العدد : ١٧٥٨٢ - الأربعاء ١٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٢ - الأربعاء ١٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

المصارحة الوطنية في مواجهة مشروع ولاية الفقيه

قلنا‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬السابق‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬ليس‭ ‬خلافًا‭ ‬مذهبيًّا‭ ‬أو‭ ‬اختلافًا‭ ‬عقائديًّا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مشروع‭ ‬سياسي‭ ‬منظم‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬هوية‭ ‬البحرين‭ ‬الوطنية،‭ ‬عبر‭ ‬ربط‭ ‬الولاء‭ ‬والانتماء‭ ‬بمرجعية‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬الدولة‭. ‬وهذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬تفرض‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭ ‬وجرأة‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬المشهد،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬محاولات‭ ‬التخفيف‭ ‬أو‭ ‬التبرير‭ ‬أو‭ ‬تغليف‭ ‬الوقائع‭ ‬بشعارات‭ ‬دينية‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬حقيقة‭ ‬المشروع‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭.‬

هذه‭ ‬المكاشفة‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬ضرورة‭ ‬وطنية؛‭ ‬لأن‭ ‬تصحيح‭ ‬المفاهيم‭ ‬المغلوطة‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬ضخّها‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬بعض‭ ‬الشباب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مصارحة‭ ‬مباشرة،‭ ‬تكشف‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الانتماء‭ ‬الديني‭ ‬الطبيعي‭ ‬وتحويل‭ ‬الدين‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬سياسية‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬تُستخدم‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الولاءات‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬والخليجية‭.‬

ولعل‭ ‬كلمة‭ ‬الفريق‭ ‬أول‭ ‬معالي‭ ‬الشيخ‭ ‬راشد‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية،‭ ‬خلال‭ ‬لقائه‭ ‬مع‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الوطن،‭ ‬جاءت‭ ‬لتضع‭ ‬النقاط‭ ‬على‭ ‬الحروف،‭ ‬حين‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬نظرية‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬المرجعية‭ ‬الدينية،‭ ‬وإنما‭ ‬حوّلها‭ ‬الخميني‭ ‬منذ‭ ‬قيام‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬سياسي‭ ‬عابر‭ ‬للحدود،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬الولاء‭ ‬والطاعة‭ ‬للولي‭ ‬الفقيه‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬تعارض‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬مصالح‭ ‬الأوطان‭ ‬وأمنها‭ ‬واستقرارها،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬محاولات‭ ‬إظهار‭ ‬أنَّ‭ ‬الولاء‭ ‬المطلق‭ ‬لإيران‭ ‬هو‭ ‬ركنٌ‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬المذهب،‭ ‬ولكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬تماما‭.‬

هذا‭ ‬الطرح‭ ‬يكشفُ‭ ‬بوضوح‭ ‬أنَّ‭ ‬القضية‭ ‬ليست‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالطائفة‭ ‬الشيعية‭ ‬الكريمة،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ومازالت‭ ‬مكوّنًا‭ ‬أصيلا‭ ‬من‭ ‬نسيج‭ ‬البحرين‭ ‬الوطني،‭ ‬وإنما‭ ‬تتعلق‭ ‬بتنظيم‭ ‬سياسي‭ ‬استغل‭ ‬المذهب‭ ‬لتحقيق‭ ‬أجندات‭ ‬خارجية،‭ ‬عبر‭ ‬بناء‭ ‬شبكات‭ ‬ولاء‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني،‭ ‬ومحاولة‭ ‬التغلغل‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬الخليجية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والإعلامية‭.‬

إنَّ‭ ‬رسالة‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬ليست‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬المنطقة،‭ ‬لكنَّ‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬كشفت‭ ‬بصورة‭ ‬أوضح‭ ‬حجم‭ ‬محاولات‭ ‬فرض‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تنظيمات‭ ‬عملت‭ ‬بسرية‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬وسعت‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬شبكات‭ ‬نفوذ‭ ‬داخل‭ ‬مفاصل‭ ‬العمل‭ ‬المجتمعي،‭ ‬بهدف‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬أبناء‭ ‬الوطن،‭ ‬بل‭ ‬ممارسة‭ ‬الضغوط‭ ‬والإقصاء‭ ‬بحق‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يرفض‭ ‬الخضوع‭ ‬لهذا‭ ‬الفكر،‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬الطائفة‭ ‬الشيعية‭ ‬نفسها‭.‬

وقد‭ ‬أشار‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬عندما‭ ‬تحدث‭ ‬عن‭ ‬التنظيم‭ ‬الرئيسي‭ ‬المرتبط‭ ‬بولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬والحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني،‭ ‬الذي‭ ‬عمل‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬الأموال،‭ ‬والتغلغل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬والمنابر،‭ ‬وتحويل‭ ‬بعض‭ ‬المآتم‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬للتعبئة‭ ‬الفكرية‭ ‬والتجنيد‭ ‬السياسي،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬بناء‭ ‬خلايا‭ ‬ومليشيات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لخلق‭ ‬واقع‭ ‬موازٍ‭ ‬لسلطة‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭.‬

والأخطر‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التنظيمات‭ ‬لم‭ ‬تُمارس‭ ‬فقط‭ ‬الاستقطاب‭ ‬السياسي،‭ ‬بل‭ ‬مارست‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬الإرهاب‭ ‬الفكري‭ ‬والاجتماعي‭ ‬ضد‭ ‬المخالفين‭ ‬لها،‭ ‬عبر‭ ‬تخوينهم‭ ‬أو‭ ‬ترهيبهم‭ ‬أو‭ ‬محاولة‭ ‬إسكات‭ ‬أصواتهم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يومًا‭ ‬مشروعًا‭ ‬دينيًّا‭ ‬خالصًا،‭ ‬بل‭ ‬مشروع‭ ‬نفوذ‭ ‬سياسي‭ ‬يستخدم‭ ‬الدين‭ ‬غطاءً‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬العقيدة‭ ‬إلى‭ ‬حسابات‭ ‬الهيمنة‭ ‬الإقليمية‭.‬

فالمتأمل‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬جوهر‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬الولاء‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬إلى‭ ‬سلطة‭ ‬خارجية،‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬الانتماء‭ ‬السياسي‭ ‬مُرتبطًا‭ ‬بالفقيه‭ ‬الحاكم‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬لا‭ ‬بالدولة‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬المواطن‭. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬الخطورة‭ ‬الحقيقية؛‭ ‬لأن‭ ‬أيَّ‭ ‬مشروع‭ ‬يلغي‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬لصالح‭ ‬الولاءات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬يتحول‭ ‬بطبيعته‭ ‬إلى‭ ‬تهديد‭ ‬مباشر‭ ‬للأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬الداخلي‭ ‬للبلدان‭.‬

ومنذ‭ ‬اندلاع‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬شهدت‭ ‬البحرين‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬محاولات‭ ‬مستمرة‭ ‬للتدخل‭ ‬في‭ ‬شؤونها‭ ‬الداخلية،‭ ‬وكلها‭ ‬كانت‭ ‬ترتبط‭ ‬بخطاب‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تصدير‭ ‬الثورة‭ ‬وتوسيع‭ ‬النفوذ‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

بعض‭ ‬القوى‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمشروع‭ ‬الإيراني‭ ‬استغلت‭ ‬الانفتاح‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬البحرين‭ ‬منذ‭ ‬المشروع‭ ‬الإصلاحي‭ ‬لجلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬لإعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬صفوفها‭ ‬والتوسع‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الانخراط‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬الجامع‭. ‬

وهنا‭ ‬جاءت‭ ‬الرسالة‭ ‬الواضحة‭ ‬التي‭ ‬حملتها‭ ‬كلمة‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية،‭ ‬بأن‭ ‬الدولة‭ ‬لن‭ ‬تسمح‭ ‬بوجود‭ ‬أيِّ‭ ‬ولاءٍ‭ ‬فوق‭ ‬ولاء‭ ‬الوطن،‭ ‬ولا‭ ‬بأيِّ‭ ‬تنظيم‭ ‬يعمل‭ ‬لصالح‭ ‬أجندات‭ ‬خارجية‭ ‬تحت‭ ‬أي‭ ‬غطاء‭.‬

وما‭ ‬قاله‭ ‬الوزير،‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬سلطة‭ ‬تعلو‭ ‬على‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة‭ ‬المدنية‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬يعكس‭ ‬جوهر‭ ‬المعركة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬وهي‭ ‬حماية‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬الاختطاف‭ ‬السياسي‭ ‬والعقائدي،‭ ‬وصون‭ ‬وحدة‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭ ‬بكل‭ ‬مكوناته‭.‬

ومن‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬أنَّ‭ ‬شيعة‭ ‬البحرين‭ ‬أقدمُ‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬نفسه،‭ ‬وكانت‭ ‬لهم‭ ‬مرجعياتهم‭ ‬الوطنية‭ ‬والعربية‭ ‬المعروفة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تحاول‭ ‬إيران‭ ‬تصدير‭ ‬مشروعها‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة،‭ ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬تتطلب‭ ‬وعيًا‭ ‬وطنيًّا‭ ‬متماسكًا؛‭ ‬لأن‭ ‬المواجهة‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬أمنية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أيضًا‭ ‬معركة‭ ‬وعي‭ ‬وفكر‭ ‬وهوية‭. ‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬ما‭ ‬كشف‭ ‬عنه‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬البحرين‭ ‬ودول‭ ‬الخليج،‭ ‬فإن‭ ‬وحدة‭ ‬الخليج‭ ‬سياسيًّا‭ ‬وأمنيًّا‭ ‬وفكريًّا‭ ‬باتت‭ ‬ضرورة‭ ‬ملحة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مشروع‭ ‬لا‭ ‬يخفي‭ ‬أطماعه‭ ‬التوسعية،‭ ‬ويحاول‭ ‬استغلال‭ ‬أي‭ ‬ثغرة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬لنشر‭ ‬نفوذه‭ ‬وأفكاره‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬يبقى‭ ‬الوطن‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬اعتبار،‭ ‬وتبقى‭ ‬البحرين‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬محاولات‭ ‬الاختراق‭ ‬والاستهداف‭.. ‬ومع‭ ‬سقوط‭ ‬الأقنعة،‭ ‬المصارحة‭ ‬والمكاشفة‭ ‬هي‭ ‬السبيل‭ ‬الأمضى‭ ‬في‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا