مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
الخاســر الأكبــر
في «بورصة الحروب» يخرج الجميع معلنًا الانتصار، وتتزاحم الخطابات على وقع الدعاية التي تستهدف الاستهلاك المحلي، لكن الحقيقة الأكثر ثباتًا أن الحروب لا تُنتج منتصرين بقدر ما تُخلّف خاسرين.. وفي كثير من الأحيان، هناك خاسرٌ أكبر.
ونحن على أعتاب نهاية الفترة الممددة لهدنة المواجهة الأمريكية - الإسرائيلية - الإيرانية، يبدو أن «الخاسر الأكبر» هو إيران، ليس على مستوى الجغرافيا فحسب، بل في عمق الاقتصاد والبنية السياسية والاجتماعية.
منذ اللحظة الأولى، لم تكن المعركة عسكرية فقط، بل اقتصادية بامتياز، ومع استمرار الحصار الأمريكي لمضيق هرمز، وهو الشريان الحيوي لتدفق الطاقة عالميًّا، تجد إيران نفسها أمام معادلة قاسية: «نفط بلا مشترين، وخزانات ممتلئة في جزيرة خرج، وعوائد تتآكل يوميًّا»؛ إذ لا تتمكن طهران من توصيل مبيعات نفطها إلى الخارج.
وقد صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من هذا التصور بإعلانه أن طهران تخسر نحو 500 مليون دولار يوميًّا، في رقم يعكس حجم النزيف الاقتصادي الإيراني أكثر مما يعكس مجرد تقدير سياسي.
هذا الضغط لا يقف عند حدود الأرقام، بل يتسلل الخوف إلى تفاصيل الحياة اليومية الإيرانية، فمع تراجع الإيرادات وتعطل الصادرات، تصبح قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها -على رأسها دفع الرواتب- محل تساؤل.
وهنا تتقاطع السياسة بالأمن؛ إذ إن تأخر أو تعثر رواتب مؤسسات حساسة مثل الحرس الثوري والجيش قد يفتح الباب أمام تململ داخلي، وربما انشقاقات صامتة تتسع تدريجيًّا، وخصوصًا في ظل بيئة اقتصادية خانقة.
ولم تعد الخسارة مقتصرة على الداخل، بل بدأت تطول أحد أهم أدوات القوة الإيرانية في الخارج؛ هي شبكة الوكلاء. فمع تضييق الخناق الاقتصادي، تتراجع قدرة طهران على تمويل هذه الشبكات، ما يهدد بتآكل نفوذها الإقليمي تدريجيًّا، ويفقدها إحدى أهم أوراقها في إدارة الصراع. فهذه الشبكات، التي اعتمدت بدرجة كبيرة على الدعم المالي والعسكري الإيراني، قد تجد نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها تقليص أنشطتها أو إعادة حساباتها، وهو ما يفتح الباب أمام تحولات في موازين القوى الإقليمية.
الصحافة الإيرانية نفسها لم تُخفِ هذه المخاوف؛ فقد أشارت صحيفة «دنياي اقتصاد» إلى أن البلاد تدخل مرحلة «لا حرب ولا سلم»، وهي المرحلة الأخطر، إذ تستمر الضغوط من دون حسم. ووفق هذه القراءة، فإن الضربة الأمريكية - الإسرائيلية لم تُخلّف فقط أضرارًا مادية، بل أطلقت موجة قلق عميقة بشأن التضخم. فبعد أن بلغ معدل التضخم مستويات غير مسبوقة، وصلت إلى 71.8% في فبراير الماضي، تبرز توقعات قاتمة بإمكانية وصوله إلى 132% في حال غياب أي اتفاق أو انفراجة سياسية. ورغم أن جذور التضخم تعود جزئيًّا إلى سياسات داخلية، فإن الحرب فاقمتها ودفعتها إلى حافة الانفجار.
ومع تفاقم التضخم، تتسع فجوة العجز في الميزانية، ما يعني تقليص الإنفاق، وزيادة الضرائب، وربما اللجوء إلى طباعة النقد، وهي وصفة كلاسيكية لتآكل العملة وارتفاع الأسعار.
وفي هذه الدائرة المغلقة، يصبح المواطن الإيراني الحلقة الأضعف، إذ تتآكل القدرة الشرائية، وتزداد الضغوط الاجتماعية، ما يرفع احتمالات الاحتجاجات أو الاضطرابات.
غير أن الخسارة لا تقتصر على الداخل؛ فعلى الصعيد الإقليمي، ستحتاج إيران إلى سنوات طويلة لإعادة ترميم علاقاتها مع دول الجوار الخليجي، وخاصة بعد العدوان الإيراني الذي طال دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ فالثقة، التي تُعد عملة نادرة في العلاقات الدولية، تعرضت لهزة عميقة، وستكون استعادتها عملية بطيئة ومعقدة.
في البحرين، برزت أصوات تدعو إلى مقاطعة المنتجات الإيرانية وفرض عزلة اقتصادية على طهران، في مؤشر على تصاعد المزاج الشعبي الرافض لأي انفتاح في المدى القريب. أما في الإمارات العربية المتحدة، التي تحتضن جالية إيرانية كبيرة تُقدّر بنحو 600 ألف شخص، فقد ظهرت دعوات لإعادة النظر في هذا الوجود، وقطع أوجه التعاون الاقتصادي، وهو تطور -إن تحقق- سيحرم إيران من إحدى أهم نوافذها التجارية والمالية.
واستمرار حالة «لا حرب ولا سلم» الحالية، مع بقاء العقوبات والضغوط، قد يؤدي إلى تآكل تدريجي للاقتصاد الإيراني، وارتفاع التضخم، وتزايد الضغوط الاجتماعية، من دون انهيار كامل، لكنه استنزاف بطيء ومُكلف.
ومع تفاقم الأزمات إلى حد العجز عن دفع الرواتب أو السيطرة على الأسعار، يُفتح الباب أمام احتجاجات واسعة، وربما انقسامات داخل مؤسسات الدولة، وهو السيناريو الأكثر خطورة على استقرار النظام.
في الختام، الحروب لا تنتهي حين تصمت المدافع، بل حين تبدأ الشعوب في دفع الفاتورة، وستبقى كلفة الصراع حاضرة سنوات، وسيكون الداخل الإيراني ساحة المعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة؛ وذلك لأن النظام الذي يتحكم في إيران اليوم هو نظام لا يكترث بالإنسان، ويدير معركته بعقلية أن الأمة -الشعب الإيراني- هي الوقود، أو عقلية الشخص الانتحاري الذي لا يفكر سوى في نفسه ولا يهتم بغيره، إما أن يبقى على رأس السلطة وإما أن يترك بلدا مُحطمًا ومُدمرًا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك