭ ‬بمجرد‭ ‬بيانات‭ ‬جوفاء،‭ ‬إذ‭ ‬يجب‭ ‬عليه‭ ‬بذل‭ ‬الجهد‭ ‬في‭ ‬تصحيح‭ ‬مفاهيم‭ ‬المغرر‭ ‬بهم‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬وقعوا‭ ‬في‭ ‬براثن‭ ‬أفكارهم‭ ‬المضللة‭ ‬طوال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭.‬

فالشباب‭ ‬اليوم‭ ‬يواجهون‭ ‬تدفقًا‭ ‬هائلا‭ ‬من‭ ‬الخطابات‭ ‬المتناقضة‭ ‬عبر‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬دور‭ ‬المثقف‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬وعي‭ ‬متزن‭ ‬يحمي‭ ‬الأجيال‭ ‬من‭ ‬التطرف‭ ‬الفكري‭ ‬والانجرار‭ ‬خلف‭ ‬الشعارات‭ ‬المغلوطة‭.‬

لذلك،‭ ‬ألم‭ ‬يحن‭ ‬الوقت‭ ‬لمثقفينا‭ ‬أن‭ ‬ينفضوا‭ ‬الغبار‭ ‬عن‭ ‬أقلامهم،‭ ‬وأن‭ ‬يمارسوا‭ ‬دورهم‭ ‬الحقيقي‭ ‬بوصفهم‭ ‬حراسًا‭ ‬للوعي‭ ‬وروادًا‭ ‬للفكر‭ ‬ومسؤولين‭ ‬عن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬الوطن؟

الكلمة‭ ‬التي‭ ‬يكتبها‭ ‬المثقف‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬وعي‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬تجاه‭ ‬وطنها‭ ‬وقضاياه،‭ ‬وسيبقى‭ ‬التاريخ‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬مواقف‭ ‬المثقفين‭ ‬في‭ ‬اللحظات‭ ‬الفارقة؛‭ ‬فمنهم‭ ‬من‭ ‬اختار‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬صوتًا‭ ‬للوطن،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬آثر‭ ‬الصمت‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬الأوطان‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الكلمة‭ ‬الشجاعة‭.‬

 

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا