مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
من التوثيق إلى بناء الذاكرة الوطنية

ليست كل اللجان التي تُنشأ بقرار رسمي لجانًا إدارية تؤدي مهمة وتنتهي بانتهاء أعمالها، فهناك لجان تؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ الدول؛ لأنها لا تُوثق حدثًا عابرًا، وإنما تصوغ ذاكرة أمة، وتبني وعيًا جمعيًّا، وترسم ملامح الهوية الوطنية للأجيال القادمة.
ومن هذا المنطلق فإن الأمر الملكي السامي بإنشاء لجنة توثيق ملحمة الصمود الوطني يتجاوز في دلالاته فكرة توثيق الاعتداءات الإيرانية التي تعرضت لها مملكة البحرين، إلى مشروع وطني استراتيجي طويل الأمد، يهدف إلى ترسيخ سردية وطنية موثقة، قوامها الحقيقة، وأساسها الولاء للوطن، ورسالتها أن البحرين كانت وستظل فوق كل الانتماءات الأخرى.
فالدول التي لا تكتب تاريخها بنفسها يكتبه الآخرون عنها، ومن لا يوثق تضحياته قد يجد من يحاول تزويرها أو إعادة تفسيرها أو استغلالها لخدمة أجندات لا تمت إلى الحقيقة بصلة.
لذلك فإن الذاكرة الوطنية ليست ترفًا ثقافيًّا، وإنما أحد أهم مرتكزات الأمن الوطني؛ لأنها تحصن المجتمع ضد محاولات التشكيك والتضليل وإعادة إنتاج الروايات التي تستهدف وحدة الدولة.
إن أهمية هذه اللجنة لا تكمن فقط في جمع الوثائق والصور والتقارير والأدلة، بل في بناء رواية وطنية جامعة، تستند إلى الوقائع، وتحفظ للأجيال المقبلة حقيقة ما جرى، بعيدًا عن التأويلات أو محاولات التسييس، فالتاريخ حين يُوثق بمهنية يتحول إلى مرجع للدولة، وإلى حصن يحمي الوعي الوطني من الاختراق.
ليس أدل على أهمية بناء الذاكرة الوطنية من تجارب الدول التي أدركت مبكرًا أن الأرشيف ليس مجرد مستودع للوثائق، وإنما مؤسسة لحفظ هوية الأمة وصياغة وعيها التاريخي، فالمكتبة البريطانية، على سبيل المثال، لم تُبنَ فقط لحفظ الكتب والمخطوطات، بل أصبحت إحدى أهم المؤسسات التي تجمع وتحفظ التراث الفكري والثقافي للمملكة المتحدة، بما تضمه من ملايين الكتب والمخطوطات والخرائط والصحف والتسجيلات والمواد الرقمية، لتكون ذاكرة حية للأمة ومصدرًا للبحث والتعليم والمعرفة.
إذا كانت هذه التجارب العالمية قد أدركت أن الأرشيف يمثل ذاكرة الدولة ووعاء هويتها، فإن أمام لجنة توثيق ملحمة الصمود الوطني فرصة لتأسيس نموذج بحريني خاص، يجمع بين الوثيقة الرسمية والشهادة الإنسانية، وبين التاريخ والوعي، ليصبح التوثيق مشروعًا حيًّا للأجيال القادمة.
ولعل أهم ما ينبغي أن تنطلق منه اللجنة هو أن «ملحمة الصمود الوطني» ليست قصة مواجهة عسكرية فحسب، ولا مجرد نجاح أمني في التصدي للاعتداءات، وإنما هي ملحمة وطن بكامل مؤسساته وشعبه.
لقد تجسد الصمود أولا في الاحترافية العالية التي أظهرتها قوة دفاع البحرين في حماية سيادة الوطن والدفاع عن أراضيه، وفي الكفاءة الكبيرة التي برهنت عليها وزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية عبر منظومة الإنذار الوطني المبكر، وسرعة الاستجابة، والتعامل الفوري مع مختلف التهديدات، إلى جانب الدور الحيوي للدفاع المدني في حماية الأرواح والممتلكات وتقليل آثار الاعتداءات.
لكن الصورة لم تكتمل عند هذا الحد.
فقد كان هناك صمود مؤسسي متكامل، شاركت فيه مختلف أجهزة الدولة، كلٌّ من موقعه، فاستمرت الخدمات العامة، واستمرت مؤسسات الدولة في أداء وظائفها بكفاءة، وعملت الوزارات والهيئات بروح الفريق الواحد، بما عكس جاهزية الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات بكفاءة واحتراف.
غير أن هناك جبهة أخرى ربما لا تحظى بما تستحقه من اهتمام، رغم أنها كانت حاضرة بقوة في هذه المرحلة، هي الجبهة الدبلوماسية.
فبينما كانت المؤسسات العسكرية والأمنية تدافع عن حدود الوطن، كانت الدبلوماسية البحرينية تدافع عن شرعيته ومصالحه وحقوقه في المحافل الدولية.
لقد قدمت البحرين نموذجًا لدبلوماسية رصينة، لم تلجأ إلى الانفعال، ولم تبن خطابها على الشعارات، وإنما استندت إلى ميثاق الأمم المتحدة، وقواعد القانون الدولي، والوقائع الموثقة، والأدلة الرسمية، لتؤكد أن الدفاع عن السيادة لا يكون بالسلاح وحده، وإنما أيضًا بالحجة القانونية، والقدرة على كسب ثقة المجتمع الدولي، وحشد الدعم للمواقف الوطنية.
ولم يكن الصمود مقتصرًا على الجوانب الأمنية والسياسية، بل امتد إلى الاقتصاد الوطني، إذ استمرت حركة الأسواق، وتواصلت الخدمات المصرفية والمالية، وحافظت مؤسسات القطاعين العام والخاص على استمرارية أعمالها، بما عكس متانة الاقتصاد البحريني وقدرته على مواجهة الأزمات، ورسّخ ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين في استقرار المملكة.
وكان هناك أيضًا صمودٌ إعلاميٌّ لا يقل أهمية عن أي جبهة أخرى، إذ اضطلع الإعلام الوطني بمسؤولية كبيرة في نقل الحقيقة، والتصدي لحملات التضليل، وإفشال محاولات الحرب النفسية والإعلامية التي تستهدف زعزعة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، أو بث الشائعات وإضعاف الجبهة الداخلية تمهيدًا لاستهداف الوطن من الداخل قبل الخارج.
كان الإعلامُ الوطني جبهةً أخرى من جبهات الدفاع.
ففي زمن أصبحت فيه الشائعات سلاحًا استراتيجيًّا، وأصبحت الحرب النفسية جزءًا من الحروب الحديثة، كان الإعلام البحريني، بمؤسساته الرسمية والوطنية، خط الدفاع الأول عن الوعي العام، فكشف حملات التضليل، وتصدى لمحاولات بث الفوضى وفقدان الثقة، وأفشل كثيرًا من محاولات الاختراق الإعلامي التي استهدفت إضعاف الجبهة الداخلية؛ لأن الخصوم يدركون أن الطريق إلى الدولة يبدأ دائمًا بتفكيك مجتمعها.
أما المشهد الأكثر أهمية فكان الالتفاف الشعبي الواسع حول القيادة، إذ أثبت البحرينيون أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات عسكرية، وإنما بما تتمتع به من وحدة وطنية وثقة متبادلة بين القيادة والشعب؛ ففي اللحظات الفاصلة سقطت كل الاعتبارات الضيقة، وارتفعت راية البحرين فوق كل الرايات، واجتمع الجميع حول وطن واحد ومصير واحد.
وهنا تحديدًا تتجاوز اللجنة مهمة التوثيق إلى مسؤولية بناء الهوية الوطنية.
فالهوية البحرينية ليست نقيضًا للتنوع الذي يميز المجتمع، بل هي الإطار الجامع الذي يحتضن هذا التنوع ويحوله إلى مصدر قوة لا إلى نقطة ضعف. فالبحرين، بتاريخها الممتد آلاف السنين، وبإرثها الحضاري والثقافي والإنساني، كانت دائمًا نموذجًا للتعايش والتعدد، لكن هذا التعدد لا يمكن أن يكون مدخلا لأي ولاءات عابرة للحدود، أو لأي محاولات خارجية تسعى إلى استغلال الاختلافات الدينية أو المذهبية أو الفكرية لإحداث شرخ في النسيج الوطني.
ومن هنا، فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أنْ تؤسس لها لجنة توثيق ملحمة الصمود الوطني هي أنَّ الهوية البحرينية تسمو فوق جميع الهويات الفرعية، وأنَّ الانتماء للوطن يسبق كل انتماء آخر، وأنَّ التنوع مصدر ثراء عندما يجتمع تحت مظلة وطن واحد، لا عندما يتحول إلى أداة تستغلها الأطراف الخارجية للنيل من أمن الدولة واستقرارها.
ولهذا، فإنَّ مخرجات اللجنة يجب ألا تبقى حبيسة الأرشيف، مهما بلغت أهمية التوثيق، بل ينبغي أن تتحول إلى مشروع وطني مستدام، فمن الضروري أن تجد هذه الملحمة مكانها في المناهج الدراسية، وفي البرامج التربوية، وفي الأنشطة الشبابية، وفي مبادرات مراكز تمكين الشباب، وفي الخطاب الإعلامي، وكذلك في المنابر الدينية السنية والجعفرية، باعتبارها رسالة وطنية جامعة، تعزز قيم المواطنة والانتماء والولاء، بعيدًا عن أي تصنيف أو انقسام.
كما يمكن أن تصبح مادة بحثية للجامعات ومراكز الدراسات، بما يسهم في إنتاج معرفة وطنية رصينة حول إدارة الأزمات، وبناء الهوية، والأمن الوطني، والدبلوماسية، والإعلام في أوقات التحديات.
فالملحمة ليست ملكًا لمؤسسة بعينها، ولا لفئة اجتماعية من دون أخرى، وإنما هي ملك لكل بحريني وقف إلى جانب وطنه، وأسهم، مهما كان موقعه، في حماية البحرين والدفاع عنها.
إنَّ الأمم الكبرى لا تُبنى فقط بالاقتصاد أو القوة العسكرية، وإنما أيضًا بالذاكرة الوطنية المشتركة، وبالسردية الجامعة التي تمنح المواطن شعورًا راسخًا بأنه جزءٌ من قصة وطن أكبر من الجميع.
ولذلك فإنَّ لجنة توثيق ملحمة الصمود الوطني يمكن أن تكون نقطة تحول في مسيرة بناء الهوية الوطنية البحرينية الحديثة، إذا ما نجحت في تحويل الملحمة من حدث تاريخي إلى ثقافة وطنية راسخة، ومن وثائق محفوظة إلى وعي مجتمعي متجدد، ومن ذاكرة للأزمة إلى مشروع دائم لتعزيز الانتماء.
فالاعتداءات تنتهي، والأزمات تمر، أما الهوية الوطنية التي تُبنى على الحقيقة، والتاريخ، والوعي، ووحدة القيادة والشعب، فإنها تبقى الدرع الأقوى الذي يعجز كل خصوم الوطن عن اختراقه.
إنَّ التحدي الأكبر بعد توثيق الملحمة لا يتمثل في حفظ الوثائق، بل في تحويلها إلى جزء من الوعي الوطني اليومي؛ فالدول التي تنجح في حماية ذاكرتها، تنجح في حماية مستقبلها، لأن الذاكرة المشتركة تخلق شعورًا بالمصير المشترك، وتمنح المجتمع مناعة فكرية ضد محاولات الاختراق الخارجي، مهما تغيرت أدواته أو شعاراته.
وحين تصبح «البحرين أولا» قناعة راسخة في وجدان كل مواطن، لا مجرد شعار يُرفع في أوقات الأزمات، تكون لجنة توثيق ملحمة الصمود الوطني قد أنجزت أعظم ما يمكن أن تنجزه؛ ليس فقط حفظ ذاكرة الماضي، بل صناعة مستقبل أكثر تماسكًا، وأكثر مناعة، وأكثر قدرة على مواجهة كل محاولات العبث بالنسيج الوطني، ليظل الوطن، كما كان عبر تاريخه الممتد من دلمون إلى البحرين الحديثة، حصنًا جامعًا لأبنائه جميعًا، ودرعًا وطنيًّا لا تنفذ من خلاله مشاريع الانقسام أو الولاءات العابرة للحدود.
كل هذه الرؤى يجب أن تترجم إلى مشاريع بحرينية ذات أثر مستدام، لتبقى حاضرة في الأذهان وتتوارثها الأجيال.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك