مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
رسالة لاريجاني الأخيرة بين المظلومية والاستجداء.. وإنكار الحقيقة
كنت قد شرعت في كتابة هذا المقال قبل إعلان إسرائيل قتل علي لاريجاني أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، للوقوف على الفكر الإيراني في هذه الأحداث التي تعصف بالمنطقة، وخاصة أن لاريجاني كان الرجل القوي في أروقة النظام الإيراني ما بعد علي خامنئي، ومن المعروف أنه كان المعارض الوحيد لتنصيب مجتبى خامنئي مرشدا لإيران خلفًا لوالده.
مع العلم أن إصرار إسرائيل على استهداف لاريجاني لأنه كان الرجل الوحيد القادر على إدارة دفة الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا هو ديدان الاستخبارات الإسرائيلية التي تقطع الطريق على أي سبل للحوار والدبلوماسية كما فعلت مع إسحاق رابين في الخامس من نوفمبر 1995، الذي كان قاب قوسين أو أدنى من إتمام عملية سلام مع الفلسطينيين.
وأعود هنا لاستعراض بعض من المحاور التي جاءت في رسالة لاريجاني الأخيرة، تلك الرسالة التي جاءت بعد أيام قليلة من الرسالة المنسوبة إلى مجتبى خامنئي، المرشد الإيراني الجديد، هاتان الرسالتان تلخصان حالة النظام الإيراني المترنح في هذا التوقيت، ولكنه مازال يعاني من اختلال في إدارة الصراع وتوجيهه إلى الساحة الخاطئة.
لاريجاني وجه كلماته إلى المسلمين في محاولة بائسة لتسويق رواية إيرانية للمشهد الدائر في المنطقة.
غير أن القراءة المتأنية لهذه الرسالة تكشف أنها لا تقتصر على عرض موقف سياسي، بل تمثل محاولة لإعادة صياغة السردية الإقليمية للحرب عبر توظيف خطاب ديني وسياسي يقوم على ادعاء المظلومية واستدرار التعاطف الإسلامي، في وقت تواجه فيه طهران عزلة إقليمية متزايدة وتحديات داخلية وخارجية متراكمة.
لاريجاني، الذي تنقل سنوات بين الحمائم والصقور في النظام الإيراني، سعى إلى ترسيخ صورة إيران بوصفها ضحية لمؤامرة.
هذا الطرح يتجاهل السياق الأوسع للتوترات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، التي ارتبطت إلى حد كبير بسياسات إيرانية توسعية اعتمدت على بناء شبكات نفوذ عابرة للحدود، ودعم جماعات مسلحة في عدد من الدول العربية.
طهران تكرر المغالطات الدائمة في محاولة تبرير استهدافها أراضي دول مجلس التعاون الخليجي، بادعاء استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة.
غير أن هذا الطرح يقوم في جوهره على ادعاء لا يستند إلى وقائع؛ فدول الخليج العربية أكدت مرارًا أن أراضيها لم تُستخدم في أي عمليات عسكرية تستهدف إيران، وأنها التزمت بسياسة واضحة تقوم على تجنيب المنطقة الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.
والأخطر من ذلك أن الهجمات العدائية التي شنتها طهران طالت منشآت مدنية وبنية تحتية حيوية في دول الخليج، وأدت إلى سقوط ضحايا مدنيين وإصابة آخرين، وهو ما يثير إشكالا قانونيا وأخلاقيا مضاعفًا، لا يتعلق فقط بانتهاك سيادة الدول، بل أيضًا باستهداف الأعيان المدنية وتعريض حياة المدنيين للخطر.
ومن المفارقات اللافتة أن لاريجاني ومجتبى خامنئي أعادا استخدام منهج الهجوم المتكرر على الولايات المتحدة الأمريكية ووصفها بـ«الشيطان الأكبر»، وهو توصيف ظل حاضرًا في الخطاب السياسي الإيراني منذ عقود، غير أن هذا الخطاب يتجاهل مفارقة واضحة، أن علاقة طهران وواشنطن اتسمت دائما بالود منذ عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وقدمت الولايات المتحدة الأمريكية دعما لإيران في حربها ضد العراق، كما تعاونا في أفغانستان والعراق فيما بعد، وهذه المفارقة تعكس التناقض الذي يطبع كثيرًا من الخطاب السياسي الإيراني.
الجانب الأكثر دلالة في رسالة لاريجاني يتمثل في توظيف الخطاب الديني لاستدرار التعاطف الإسلامي، متجاهلا واقعًا سياسيا تشكل عبر سنوات، إذ ارتبط الدور الإقليمي لإيران، في نظر عدد كبير من الدول العربية والإسلامية، بتدخلات عميقة في شؤونها الداخلية، ودعم جماعات مسلحة، والمساهمة في صراعات دامية داخل عدة عواصم عربية.
ويبدو أن الخسائر الإيرانية من الحرب كبيرة، إلى الحد الذي أوصل قيادتها إلى محاولة الاستجداء السياسي وكسر العزلة الإقليمية، أكثر من كونها دعوة حقيقية لوحدة العالم الإسلامي.
ولا يمكن قراءة الرسالة الأخيرة للاريجاني بمعزل عن التطورات الدولية الأخيرة، في مقدمتها قرار مجلس الأمن الذي أدان الاعتداءات الإيرانية، وهو القرار الذي حظي بدعم واسع من 136 دولة حول العالم. وهو ما يعكس بوضوح حجم العزلة السياسية التي تواجهها طهران على الساحة الدولية، ويضع الرسالة التي وجهها لاريجاني في إطار محاولة لتخفيف وطأة هذه العزلة عبر استدعاء خطاب التضامن الإسلامي.
وفي النهاية، فإن الرسائل السياسية التي تُكتب بلغة المظلومية والاستنجاد قد تنجح أحيانًا في إثارة التعاطف، لكنها لا تستطيع تغيير الحقائق على الأرض؛ فالدول تُقاس بسياساتها وسلوكها الإقليمي، لا بخطاباتها الدعائية.
إن الحقائق تقدر بالحقائق، فطهران حين طردت شاه إيران كانت من الدول المتقدمة ماليا وصناعيا إلى أبعد الحدود، وجاءت باسم الثورة الإسلامية، وأعدمت من رجال الفكر والصناعة والثقافة ما يقارب 48 ألف شخص، بحسب اعتراف مدير سجن «إيفين» في إيران أسد الله لاجاوردي، خلال مقابلته مع إحدى الصحف البريطانية في أوائل ثمانينيات القرن الماضي.
على من تبقى من قيادات إيران أن ينظروا إلى التقدم الصناعي والعمراني الذي يحاولون استهدافه بضرباتهم الغاشمة، وأن ينظروا كذلك إلى فرص العمل المتاحة في الضفة العربية من الخليج مقارنة بالقحط الرزقي وفرص العمل على الشاطئ الفارسي من الخليج.
ربما هذه المقارنة تسهم في استيعابهم حجم الأذية التي تسببوا بها لشعبهم، وكيف أنهم أوقفوا عجلة التقدم في بلدهم، باستثناء تصدير شعار الثورة التي انجرف وراءها الشباب، سواء في العراق أو اليمن أو لبنان أو سوريا، إلى الموت. فنحن بلدان دعت إلى السلام والبناء والتنمية، وأنتم تدعون إلى الموت والفناء.
خطابات إيران التي تستجدي الشعوب الإسلامية من جديد بدعوى أنهم يواجهون أمريكا وإسرائيل تتغافل عن المغالطات، كما أنها تحاول حصر المشهد في خيارين فقط: إما الوقوف مع إيران وإما الاصطفاف مع «الأعداء»، متجاهلة وجود مواقف مستقلة لدول تسعى إلى الاستقرار بعيدًا عن الاستقطاب.
هذه المغالطات مجتمعة تسعى من خلالها طهران إلى تكرار سردية محددة، حتى لو تعارضت مع الوقائع.. ولكن الحقائق ستظل حاضرة في أذهاننا، ولن ننسى جرائم الهجمات الإيرانية العدائية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك