العدد : ١٧٦٢٢ - الاثنين ٢٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٢ - الاثنين ٢٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ محرّم ١٤٤٨هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

البحرين.. عروبة عصية على التزييف

البحرين‭ ‬وطنٌ‭ ‬عربيٌّ‭ ‬ضاربٌ‭ ‬في‭ ‬جذور‭ ‬التاريخ،‭ ‬كَتَبت‭ ‬عروبته‭ ‬أمواجُ‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُدوَّن‭ ‬في‭ ‬وثائق‭ ‬السياسة،‭ ‬وحفظتها‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأمة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُقرها‭ ‬المواثيق‭ ‬الدولية،‭ ‬ومنذ‭ ‬فجر‭ ‬الحضارات‭ ‬كانت‭ ‬البحرين‭ ‬امتدادًا‭ ‬طبيعيًّا‭ ‬لعمقها‭ ‬العربي،‭ ‬وستظل‭ ‬كذلك‭ ‬مهما‭ ‬حاولت‭ ‬أبواق‭ ‬الدعاية‭ ‬الإيرانية‭ ‬النفخ‭ ‬في‭ ‬رماد‭ ‬أوهامٍ‭ ‬لفظها‭ ‬التاريخ‭ ‬وأسقطها‭ ‬القانون‭.‬

ورغم‭ ‬أنَّ‭ ‬الحقائق‭ ‬لا‭ ‬تتبدل‭ ‬بتكرار‭ ‬الأكاذيب،‭ ‬يعود‭ ‬الإعلام‭ ‬الإيراني،‭ ‬على‭ ‬رأسه‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬كيهان‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬اجترار‭ ‬مزاعمه‭ ‬بشأن‭ ‬البحرين،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لصرف‭ ‬الأنظار‭ ‬عن‭ ‬الأزمات‭ ‬والضغوط‭ ‬التي‭ ‬يواجهها‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬عبر‭ ‬إثارة‭ ‬ملفات‭ ‬تجاوزها‭ ‬التاريخ‭ ‬وحسمها‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭. ‬

ويؤكد‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬أنَّ‭ ‬نظام‭ ‬الملالي‭ ‬لم‭ ‬يتخلَّ‭ ‬عن‭ ‬سياسته‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬دول‭ ‬الجوار،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬محاولاته‭ ‬المستمرة‭ ‬لإثارة‭ ‬الفتن‭ ‬وبث‭ ‬الانقسام‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬وقياداتها‭.‬

وقد‭ ‬شكّل‭ ‬الموقف‭ ‬البحريني‭ ‬الثابت‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مواقفه‭ ‬الراسخة‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬أمن‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬والأردن،‭ ‬محطةً‭ ‬جديدة‭ ‬تُجسد‭ ‬تمسك‭ ‬المملكة‭ ‬بعروبتها،‭ ‬وتؤكد‭ ‬فشل‭ ‬كل‭ ‬المحاولات‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬هويتها‭ ‬الوطنية‭ ‬أو‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬سيادتها‭.‬

وأقول‭ ‬هنا‭ ‬لحسين‭ ‬شريعتمداري‭ ‬رئيس‭ ‬تحرير‭ ‬‮«‬كيهان‮»‬‭ ‬الإيرانية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬البحرين‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تقرأ‭ ‬التاريخ‭ ‬بعمق،‭ ‬وخاصة‭ ‬تاريخ‭ ‬عائلة‭ ‬‮«‬شريعتمداري‮»‬،‭ ‬فكما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬فإن‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬محمد‭ ‬كاظم‭ ‬شريعتمداري‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬وقفوا‭ ‬ضد‭ ‬‮«‬الخميني‮»‬‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬ينادي‭ ‬بأن‭ ‬يبتعد‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬السياسة،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬أجبره‭ ‬النظام‭ ‬الحالي‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬وحيدًا‭ ‬حتى‭ ‬تُوفى‭.‬

فإذا‭ ‬كنت‭ ‬تنتمي‭ ‬حقا‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬العائلة،‭ ‬فمن‭ ‬دون‭ ‬شك‭ ‬أنك‭ ‬بعيد‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬المُثل‭ ‬والقيم‭ ‬والمبادئ‭ ‬التي‭ ‬دفع‭ ‬‮«‬كاظم‭ ‬شريعتمداري‮»‬‭ ‬ثمنًا‭ ‬لها،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬خلع‭ ‬على‭ ‬الخميني‭ ‬رتبة‭ ‬‮«‬آية‭ ‬الله‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬ينقذه‭ ‬من‭ ‬الإعدام‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الشاه‭.‬

ومع‭ ‬الأسف‭ ‬الشديد،‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬الخميني‭ ‬مع‭ ‬الرجل‭ ‬ينطبق‭ ‬عليه‭ ‬المثل‭ ‬العربي‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬المعروف‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬أهله‮»‬‭.‬

يا‭ ‬حسين‭ ‬شريعتمداري،‭ ‬إن‭ ‬خطابكم‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬جهلا‭ ‬بالتاريخ‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬إصرارًا‭ ‬على‭ ‬تجاهل‭ ‬الحقائق،‭ ‬فعليك‭ ‬أن‭ ‬تعلم‭ ‬إن‭ ‬الدولة‭ ‬الخليفية‭ ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬عام‭ ‬1783؛‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬أقدم‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬القاجارية‭ ‬والدولة‭ ‬البهلوية‭ ‬وسنوات‭ ‬حكم‭ ‬الملالي‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬جميعًا،‭ ‬فمؤسس‭ ‬الدولة‭ ‬القاجارية‭ ‬‮«‬أقا‭ ‬محمد‭ ‬خان‮»‬‭ ‬خطط‭ ‬بالتشاور‭ ‬مع‭ ‬مستشاره‭ ‬‮«‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬جعفر‭ ‬تنكابني‮»‬‭ ‬فكرة‭ ‬تأسيس‭ ‬الدولة‭ ‬القاجارية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1791،‭ ‬وهذا‭ ‬مذكور‭ ‬وموثق‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬عن‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬خان‭ ‬قاجار‮»‬‭.‬

ومن‭ ‬المعروف‭ ‬أنَّ‭ ‬اختيار‭ ‬الأبواق‭ ‬الإعلامية‭ ‬الإيرانية‭ ‬لهذا‭ ‬التوقيت‭ ‬ليس‭ ‬بريئًا،‭ ‬إذ‭ ‬تردد‭ ‬أكاذيبها‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬تسعى‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬تأليب‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬ضد‭ ‬قياداتها،‭ ‬وبث‭ ‬الفرقة‭ ‬والانقسام،‭ ‬وهي‭ ‬سياسة‭ ‬أثبتت‭ ‬التجارب‭ ‬المتعاقبة‭ ‬فشلها‭ ‬أمام‭ ‬وعي‭ ‬الشعوب‭ ‬وتماسكها‭.‬

وقد‭ ‬أثبت‭ ‬الشعب‭ ‬البحريني،‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المحطات،‭ ‬أنه‭ ‬أكثر‭ ‬وعيًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تنطلي‭ ‬عليه‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المزاعم،‭ ‬فالتف‭ ‬حول‭ ‬قيادته،‭ ‬وتمسك‭ ‬بهويته‭ ‬العربية‭ ‬والخليجية،‭ ‬ورفض‭ ‬الارتهان‭ ‬لأي‭ ‬أجندات‭ ‬خارجية‭ ‬أو‭ ‬مشاريع‭ ‬تستهدف‭ ‬وحدته‭ ‬الوطنية‭.‬

ولتعلم‭ ‬كيهان‭ ‬ومن‭ ‬هم‭ ‬على‭ ‬شاكلتها‭ ‬من‭ ‬مرددي‭ ‬الأكاذيب‭ ‬أن‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬اتخذتها‭ ‬البحرين‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬حماية‭ ‬أمنها‭ ‬الوطني‭ ‬وصون‭ ‬استقرارها‭ ‬الداخلي،‭ ‬باعتبار‭ ‬ذلك‭ ‬مسؤولية‭ ‬سيادية‭ ‬مكفولة‭ ‬بالقانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وواجبًا‭ ‬تفرضه‭ ‬متطلبات‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مختلف‭ ‬التهديدات‭ ‬والتدخلات‭ ‬الخارجية‭. ‬وقد‭ ‬حرصت‭ ‬المملكة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬ممارسات‭ ‬تمس‭ ‬أمنها‭ ‬عبر‭ ‬الأطر‭ ‬القانونية‭ ‬والمؤسساتية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭ ‬ويحفظ‭ ‬أمن‭ ‬المجتمع‭ ‬واستقراره،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬تجاوزات‭ ‬أو‭ ‬ممارسات‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬العدالة‭. ‬

وفي‭ ‬المقابل‭ ‬تؤكد‭ ‬التقارير‭ ‬الحقوقية‭ ‬الدولية‭ ‬استمرار‭ ‬تسجيل‭ ‬حالات‭ ‬إعدام‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬بحق‭ ‬معارضين،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬المفارقة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلها‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬الذي‭ ‬يوجّه‭ ‬الاتهامات‭ ‬لدول‭ ‬الجوار‭ ‬ويتحدث‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الشعوب،‭ ‬يواجه‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬انتقادات‭ ‬متواصلة‭ ‬بشأن‭ ‬سياساته‭ ‬تجاه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المكونات‭ ‬العرقية‭ ‬والقومية،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬تقارير‭ ‬متعددة‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬قيود‭ ‬وممارسات‭ ‬تمييزية‭ ‬تطول‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات،‭ ‬بمن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الأكراد‭ ‬والبلوش‭ ‬والعرب‭ ‬وغيرهم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تناقضًا‭ ‬واضحًا‭ ‬بين‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الخارجي‭ ‬والممارسات‭ ‬الداخلية‭.‬

وهنا‭ ‬أوجه‭ ‬حديثي‭ ‬إلى‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬كيهان‮»‬،‭ ‬عليكم‭ ‬أن‭ ‬تنظروا‭ ‬إلى‭ ‬أنفسكم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تشيروا‭ ‬إلينا،‭ ‬فشتان‭ ‬الفارق‭ ‬بيننا‭ ‬وبينكم؛‭ ‬فالبحرين‭ ‬العربية‭ ‬تحفظ‭ ‬لأبنائها‭ ‬والمقيمين‭ ‬على‭ ‬أرضها‭ ‬حريتهم‭ ‬الدينية‭ ‬وتضمن‭ ‬لهم‭ ‬العيش‭ ‬الكريم،‭ ‬أما‭ ‬طهران‭ ‬الملالية‭ ‬فإنها‭ ‬تمارس‭ ‬كل‭ ‬الانتهاكات‭ ‬الحقوقية‭ ‬بحق‭ ‬مواطنيها‭ ‬وجيرانها‭.‬

ولعل‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬يغفلها‭ ‬أصحاب‭ ‬هذه‭ ‬المزاعم‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬حقائق‭ ‬التاريخ‭ ‬لا‭ ‬تتغير‭ ‬بتكرار‭ ‬الادعاءات،‭ ‬ولا‭ ‬تطمس‭ ‬باختلاق‭ ‬الروايات‭ ‬خدمة‭ ‬لأوهام‭ ‬سياسية؛‭ ‬فالسيادة‭ ‬البحرينية‭ ‬وهويتها‭ ‬العربية‭ ‬حسمتهما‭ ‬إرادة‭ ‬شعبها،‭ ‬وأكدتهما‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية،‭ ‬وستبقيان‭ ‬حقيقة‭ ‬ثابتة‭ ‬لا‭ ‬تنال‭ ‬منها‭ ‬حملات‭ ‬التحريض‭ ‬ولا‭ ‬أوهام‭ ‬التوسع‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا