العدد : ١٧٦٤٩ - الأحد ١٩ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٩ - الأحد ١٩ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ صفر ١٤٤٨هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

من التوثيق إلى بناء الذاكرة الوطنية

ليست‭ ‬كل‭ ‬اللجان‭ ‬التي‭ ‬تُنشأ‭ ‬بقرار‭ ‬رسمي‭ ‬لجانًا‭ ‬إدارية‭ ‬تؤدي‭ ‬مهمة‭ ‬وتنتهي‭ ‬بانتهاء‭ ‬أعمالها،‭ ‬فهناك‭ ‬لجان‭ ‬تؤسس‭ ‬لمرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الدول؛‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تُوثق‭ ‬حدثًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬وإنما‭ ‬تصوغ‭ ‬ذاكرة‭ ‬أمة،‭ ‬وتبني‭ ‬وعيًا‭ ‬جمعيًّا،‭ ‬وترسم‭ ‬ملامح‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬فإن‭ ‬الأمر‭ ‬الملكي‭ ‬السامي‭ ‬بإنشاء‭ ‬لجنة‭ ‬توثيق‭ ‬ملحمة‭ ‬الصمود‭ ‬الوطني‭ ‬يتجاوز‭ ‬في‭ ‬دلالاته‭ ‬فكرة‭ ‬توثيق‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬استراتيجي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد،‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬سردية‭ ‬وطنية‭ ‬موثقة،‭ ‬قوامها‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وأساسها‭ ‬الولاء‭ ‬للوطن،‭ ‬ورسالتها‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬كانت‭ ‬وستظل‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬الانتماءات‭ ‬الأخرى‭.‬

فالدول‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تكتب‭ ‬تاريخها‭ ‬بنفسها‭ ‬يكتبه‭ ‬الآخرون‭ ‬عنها،‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يوثق‭ ‬تضحياته‭ ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬يحاول‭ ‬تزويرها‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬تفسيرها‭ ‬أو‭ ‬استغلالها‭ ‬لخدمة‭ ‬أجندات‭ ‬لا‭ ‬تمت‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقة‭ ‬بصلة‭. ‬

لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬ليست‭ ‬ترفًا‭ ‬ثقافيًّا،‭ ‬وإنما‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مرتكزات‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني؛‭ ‬لأنها‭ ‬تحصن‭ ‬المجتمع‭ ‬ضد‭ ‬محاولات‭ ‬التشكيك‭ ‬والتضليل‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬وحدة‭ ‬الدولة‭.‬

إن‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬اللجنة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬جمع‭ ‬الوثائق‭ ‬والصور‭ ‬والتقارير‭ ‬والأدلة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬رواية‭ ‬وطنية‭ ‬جامعة،‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬الوقائع،‭ ‬وتحفظ‭ ‬للأجيال‭ ‬المقبلة‭ ‬حقيقة‭ ‬ما‭ ‬جرى،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التأويلات‭ ‬أو‭ ‬محاولات‭ ‬التسييس،‭ ‬فالتاريخ‭ ‬حين‭ ‬يُوثق‭ ‬بمهنية‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مرجع‭ ‬للدولة،‭ ‬وإلى‭ ‬حصن‭ ‬يحمي‭ ‬الوعي‭ ‬الوطني‭ ‬من‭ ‬الاختراق‭.‬

ليس‭ ‬أدل‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬بناء‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬أدركت‭ ‬مبكرًا‭ ‬أن‭ ‬الأرشيف‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مستودع‭ ‬للوثائق،‭ ‬وإنما‭ ‬مؤسسة‭ ‬لحفظ‭ ‬هوية‭ ‬الأمة‭ ‬وصياغة‭ ‬وعيها‭ ‬التاريخي،‭ ‬فالمكتبة‭ ‬البريطانية،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لم‭ ‬تُبنَ‭ ‬فقط‭ ‬لحفظ‭ ‬الكتب‭ ‬والمخطوطات،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬وتحفظ‭ ‬التراث‭ ‬الفكري‭ ‬والثقافي‭ ‬للمملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬بما‭ ‬تضمه‭ ‬من‭ ‬ملايين‭ ‬الكتب‭ ‬والمخطوطات‭ ‬والخرائط‭ ‬والصحف‭ ‬والتسجيلات‭ ‬والمواد‭ ‬الرقمية،‭ ‬لتكون‭ ‬ذاكرة‭ ‬حية‭ ‬للأمة‭ ‬ومصدرًا‭ ‬للبحث‭ ‬والتعليم‭ ‬والمعرفة‭.‬

إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬العالمية‭ ‬قد‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬الأرشيف‭ ‬يمثل‭ ‬ذاكرة‭ ‬الدولة‭ ‬ووعاء‭ ‬هويتها،‭ ‬فإن‭ ‬أمام‭ ‬لجنة‭ ‬توثيق‭ ‬ملحمة‭ ‬الصمود‭ ‬الوطني‭ ‬فرصة‭ ‬لتأسيس‭ ‬نموذج‭ ‬بحريني‭ ‬خاص،‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الوثيقة‭ ‬الرسمية‭ ‬والشهادة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وبين‭ ‬التاريخ‭ ‬والوعي،‭ ‬ليصبح‭ ‬التوثيق‭ ‬مشروعًا‭ ‬حيًّا‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭.‬

ولعل‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تنطلق‭ ‬منه‭ ‬اللجنة‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬‮«‬ملحمة‭ ‬الصمود‭ ‬الوطني‮»‬‭ ‬ليست‭ ‬قصة‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية‭ ‬فحسب،‭ ‬ولا‭ ‬مجرد‭ ‬نجاح‭ ‬أمني‭ ‬في‭ ‬التصدي‭ ‬للاعتداءات،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬ملحمة‭ ‬وطن‭ ‬بكامل‭ ‬مؤسساته‭ ‬وشعبه‭.‬

لقد‭ ‬تجسد‭ ‬الصمود‭ ‬أولا‭ ‬في‭ ‬الاحترافية‭ ‬العالية‭ ‬التي‭ ‬أظهرتها‭ ‬قوة‭ ‬دفاع‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬سيادة‭ ‬الوطن‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬أراضيه،‭ ‬وفي‭ ‬الكفاءة‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬برهنت‭ ‬عليها‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬وأجهزتها‭ ‬الأمنية‭ ‬عبر‭ ‬منظومة‭ ‬الإنذار‭ ‬الوطني‭ ‬المبكر،‭ ‬وسرعة‭ ‬الاستجابة،‭ ‬والتعامل‭ ‬الفوري‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬التهديدات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الدور‭ ‬الحيوي‭ ‬للدفاع‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الأرواح‭ ‬والممتلكات‭ ‬وتقليل‭ ‬آثار‭ ‬الاعتداءات‭.‬

لكن‭ ‬الصورة‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭.‬

فقد‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬صمود‭ ‬مؤسسي‭ ‬متكامل،‭ ‬شاركت‭ ‬فيه‭ ‬مختلف‭ ‬أجهزة‭ ‬الدولة،‭ ‬كلٌّ‭ ‬من‭ ‬موقعه،‭ ‬فاستمرت‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة،‭ ‬واستمرت‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬وظائفها‭ ‬بكفاءة،‭ ‬وعملت‭ ‬الوزارات‭ ‬والهيئات‭ ‬بروح‭ ‬الفريق‭ ‬الواحد،‭ ‬بما‭ ‬عكس‭ ‬جاهزية‭ ‬الدولة‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬بكفاءة‭ ‬واحتراف‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬جبهة‭ ‬أخرى‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬بما‭ ‬تستحقه‭ ‬من‭ ‬اهتمام،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬حاضرة‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬هي‭ ‬الجبهة‭ ‬الدبلوماسية‭.‬

فبينما‭ ‬كانت‭ ‬المؤسسات‭ ‬العسكرية‭ ‬والأمنية‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬حدود‭ ‬الوطن،‭ ‬كانت‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬البحرينية‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬شرعيته‭ ‬ومصالحه‭ ‬وحقوقه‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية‭.‬

لقد‭ ‬قدمت‭ ‬البحرين‭ ‬نموذجًا‭ ‬لدبلوماسية‭ ‬رصينة،‭ ‬لم‭ ‬تلجأ‭ ‬إلى‭ ‬الانفعال،‭ ‬ولم‭ ‬تبن‭ ‬خطابها‭ ‬على‭ ‬الشعارات،‭ ‬وإنما‭ ‬استندت‭ ‬إلى‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وقواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬والوقائع‭ ‬الموثقة،‭ ‬والأدلة‭ ‬الرسمية،‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬السيادة‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بالسلاح‭ ‬وحده،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضًا‭ ‬بالحجة‭ ‬القانونية،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬كسب‭ ‬ثقة‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬وحشد‭ ‬الدعم‭ ‬للمواقف‭ ‬الوطنية‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬الصمود‭ ‬مقتصرًا‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬الأمنية‭ ‬والسياسية،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬إذ‭ ‬استمرت‭ ‬حركة‭ ‬الأسواق،‭ ‬وتواصلت‭ ‬الخدمات‭ ‬المصرفية‭ ‬والمالية،‭ ‬وحافظت‭ ‬مؤسسات‭ ‬القطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭ ‬على‭ ‬استمرارية‭ ‬أعمالها،‭ ‬بما‭ ‬عكس‭ ‬متانة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬البحريني‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات،‭ ‬ورسّخ‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬والشركاء‭ ‬الدوليين‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬المملكة‭.‬

وكان‭ ‬هناك‭ ‬أيضًا‭ ‬صمودٌ‭ ‬إعلاميٌّ‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬جبهة‭ ‬أخرى،‭ ‬إذ‭ ‬اضطلع‭ ‬الإعلام‭ ‬الوطني‭ ‬بمسؤولية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬الحقيقة،‭ ‬والتصدي‭ ‬لحملات‭ ‬التضليل،‭ ‬وإفشال‭ ‬محاولات‭ ‬الحرب‭ ‬النفسية‭ ‬والإعلامية‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬زعزعة‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬أو‭ ‬بث‭ ‬الشائعات‭ ‬وإضعاف‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭ ‬تمهيدًا‭ ‬لاستهداف‭ ‬الوطن‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬قبل‭ ‬الخارج‭.‬

كان‭ ‬الإعلامُ‭ ‬الوطني‭ ‬جبهةً‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬جبهات‭ ‬الدفاع‭.‬

ففي‭ ‬زمن‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬الشائعات‭ ‬سلاحًا‭ ‬استراتيجيًّا،‭ ‬وأصبحت‭ ‬الحرب‭ ‬النفسية‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة،‭ ‬كان‭ ‬الإعلام‭ ‬البحريني،‭ ‬بمؤسساته‭ ‬الرسمية‭ ‬والوطنية،‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭ ‬عن‭ ‬الوعي‭ ‬العام،‭ ‬فكشف‭ ‬حملات‭ ‬التضليل،‭ ‬وتصدى‭ ‬لمحاولات‭ ‬بث‭ ‬الفوضى‭ ‬وفقدان‭ ‬الثقة،‭ ‬وأفشل‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬الاختراق‭ ‬الإعلامي‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬إضعاف‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية؛‭ ‬لأن‭ ‬الخصوم‭ ‬يدركون‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الدولة‭ ‬يبدأ‭ ‬دائمًا‭ ‬بتفكيك‭ ‬مجتمعها‭.‬

أما‭ ‬المشهد‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬فكان‭ ‬الالتفاف‭ ‬الشعبي‭ ‬الواسع‭ ‬حول‭ ‬القيادة،‭ ‬إذ‭ ‬أثبت‭ ‬البحرينيون‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬الدول‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬تمتلكه‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬عسكرية،‭ ‬وإنما‭ ‬بما‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬وحدة‭ ‬وطنية‭ ‬وثقة‭ ‬متبادلة‭ ‬بين‭ ‬القيادة‭ ‬والشعب؛‭ ‬ففي‭ ‬اللحظات‭ ‬الفاصلة‭ ‬سقطت‭ ‬كل‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الضيقة،‭ ‬وارتفعت‭ ‬راية‭ ‬البحرين‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬الرايات،‭ ‬واجتمع‭ ‬الجميع‭ ‬حول‭ ‬وطن‭ ‬واحد‭ ‬ومصير‭ ‬واحد‭.‬

وهنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬تتجاوز‭ ‬اللجنة‭ ‬مهمة‭ ‬التوثيق‭ ‬إلى‭ ‬مسؤولية‭ ‬بناء‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭.‬

فالهوية‭ ‬البحرينية‭ ‬ليست‭ ‬نقيضًا‭ ‬للتنوع‭ ‬الذي‭ ‬يميز‭ ‬المجتمع،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬الإطار‭ ‬الجامع‭ ‬الذي‭ ‬يحتضن‭ ‬هذا‭ ‬التنوع‭ ‬ويحوله‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬قوة‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬ضعف‭. ‬فالبحرين،‭ ‬بتاريخها‭ ‬الممتد‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬وبإرثها‭ ‬الحضاري‭ ‬والثقافي‭ ‬والإنساني،‭ ‬كانت‭ ‬دائمًا‭ ‬نموذجًا‭ ‬للتعايش‭ ‬والتعدد،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬التعدد‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مدخلا‭ ‬لأي‭ ‬ولاءات‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬أو‭ ‬لأي‭ ‬محاولات‭ ‬خارجية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬استغلال‭ ‬الاختلافات‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬المذهبية‭ ‬أو‭ ‬الفكرية‭ ‬لإحداث‭ ‬شرخ‭ ‬في‭ ‬النسيج‭ ‬الوطني‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬الرسالة‭ ‬الأهم‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أنْ‭ ‬تؤسس‭ ‬لها‭ ‬لجنة‭ ‬توثيق‭ ‬ملحمة‭ ‬الصمود‭ ‬الوطني‭ ‬هي‭ ‬أنَّ‭ ‬الهوية‭ ‬البحرينية‭ ‬تسمو‭ ‬فوق‭ ‬جميع‭ ‬الهويات‭ ‬الفرعية،‭ ‬وأنَّ‭ ‬الانتماء‭ ‬للوطن‭ ‬يسبق‭ ‬كل‭ ‬انتماء‭ ‬آخر،‭ ‬وأنَّ‭ ‬التنوع‭ ‬مصدر‭ ‬ثراء‭ ‬عندما‭ ‬يجتمع‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬وطن‭ ‬واحد،‭ ‬لا‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬تستغلها‭ ‬الأطراف‭ ‬الخارجية‭ ‬للنيل‭ ‬من‭ ‬أمن‭ ‬الدولة‭ ‬واستقرارها‭.‬

ولهذا،‭ ‬فإنَّ‭ ‬مخرجات‭ ‬اللجنة‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬تبقى‭ ‬حبيسة‭ ‬الأرشيف،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬أهمية‭ ‬التوثيق،‭ ‬بل‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬مستدام،‭ ‬فمن‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬هذه‭ ‬الملحمة‭ ‬مكانها‭ ‬في‭ ‬المناهج‭ ‬الدراسية،‭ ‬وفي‭ ‬البرامج‭ ‬التربوية،‭ ‬وفي‭ ‬الأنشطة‭ ‬الشبابية،‭ ‬وفي‭ ‬مبادرات‭ ‬مراكز‭ ‬تمكين‭ ‬الشباب،‭ ‬وفي‭ ‬الخطاب‭ ‬الإعلامي،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬المنابر‭ ‬الدينية‭ ‬السنية‭ ‬والجعفرية،‭ ‬باعتبارها‭ ‬رسالة‭ ‬وطنية‭ ‬جامعة،‭ ‬تعزز‭ ‬قيم‭ ‬المواطنة‭ ‬والانتماء‭ ‬والولاء،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬تصنيف‭ ‬أو‭ ‬انقسام‭.‬

كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬مادة‭ ‬بحثية‭ ‬للجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬الدراسات،‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬معرفة‭ ‬وطنية‭ ‬رصينة‭ ‬حول‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬وبناء‭ ‬الهوية،‭ ‬والأمن‭ ‬الوطني،‭ ‬والدبلوماسية،‭ ‬والإعلام‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬التحديات‭.‬

فالملحمة‭ ‬ليست‭ ‬ملكًا‭ ‬لمؤسسة‭ ‬بعينها،‭ ‬ولا‭ ‬لفئة‭ ‬اجتماعية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أخرى،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬ملك‭ ‬لكل‭ ‬بحريني‭ ‬وقف‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬وطنه،‭ ‬وأسهم،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬موقعه،‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬البحرين‭ ‬والدفاع‭ ‬عنها‭.‬

إنَّ‭ ‬الأمم‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬فقط‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬أو‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضًا‭ ‬بالذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬المشتركة،‭ ‬وبالسردية‭ ‬الجامعة‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬المواطن‭ ‬شعورًا‭ ‬راسخًا‭ ‬بأنه‭ ‬جزءٌ‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬وطن‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الجميع‭.‬

ولذلك‭ ‬فإنَّ‭ ‬لجنة‭ ‬توثيق‭ ‬ملحمة‭ ‬الصمود‭ ‬الوطني‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬بناء‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬البحرينية‭ ‬الحديثة،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الملحمة‭ ‬من‭ ‬حدث‭ ‬تاريخي‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬وطنية‭ ‬راسخة،‭ ‬ومن‭ ‬وثائق‭ ‬محفوظة‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬مجتمعي‭ ‬متجدد،‭ ‬ومن‭ ‬ذاكرة‭ ‬للأزمة‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬دائم‭ ‬لتعزيز‭ ‬الانتماء‭.‬

فالاعتداءات‭ ‬تنتهي،‭ ‬والأزمات‭ ‬تمر،‭ ‬أما‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬الحقيقة،‭ ‬والتاريخ،‭ ‬والوعي،‭ ‬ووحدة‭ ‬القيادة‭ ‬والشعب،‭ ‬فإنها‭ ‬تبقى‭ ‬الدرع‭ ‬الأقوى‭ ‬الذي‭ ‬يعجز‭ ‬كل‭ ‬خصوم‭ ‬الوطن‭ ‬عن‭ ‬اختراقه‭.‬

إنَّ‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬بعد‭ ‬توثيق‭ ‬الملحمة‭ ‬لا‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬حفظ‭ ‬الوثائق،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬الوطني‭ ‬اليومي؛‭ ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬ذاكرتها،‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬مستقبلها،‭ ‬لأن‭ ‬الذاكرة‭ ‬المشتركة‭ ‬تخلق‭ ‬شعورًا‭ ‬بالمصير‭ ‬المشترك،‭ ‬وتمنح‭ ‬المجتمع‭ ‬مناعة‭ ‬فكرية‭ ‬ضد‭ ‬محاولات‭ ‬الاختراق‭ ‬الخارجي،‭ ‬مهما‭ ‬تغيرت‭ ‬أدواته‭ ‬أو‭ ‬شعاراته‭.‬

وحين‭ ‬تصبح‭ ‬‮«‬البحرين‭ ‬أولا‮»‬‭ ‬قناعة‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬كل‭ ‬مواطن،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬شعار‭ ‬يُرفع‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات،‭ ‬تكون‭ ‬لجنة‭ ‬توثيق‭ ‬ملحمة‭ ‬الصمود‭ ‬الوطني‭ ‬قد‭ ‬أنجزت‭ ‬أعظم‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنجزه؛‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬حفظ‭ ‬ذاكرة‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬صناعة‭ ‬مستقبل‭ ‬أكثر‭ ‬تماسكًا،‭ ‬وأكثر‭ ‬مناعة،‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬كل‭ ‬محاولات‭ ‬العبث‭ ‬بالنسيج‭ ‬الوطني،‭ ‬ليظل‭ ‬الوطن،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬عبر‭ ‬تاريخه‭ ‬الممتد‭ ‬من‭ ‬دلمون‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬الحديثة،‭ ‬حصنًا‭ ‬جامعًا‭ ‬لأبنائه‭ ‬جميعًا،‭ ‬ودرعًا‭ ‬وطنيًّا‭ ‬لا‭ ‬تنفذ‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬مشاريع‭ ‬الانقسام‭ ‬أو‭ ‬الولاءات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭.‬

كل‭ ‬هذه‭ ‬الرؤى‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تترجم‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬بحرينية‭ ‬ذات‭ ‬أثر‭ ‬مستدام،‭ ‬لتبقى‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬الأذهان‭ ‬وتتوارثها‭ ‬الأجيال‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا