مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
المصارحة الوطنية في مواجهة مشروع ولاية الفقيه
قلنا في المقال السابق إن ما يجري ليس خلافًا مذهبيًّا أو اختلافًا عقائديًّا بقدر ما هو مشروع سياسي منظم يسعى إلى تغيير هوية البحرين الوطنية، عبر ربط الولاء والانتماء بمرجعية خارج حدود الدولة. وهذه الحقيقة تفرض علينا أن نكون أكثر وضوحًا وجرأة في قراءة المشهد، بعيدًا عن محاولات التخفيف أو التبرير أو تغليف الوقائع بشعارات دينية لا تعكس حقيقة المشروع القائم على فكرة «ولاية الفقيه».
هذه المكاشفة أصبحت اليوم ضرورة وطنية؛ لأن تصحيح المفاهيم المغلوطة التي جرى ضخّها في عقول بعض الشباب لا يمكن أن يتم من دون مصارحة مباشرة، تكشف الفرق بين الانتماء الديني الطبيعي وتحويل الدين إلى أداة سياسية عابرة للحدود، تُستخدم لإعادة تشكيل الولاءات داخل المجتمعات العربية والخليجية.
ولعل كلمة الفريق أول معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية، خلال لقائه مع نخبة من أبناء الوطن، جاءت لتضع النقاط على الحروف، حين أكد أن نظرية ولاية الفقيه لم تتوقف عند حدود المرجعية الدينية، وإنما حوّلها الخميني منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 إلى مشروع سياسي عابر للحدود، يقوم على مبدأ الولاء والطاعة للولي الفقيه في إيران، حتى إن تعارض ذلك مع مصالح الأوطان وأمنها واستقرارها، وذلك عبر محاولات إظهار أنَّ الولاء المطلق لإيران هو ركنٌ من أركان المذهب، ولكن الحقيقة غير ذلك تماما.
هذا الطرح يكشفُ بوضوح أنَّ القضية ليست مرتبطة بالطائفة الشيعية الكريمة، التي كانت ومازالت مكوّنًا أصيلا من نسيج البحرين الوطني، وإنما تتعلق بتنظيم سياسي استغل المذهب لتحقيق أجندات خارجية، عبر بناء شبكات ولاء مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، ومحاولة التغلغل داخل المجتمعات الخليجية من خلال المؤسسات الدينية والاجتماعية والإعلامية.
إنَّ رسالة ولاية الفقيه ليست جديدة على المنطقة، لكنَّ التطورات الأخيرة كشفت بصورة أوضح حجم محاولات فرض هذا المشروع داخل المجتمع البحريني، من خلال تنظيمات عملت بسرية سنوات طويلة، وسعت إلى إنشاء شبكات نفوذ داخل مفاصل العمل المجتمعي، بهدف التأثير على أبناء الوطن، بل ممارسة الضغوط والإقصاء بحق كل من يرفض الخضوع لهذا الفكر، حتى من داخل الطائفة الشيعية نفسها.
وقد أشار وزير الداخلية بوضوح إلى هذه المسألة عندما تحدث عن التنظيم الرئيسي المرتبط بولاية الفقيه والحرس الثوري الإيراني، الذي عمل على جمع الأموال، والتغلغل في بعض المؤسسات والمنابر، وتحويل بعض المآتم إلى أدوات للتعبئة الفكرية والتجنيد السياسي، فضلا عن بناء خلايا ومليشيات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، في محاولة لخلق واقع موازٍ لسلطة الدولة الوطنية.
والأخطر أن هذه التنظيمات لم تُمارس فقط الاستقطاب السياسي، بل مارست نوعًا من الإرهاب الفكري والاجتماعي ضد المخالفين لها، عبر تخوينهم أو ترهيبهم أو محاولة إسكات أصواتهم، وهو ما يؤكد أن المشروع لم يكن يومًا مشروعًا دينيًّا خالصًا، بل مشروع نفوذ سياسي يستخدم الدين غطاءً لتحقيق أهداف تتجاوز حدود العقيدة إلى حسابات الهيمنة الإقليمية.
فالمتأمل في واقع «ولاية الفقيه» يدرك أن جوهر هذا المشروع يقوم على نقل الولاء من الدولة الوطنية إلى سلطة خارجية، بحيث يصبح الانتماء السياسي مُرتبطًا بالفقيه الحاكم في إيران، لا بالدولة التي ينتمي إليها المواطن. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ لأن أيَّ مشروع يلغي مفهوم الدولة الوطنية لصالح الولاءات العابرة للحدود يتحول بطبيعته إلى تهديد مباشر للأمن والاستقرار الداخلي للبلدان.
ومنذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، شهدت البحرين ودول الخليج محاولات مستمرة للتدخل في شؤونها الداخلية، وكلها كانت ترتبط بخطاب يقوم على تصدير الثورة وتوسيع النفوذ الإيراني في المنطقة.
بعض القوى المرتبطة بالمشروع الإيراني استغلت الانفتاح الذي تعيشه البحرين منذ المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المعظم لإعادة تنظيم صفوفها والتوسع داخل المجتمع، بدلا من الانخراط الحقيقي في المشروع الوطني الجامع.
وهنا جاءت الرسالة الواضحة التي حملتها كلمة وزير الداخلية، بأن الدولة لن تسمح بوجود أيِّ ولاءٍ فوق ولاء الوطن، ولا بأيِّ تنظيم يعمل لصالح أجندات خارجية تحت أي غطاء.
وما قاله الوزير، بأنه لا سلطة تعلو على سلطة الدولة المدنية في مملكة البحرين، يعكس جوهر المعركة الحقيقية، وهي حماية الدولة الوطنية من محاولات الاختطاف السياسي والعقائدي، وصون وحدة المجتمع البحريني بكل مكوناته.
ومن أهم ما جاء في هذا اللقاء أنَّ شيعة البحرين أقدمُ من مشروع ولاية الفقيه نفسه، وكانت لهم مرجعياتهم الوطنية والعربية المعروفة، قبل أن تحاول إيران تصدير مشروعها السياسي إلى المنطقة، لذا فإن المرحلة الراهنة تتطلب وعيًا وطنيًّا متماسكًا؛ لأن المواجهة اليوم لم تعد أمنية فقط، بل هي أيضًا معركة وعي وفكر وهوية.
وفي خضم ما كشف عنه العدوان الإيراني على البحرين ودول الخليج، فإن وحدة الخليج سياسيًّا وأمنيًّا وفكريًّا باتت ضرورة ملحة في مواجهة مشروع لا يخفي أطماعه التوسعية، ويحاول استغلال أي ثغرة داخل المجتمعات العربية لنشر نفوذه وأفكاره.
في النهاية، يبقى الوطن فوق كل اعتبار، وتبقى البحرين أكبر من كل محاولات الاختراق والاستهداف.. ومع سقوط الأقنعة، المصارحة والمكاشفة هي السبيل الأمضى في المحافظة على وحدة هذا الوطن.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك