مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
حضارة توقفت قبل 47 عاما
قبل الحديث عن الهدنة الهشة التي نشهدها حاليا بين الولايات المتحدة وإيران، انصرف البعض إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول «القضاء على الحضارة الفارسية»، وهي العبارة التي تعكس عقلية قائلها الذي لا يدرك أن الحضارات في حقيقتها لا تُمحى بالقوة العسكرية، ولا تنتهي بضربة صاروخ أو حملة عسكرية، بل تضمحل حين تتوقف عن العطاء، وتفقد قدرتها على الإسهام في مسيرة الإنسانية.
والذي غاب عن ذهن ترامب والكثيرين أن إيران الحالية ليست امتدادًا لحضارة عريقة لم تكن يومًا بمعزل عن محيطها، بل كانت شريكًا فاعلا في تشكيل واحدة من أعظم التجارب الإنسانية، وهي الحضارة الإسلامية.
الحقائق تؤكد أن الحضارة الفارسية توقفت وذبلت منذ 47 عامًا، عندما انكفأت على أيديولوجيا ضيقة، وحين استبدلت دورها في البناء بدور في الهدم، وهذا تحديدًا ما حدث لإيران منذ عام 1979 من خلال تصدير عقلية الثورة الدائمة، ومنذ ذلك التحول لم يعد العالم يسمع عن إسهام إيراني نوعي في الحضارة الإنسانية، بقدر ما يسمع عن أزمات، وصراعات، وتدخلات.
وما لا يدركه القائمون على النظام الإيراني حاليا أن الإرث الفارسي لم يُبنَ ليُستخدم غطاءً لمشروع توسعي، ولا ليُختزل في شعارات سياسية تُرفع لتبرير التدخل في شؤون الآخرين.
منذ استيلاء رجال الدين على السلطة في إيران لم تعد الأولوية للتنمية، بل لتوسيع النفوذ، وهنا بدأت إيران تفقد تدريجيًّا مكانتها الحضارية، وتتحول إلى دولة إقليمية مثيرة للقلق بدل أن تكون شريكًا حضاريًّا.
وما نراه في لبنان، وفي سوريا، وفي العراق، وفي اليمن، ما هو إلا شواهد على دور إيران التخريبي، من خلال تغذية صراعات، وتعميق انقسامات، فلم تعد إيران تُعرف بما تقدمه للبشرية، بل بما تخلقه من أزمات في محيطها.
وهنا يكمن جوهر التراجع الحضاري الإيراني الذي انتقل من خانة الإسهام إلى مربع العبث والدمار.
النظام الإيراني لم يكتفِ بتصدير أزماته إلى الخارج، بل مارس القمع في الداخل، وقوّض مقومات مجتمعه، المرأة الإيرانية، التي كانت جزءًا من الحراك الثقافي والاجتماعي، أصبحت ضحية لقيود صارمة، وأي محاولة للاعتراض كانت تُقابل بالقمع، كما كشفت حادثة مهسا أميني، التي لم تكن سوى مثال صارخ على فجوة عميقة بين النظام وشعبه.
أما الشعارات الكبرى التي يرفعها النظام الايراني، على رأسها «الدفاع عن القضايا العربية والإسلامية»، فقد تحولت إلى أدوات دعائية، فالقضية الفلسطينية، التي تُستخدم بكثافة في الخطاب الإيراني، لم تكن يومًا بمنأى عن التوظيف السياسي، في وقت كانت فيه سياسات طهران على الأرض تُسهم في تفكيك دول عربية، بدلا من تعزيز قوتها، كما نرى في المشهد العراقي حاليا، وما حدث من اقتحام للقنصلية الكويتية بالعراق على يد أذناب نظام الملالي الإيراني، وهم يرفعون أعلام إيران، إلا دليلا دامغا على الممارسات السلبية لهذا النظام تجاه جيرانه .
ولعل ما يزيد المشهد وضوحًا أن إيران لم تعد تُخفي اعتمادها على أدوات غير تقليدية للنفوذ، من جماعات مسلحة إلى أوراق ضغط جيوسياسية، مثل التلويح بإغلاق الممرات البحرية الحيوية، وهذه ليست سلوكيات دولة تسعى لدور حضاري، بل ممارسات نظام يبحث عن أوراق مساومة كررها مرات عديدة طوال تاريخه.
إن ما يعيب المنطقة العربية على مدى عقود هو حالة الصمت أو التردد في مواجهة السياسات الإيرانية بوضوح، والتعاطي مع عدم احترام حسن الجوار من قبل سكان الساحل الفارسي بكثير من الصبر. ولكن اليوم، العدوان الإيراني كشف عن الوجه القبيح لطهران، وأطماعها التوسعية تجاه دول الخليج العربية، من خلال توجيه صواريخها ومسيراتها نحو كل رموز الحضارة والحداثة في دولنا، من خلال استهداف منشآت حيوية وأعيان مدنية، تحت ذرائع واهية.
الغدر الإيراني الذي تعرضنا له لن يمر سُدى، ويعيدنا إلى مئات المواقف الإيرانية السلبية ضد دولنا، التي تغاضينا عنها مرارًا وتكرارًا، لكن الواقع اليوم يفرض إعادة قراءة المشهد من دون مواربة: هناك فرق بين دولة تُسهم في الحضارة، ودولة تُوظف التاريخ لتبرير الحاضر.
الحضارة لا تُبنى بالمليشيات، ولا تُصان بالشعارات، ولا تُفرض بالقوة، الحضارة تُبنى بالعلم، والانفتاح، والإنسان.
وحين تعود إيران إلى هذا المسار، سيبقى القول قائمًا: لقد توقفت الحضارة الإيرانية منذ 47 عامًا، يوم انتصرت الأيديولوجيا على العقل، والثورة على الدولة، والصراع على البناء.
وفي ضوء المشهد الحالي، أقولها بكل وضوح، لا يمكن فصل أي تفاهمات جارية عن أمن المنطقة، وأي ترتيبات أو مفاوضات بين أمريكا وإيران لا تضمن لدول الخليج العربية الأمن والاستقرار بعيدًا عن ممارسات إيران فهي غير مقبولة، ولا بد أن تعي كل القوى الغربية أو الشرقية أن دول التعاون رقم مؤثر في معادلة الأمن والاستقرار بالمنطقة، ولا يمكن التعامل مع خسائرها من هذا العدوان على أنها خسائر هامشية، ولن نقبل أن يتم استرضاء أي طرف من أطراف الصراع الدائر على حسابنا.
وأقول لبعض الآذان غير الواعية، لا تنبهروا بما يردده الإعلام الإيراني من أكاذيب يحاول بها السيطرة على عقول مريديه، فالأيام كفيلة لكشف الحقيقة، حتى إن غابت في قلب كهوف جبال إيران.
على عرب الخليج، حكوماتٍ وشعوبًا، أن يكونوا على قدر من اليقظة بأنه لا يوجد في إيران رجلٌ واحدٌ يعترف به الشعب الإيراني كرجل دولة قادر على قيادة المرحلة المقبلة. وقد سألني أحد العقلاء: هل من الممكن في مثل هذه الظروف أن يبرز على المسرح السياسي الإيراني رجل يشبه كمال أتاتورك في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية؟
ويجب أن يعلم الجميع أن المرحلة المقبلة في إيران تنذر بمزيد من الصراعات الداخلية على السلطة، وخاصةً مع تراجع دور رجالات الدين وبزوغ هيمنة الحرس الثوري على المشهد، الذي رسمه الملالي كالفسيفساء لحماية نظامهم، وإذا ما سقطت قطعة من هذه الفسيفساء فسوف تنهار جميعها بفعل الصراع الداخلي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك