مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
إلى متى المجاملات؟!
في أحد اللقاءات التي جمعتني مع السفير كليمنس أوغستينوس هاخ سفير الجمهورية الألمانية لدى البحرين السابق دار بيننا حديث صريح حول رؤيتنا للأوضاع الإقليمية والدولية، وشرحت له بصدق تحفظاتنا تجاه الرؤية الغربية القاصرة حول منطقتنا، لأفاجأ به يقول لي إن هذه المرة الأولى التي أسمع هذا الكلام بهذه الصراحة.
بالفعل إنَّ العقلية العربية في بعض الأحيان يغلب عليها الخجل في التعبير عن شواغلها مع القوى الكبرى، وهو الخطأ الذي ندفع ثمنه كثيرًا، في عدم تقدير هذه القوى لمصالحنا وهي تخطط لمستقبل العالم، متجاهلة التحذيرات الخليجية من مخاطر التمدد الإيراني سنوات، حتى وصلنا إلى نظام يتعمد اختطاف مضيق هرمز على مرأى ومسمع من الجميع بالمخالفة للقوانين الدولية المنظمة لحركة الملاحة البحرية، من أجل شل سلاسل الإمداد.
الحقيقة تقول إنه لا وقت للمجاملات السياسية؛ لأن ما تعرضت له منطقتنا من اعتداءات غاشمة آثمة من إيران خلال حرب الـ40 يوما لا يمكن قبول أن تمر نتائجه مرور الكرام، أو تقبل تكراره في المستقبل؛ لأن هذه المنطقة ثبُت بما لا يدع مجالا للشك أنها عصب الاقتصاد العالمي.
إننا وإذ نحتفل بذكرى تأسيس مجلس التعاون، يجب علينا أن نخط معا رؤية استراتيجية مشتركة تجاه التعامل مع الإقليم والعالم، وفق مصالح حاكمة لشعوب هذه المنطقة.
علينا أن ندرك أن العالم اليوم يفهم لغة المصالح عبر الاقتصاد والتجارة أكثر من الخطاب السياسي المجرد، والأرقام تؤكد أن الناتج المحلي الإجمالي الجاري لدول مجلس التعاون بلغ نحو 2.4 تريليون دولار في عام 2025م، ما يضع اقتصادات المجلس ضمن القوى الاقتصادية المؤثرة عالميًّا؛ لذا فإن علينا أن نقدر ما تتمتع به دولنا، وألا نقبل بالعبث في حقوقنا لترسيخ مكانتنا على المستويين الإقليمي والعالمي.
وأي رؤية خليجية مشتركة لا يمكن أن تحقق أهدافها إلا من خلال بناء وعي مجتمعي خليجي أكثر إدراكًا لحجم التحديات المحيطة بالمنطقة، إلى جانب دور الإعلام المسؤول والخطاب الثقافي والتعليمي في ترسيخ الهوية الخليجية المشتركة، باعتبارها أحد أهم عناصر القوة والاستقرار في مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية.
لقد أثبتت التجارب أن التحديات التي تواجه المنطقة اليوم باتت أكبر من قدرة أي دولة على التعامل معها بصورة منفردة، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو السياسي، كما أن أي تراجع في مستويات التنسيق والتكامل الخليجي يمنح القوى الطامعة فرصة أكبر للتدخل والتأثير، وهو ما يفرض ضرورة التعامل مع أمن الخليج واستقراره باعتباره مسؤولية جماعية ومصيرًا مشتركًا لا يحتمل التردد أو الحسابات الضيقة.
ويجب أن نشير إلى أن المنطقة التي تؤثر بشكل مباشر في أسواق الطاقة والغذاء والتجارة العالمية لا يجوز أن تبقى مجرد ساحة لتلقي القرارات الدولية أو التكيف معها، بل يجب أن تكون شريكًا فاعلا في صياغة التوازنات الدولية ورسم ملامح المستقبل، انطلاقًا مما تمتلكه من ثقل اقتصادي وموقع استراتيجي وقدرات سياسية متنامية.
ففي الوقت الذي تدور فيه رحى الوصول إلى اتفاق أمريكي إيراني على الأبواب، يجب ألا يكون خجلنا عائقا جديدا في تجاهل مصالحنا الخليجية، حتى لا تتكرر إشكالية اتفاق 5+1 الذي أبرمه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، من دون أن يضع في حساباته مخاطر التهديدات الإيرانية لدولنا. لذلك فإن الرئيس الأمريكي ترامب ملزمٌ بأن يراعي أمن دول الخليج العربية في أي اتفاق مستقبلي مع الإيرانيين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك