مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
الـوطـن أولا.. وكلـنـا وراء مليكـنـا
في لحظات الخطر، تسقط الأقنعة، وتعلو الحقيقة فوق كل اعتبار.. هكذا جاءت كلمات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، واضحة، حازمة، لا تحتمل التأويل، ولا تترك مساحة للمناورة. حديث من القلب قال ما يجب أن يُقال: لا مجال للمواربة والمزايدة على الوطن في زمن الحرب.
لقد عبّرت الكلمة عن نبض الشارع، وعن وجدان كل بحريني شعر بالاستفزاز والغضب وهو يرى محاولات شق الصف الوطني في وقت تتعرض فيه مملكة البحرين لعدوان غاشم.
لم يكن غضب جلالة الملك إلا ترجمةً صادقةً لغضب الشعب؛ لأن القائد حين يغضب فإنه يغضبُ لوطنه، لا لنفسه، لأنه لا صوت يعلو على صوت الوطن.
هنا تتجلى الحقيقة الكبرى: غضب الملك من غضب الشعب؛ لأن التكاتف والترابط هو مفتاح صمود أي أمة في مواجهة الأزمات التي تهدد وجودها ومصالحها.
لقد جاء الحديث ليبرد قلب كل مواطن بحريني أدرك حجم الخطر، واستوعب الثمن الباهظ الذي يمكن أن تدفعه الأوطان عندما تُستهدف من الخارج، وتُطعن من الداخل.
ففي زمن كهذا، لا مكان للحياد، ولا عذر لمن يتخاذل أو يبرر أو يمجد ويهلل للعدوان على بلده، لا تهاون مع الخيانة، ولا تسامح مع من يضع يده في يد العدو.
البحرينُ لم تكن يومًا دولةً عابرةً، بل كانت ولا تزال واحةَ أمن وأمان واستقرار، بفضل قيادة حكيمة بذلت الغالي والنفيس من أجل نهضة هذا الوطن.
هذا الأمن الذي نعيشه ليس أمرًا مفروغًا منه، بل نعمةً عظيمةً، ومن لا يقدّرها فربما عليه أن يبحث عن مكان آخر؛ لأن الأوطان لا تُدار بمنطق الجحود.
حديث جلالة الملك قطع الطريق أمام كل محاولات التشكيك أو الاستهانة بمستقبل الوطن، لقد وضع الجميع أمام مسؤولياتهم، في وقت يجبُ أن يلتحم فيه الصف الوطني خلف القيادة، لا أن يتصدع بفعل مواقف غير مسؤولة.
وهنا نقولها بلا تردد: كلنا وراء مليكنا؛ لأننا ندرك أن وحدة الصف هي خط الدفاع الأول، وأنَّ أي خلل فيها هو هديةٌ مجانيةٌ لأعداءِ الوطن.
قيادتنا كانت ولا تزالُ تتبنى النهج الإنساني العميق في إدارة الأزمات، ولعل إشارة جلالة الملك إلى أن المملكةَ اتخذت إجراءات استباقية ووقائية لتجنب فرض إجراءات السلامة الوطنية أمرٌ يؤكد حرص القيادة على عدم نشر الهلع بين المواطنين والمقيمين.. إنها قمة الرأفة والرحمة، أنْ تحمي شعبك من دون أن ترهقه، وأنْ تديرَ الأزمة بحكمة توازنُ بين الحزم والطمأنينة.
لكن ما يحزُّ في النفس حقًّا أن يأتي الفهم الخاطئ من بعض من يُفترض أنهم أكثر وعيًا، هم بعضُ ممثلي الشعب، الذين كان يجبُ أن يكونوا في مقدمة الصفوف دفاعًا عن الوطن، لم يرتقوا إلى مستوى التحدي، تجاهلوا ما عُرض عليهم من حقائق، وما استمعوا إليه في اجتماعات رسمية مع الجهات المعنية، واختاروا مواقف لا تنسجم مع خطورة المرحلة، من أجل مزايدات انتخابية رخيصة، وهنا تكمن الخطورة، حين يتحول من يُفترض أن يكون درعًا للوطن إلى ثغرةٍ فيه.
لقد كان واضحًا أن جلالة الملك لم يغلق الباب، بل فتح نافذة للعودة، فمطالبته لهم بالاعتذار ليست إدانة بقدر ما هي فرصة، تعكسُ حرصه على إعادة توحيد الصف الوطني، وجلالته يمثل قيم القيادة الحقة من خلال منحه هؤلاء النواب فرصة لمراجعة الذات، لكنه في الوقت ذاته لا يساوم على الثوابت. ومن لا يدرك قيمة هذه الفرصة، فالتاريخ مليء بالدروس: في أزمنة الحروب، تُفرض إجراءات استثنائية لحماية الأوطان، ولا يُترك مصير الشعوب رهينة لحسابات ضيقة.
ولعلَّ استحضار التجارب التاريخية؛ كقانون الدفاع عن المملكة في بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى، يوضح أن الدول، مهما بلغت من الديمقراطية والانفتاح، تلجأُ في أوقات الخطر إلى إجراءات استثنائية لحماية نفسها، فكيف بوطنٍ يتعرضُ لعدوانٍ مباشرٍ، ويُطلبُ منه في الوقت ذاته أن يتهاونَ مع من يطعنونه من الداخل؟!
ورغم كل ما تعرضت له البحرين من اعتداءات، ظل المواطنُ والمقيمُ يعيشُ حياته بصورة طبيعية، وهذا ليس صدفة، بل نتيجة تضحيات جسام يقدمها رجالُ القوات المسلحة، والحرس الوطني، ووزارة الداخلية. هؤلاء هم الجنود المجهولون الذين يسهرون ليبقى الوطن آمنًا.
ولا يمكن إغفال الدور الكبير الذي تقوم به مؤسسات الدولة، على رأسها الحكومة بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في إدارة هذه المرحلة الدقيقة بحكمة واقتدار. فقد أثبتت البحرين أنها قادرة على مواجهة التحديات من دون أن تنزلق إلى الفوضى، وأنها تستطيع الحفاظَ على حياة طبيعية لمواطنيها والمقيمين فيها، رغم حجم التهديدات. وهذا لم يكن ليتحقق لولا الجهود الاستباقية، والتنسيق العالي بين مختلف الأجهزة.
إنَّ ما يحدثُ اليومَ هو اختبارٌ حقيقيٌّ، ليس فقط للدولة، بل لكل فردٍ، اختبارٌ يُفرزُ المواقفَ، ويكشفُ معادنَ الناسِ.
وقد صَدَقَ جلالةُ الملك حين أكّد أنَّ المواطن الصالح هو من يحمل وطنه في قلبه قبل أن يحمله على لسانه. فالوطنية ليست شعاراتٍ تُردد، بل أفعالا تُترجمُ على أرض الواقع.
اليوم، نحنُ أمام لحظة مفصلية، لحظة تتطلب وضوحًا لا لبس فيه: الوطن قيمة تعلو ولا يُعلى عليها. لا مجال للمساومة، ولا مكان للمزايدة، ولا وقت للحسابات الضيقة. إما أن تكون في صف الوطن، وإما خارجه، ولا منطقة رمادية في قضايا السيادة.
هذه الأزمة، رغم قسوتها، كاشفة. كشفت من يقفُ مع الوطن، ومن يقف عليه. لكنها في الوقت ذاته فرصة.. نعم فرصة، لتنقية الصف الوطني، وإعادة ترتيب الأولويات، وترسيخ حقيقة أن البحرين لأهلها المخلصين، وأنه لا مكان فيها لمن لا ولاء له.
وفي الختام، تبقى الكلمة الفصل: كلنا وراء مليكنا.. لأن الوطن ليس خيارًا، بل قدرًا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك