العدد : ١٧٥٦٦ - الاثنين ٢٧ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٦ - الاثنين ٢٧ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

الخاســر الأكبــر

في‭ ‬‮«‬بورصة‭ ‬الحروب‮»‬‭ ‬يخرج‭ ‬الجميع‭ ‬معلنًا‭ ‬الانتصار،‭ ‬وتتزاحم‭ ‬الخطابات‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬الدعاية‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المحلي،‭ ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬الأكثر‭ ‬ثباتًا‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬لا‭ ‬تُنتج‭ ‬منتصرين‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تُخلّف‭ ‬خاسرين‭.. ‬وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬هناك‭ ‬خاسرٌ‭ ‬أكبر‭.‬

ونحن‭ ‬على‭ ‬أعتاب‭ ‬نهاية‭ ‬الفترة‭ ‬الممددة‭ ‬لهدنة‭ ‬المواجهة‭ ‬الأمريكية‭ - ‬الإسرائيلية‭ - ‬الإيرانية،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الخاسر‭ ‬الأكبر‮»‬‭ ‬هو‭ ‬إيران،‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الجغرافيا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والبنية‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭.‬

منذ‭ ‬اللحظة‭ ‬الأولى،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬المعركة‭ ‬عسكرية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬اقتصادية‭ ‬بامتياز،‭ ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬الحصار‭ ‬الأمريكي‭ ‬لمضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وهو‭ ‬الشريان‭ ‬الحيوي‭ ‬لتدفق‭ ‬الطاقة‭ ‬عالميًّا،‭ ‬تجد‭ ‬إيران‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬قاسية‭: ‬‮«‬نفط‭ ‬بلا‭ ‬مشترين،‭ ‬وخزانات‭ ‬ممتلئة‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬خرج،‭ ‬وعوائد‭ ‬تتآكل‭ ‬يوميًّا»؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تتمكن‭ ‬طهران‭ ‬من‭ ‬توصيل‭ ‬مبيعات‭ ‬نفطها‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭.‬

وقد‭ ‬صعّد‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬بإعلانه‭ ‬أن‭ ‬طهران‭ ‬تخسر‭ ‬نحو‭ ‬500‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬يوميًّا،‭ ‬في‭ ‬رقم‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬النزيف‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الإيراني‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬مجرد‭ ‬تقدير‭ ‬سياسي‭.‬

هذا‭ ‬الضغط‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الأرقام،‭ ‬بل‭ ‬يتسلل‭ ‬الخوف‭ ‬إلى‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬فمع‭ ‬تراجع‭ ‬الإيرادات‭ ‬وتعطل‭ ‬الصادرات،‭ ‬تصبح‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬الإيفاء‭ ‬بالتزاماتها‭ -‬على‭ ‬رأسها‭ ‬دفع‭ ‬الرواتب‭- ‬محل‭ ‬تساؤل‭.‬

وهنا‭ ‬تتقاطع‭ ‬السياسة‭ ‬بالأمن؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬تأخر‭ ‬أو‭ ‬تعثر‭ ‬رواتب‭ ‬مؤسسات‭ ‬حساسة‭ ‬مثل‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬والجيش‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تململ‭ ‬داخلي،‭ ‬وربما‭ ‬انشقاقات‭ ‬صامتة‭ ‬تتسع‭ ‬تدريجيًّا،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬بيئة‭ ‬اقتصادية‭ ‬خانقة‭.‬

ولم‭ ‬تعد‭ ‬الخسارة‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬الداخل،‭ ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬تطول‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أدوات‭ ‬القوة‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬الخارج؛‭ ‬هي‭ ‬شبكة‭ ‬الوكلاء‭. ‬فمع‭ ‬تضييق‭ ‬الخناق‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬تتراجع‭ ‬قدرة‭ ‬طهران‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬هذه‭ ‬الشبكات،‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬بتآكل‭ ‬نفوذها‭ ‬الإقليمي‭ ‬تدريجيًّا،‭ ‬ويفقدها‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬أوراقها‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع‭. ‬فهذه‭ ‬الشبكات،‭ ‬التي‭ ‬اعتمدت‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الدعم‭ ‬المالي‭ ‬والعسكري‭ ‬الإيراني،‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭ ‬يفرض‭ ‬عليها‭ ‬تقليص‭ ‬أنشطتها‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬حساباتها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تحولات‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭.‬

الصحافة‭ ‬الإيرانية‭ ‬نفسها‭ ‬لم‭ ‬تُخفِ‭ ‬هذه‭ ‬المخاوف؛‭ ‬فقد‭ ‬أشارت‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬دنياي‭ ‬اقتصاد‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬البلاد‭ ‬تدخل‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬لا‭ ‬حرب‭ ‬ولا‭ ‬سلم‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬المرحلة‭ ‬الأخطر،‭ ‬إذ‭ ‬تستمر‭ ‬الضغوط‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حسم‭. ‬ووفق‭ ‬هذه‭ ‬القراءة،‭ ‬فإن‭ ‬الضربة‭ ‬الأمريكية‭ - ‬الإسرائيلية‭ ‬لم‭ ‬تُخلّف‭ ‬فقط‭ ‬أضرارًا‭ ‬مادية،‭ ‬بل‭ ‬أطلقت‭ ‬موجة‭ ‬قلق‭ ‬عميقة‭ ‬بشأن‭ ‬التضخم‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬بلغ‭ ‬معدل‭ ‬التضخم‭ ‬مستويات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬71‭.‬8‭%‬‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬الماضي،‭ ‬تبرز‭ ‬توقعات‭ ‬قاتمة‭ ‬بإمكانية‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬132‭%‬‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬غياب‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬أو‭ ‬انفراجة‭ ‬سياسية‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬جذور‭ ‬التضخم‭ ‬تعود‭ ‬جزئيًّا‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬داخلية،‭ ‬فإن‭ ‬الحرب‭ ‬فاقمتها‭ ‬ودفعتها‭ ‬إلى‭ ‬حافة‭ ‬الانفجار‭.‬

ومع‭ ‬تفاقم‭ ‬التضخم،‭ ‬تتسع‭ ‬فجوة‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬الميزانية،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬تقليص‭ ‬الإنفاق،‭ ‬وزيادة‭ ‬الضرائب،‭ ‬وربما‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬طباعة‭ ‬النقد،‭ ‬وهي‭ ‬وصفة‭ ‬كلاسيكية‭ ‬لتآكل‭ ‬العملة‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬الدائرة‭ ‬المغلقة،‭ ‬يصبح‭ ‬المواطن‭ ‬الإيراني‭ ‬الحلقة‭ ‬الأضعف،‭ ‬إذ‭ ‬تتآكل‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية،‭ ‬وتزداد‭ ‬الضغوط‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬احتمالات‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬أو‭ ‬الاضطرابات‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الخسارة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الداخل؛‭ ‬فعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬الإقليمي،‭ ‬ستحتاج‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬لإعادة‭ ‬ترميم‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬الخليجي،‭ ‬وخاصة‭ ‬بعد‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬طال‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية؛‭ ‬فالثقة،‭ ‬التي‭ ‬تُعد‭ ‬عملة‭ ‬نادرة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬تعرضت‭ ‬لهزة‭ ‬عميقة،‭ ‬وستكون‭ ‬استعادتها‭ ‬عملية‭ ‬بطيئة‭ ‬ومعقدة‭.‬

في‭ ‬البحرين،‭ ‬برزت‭ ‬أصوات‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬مقاطعة‭ ‬المنتجات‭ ‬الإيرانية‭ ‬وفرض‭ ‬عزلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬على‭ ‬طهران،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬تصاعد‭ ‬المزاج‭ ‬الشعبي‭ ‬الرافض‭ ‬لأي‭ ‬انفتاح‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬القريب‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة،‭ ‬التي‭ ‬تحتضن‭ ‬جالية‭ ‬إيرانية‭ ‬كبيرة‭ ‬تُقدّر‭ ‬بنحو‭ ‬600‭ ‬ألف‭ ‬شخص،‭ ‬فقد‭ ‬ظهرت‭ ‬دعوات‭ ‬لإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوجود،‭ ‬وقطع‭ ‬أوجه‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وهو‭ ‬تطور‭ -‬إن‭ ‬تحقق‭- ‬سيحرم‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬نوافذها‭ ‬التجارية‭ ‬والمالية‭.‬

واستمرار‭ ‬حالة‭ ‬‮«‬لا‭ ‬حرب‭ ‬ولا‭ ‬سلم‮»‬‭ ‬الحالية،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬العقوبات‭ ‬والضغوط،‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬تدريجي‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الإيراني،‭ ‬وارتفاع‭ ‬التضخم،‭ ‬وتزايد‭ ‬الضغوط‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬انهيار‭ ‬كامل،‭ ‬لكنه‭ ‬استنزاف‭ ‬بطيء‭ ‬ومُكلف‭.‬

ومع‭ ‬تفاقم‭ ‬الأزمات‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬دفع‭ ‬الرواتب‭ ‬أو‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الأسعار،‭ ‬يُفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬احتجاجات‭ ‬واسعة،‭ ‬وربما‭ ‬انقسامات‭ ‬داخل‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬وهو‭ ‬السيناريو‭ ‬الأكثر‭ ‬خطورة‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬النظام‭.‬

في‭ ‬الختام،‭ ‬الحروب‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬حين‭ ‬تصمت‭ ‬المدافع،‭ ‬بل‭ ‬حين‭ ‬تبدأ‭ ‬الشعوب‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬الفاتورة،‭ ‬وستبقى‭ ‬كلفة‭ ‬الصراع‭ ‬حاضرة‭ ‬سنوات،‭ ‬وسيكون‭ ‬الداخل‭ ‬الإيراني‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة؛‭ ‬وذلك‭ ‬لأن‭ ‬النظام‭ ‬الذي‭ ‬يتحكم‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬نظام‭ ‬لا‭ ‬يكترث‭ ‬بالإنسان،‭ ‬ويدير‭ ‬معركته‭ ‬بعقلية‭ ‬أن‭ ‬الأمة‭ -‬الشعب‭ ‬الإيراني‭- ‬هي‭ ‬الوقود،‭ ‬أو‭ ‬عقلية‭ ‬الشخص‭ ‬الانتحاري‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفكر‭ ‬سوى‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬ولا‭ ‬يهتم‭ ‬بغيره،‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬السلطة‭ ‬وإما‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬بلدا‭ ‬مُحطمًا‭ ‬ومُدمرًا‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا