مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
لا أمن للخليج مع إيران ولا إسرائيل
في الحروب الحديثة، لا تبدأ المعركة بالصاروخ، بل بالرواية. فقبل أن يسقط أول مقذوف، تكون هناك قصة جاهزة تحدد من هو المعتدي، ومن هو الضحية، ومن يجب أن يشعر بالذنب. ومن يراقب الخطاب السياسي والإعلامي المحيط بأمن الخليج يلاحظ أنَّ المعركة الحقيقية لا تُخاض في البحر أو السماء فحسب، بل في عقول الناس، إذ تُصاغ السرديات، وتُعاد هندسة المفاهيم، ويُطلب من المواطن الخليجي أن ينظر إلى أمن بلاده بعين غيره، وأن يقبل بمعادلات لا تخدم سوى مشاريع الآخرين.
وأخطر ما في الخطاب السياسي ليس التهديد المباشر، بل محاولة إعادة تشكيل وعي المتلقي حتى يعتقد أن خياراته محصورة بين بديلين لا ثالث لهما.
هذا بالضبط ما يتكرر كلما تصاعدت تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين، وتلقفتها منصات إعلامية وأصوات عربية، لتعيد إنتاجها في صورة معادلة تبدو وكأنها حقيقة: إما الاصطفاف مع إيران.. وإما الوقوف في خندق إسرائيل.
والحقيقةُ أن هذه ليست معادلة سياسية، بل فخًّا فكريًّا يُراد منه مصادرة حق دول الخليج في تعريف مصالحها وأمنها وفق إرادتها الوطنية.
هذه الحقيقة بتُّ أراها جلية كلما شاهدت منصة نقاش على بعض القنوات الممولة بأموال عربية، حينما تتناول ملف العدوان الإيراني الغاشم على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
ففي الوقت الذي تغيب فيه الأصوات الخليجية عن المنصات الإيرانية، أتاحت بعض المنصات العربية مساحة واسعة لطرح الرواية الإيرانية، وهو انفتاح إعلامي يستحق التأمل في ظل غياب المعاملة بالمثل.
وإن لم يكن المتحدثون من إيران، فقد وجدَت الرواية الإيرانية من يتبناها ويعيد إنتاجها من العرب، حتى بدا وكأنها تجدُ من يتحدث باسمها أكثر مما تحتاج إلى متحدثين رسميين.
ومع الأسف الشديد فإن معظم المشاركين العرب، الذين يدعون أنهم متخصصون في الشؤون الإيرانية، لا يعرفون إيران أو تاريخ إيران أو على ماذا تستند قوة إيران؛ لذلك ينطبق عليها المثل الإنجليزيA little knowledge is a dangerous thing، أو ما يمكن أن نطلق عليه أن «المعرفة الناقصة أخطر من الجهل».
إنَّ تاريخ إيران يختلف كُليّةً عن بقية تواريخ الأمم الأخرى؛ والسبب أنَّ التاريخ الفارسي ليس مبنيًّا على الحقائق المجردة، بل يستند إلى «الشاهنامة» ومؤلفه المتعصب القومي أبو القاسم الفردوسي، الذي اعتمد على الأساطير لتأسيس تاريخ فكري وقومي ينازع الحقائق التاريخية المثبتة التي سادت بلاد فارس قبل الفتوحات الإسلامية.
والمتتبع لأي سجال عبر هذه الشاشات يلاحظ أنه سرعان ما تنقلب الطاولة ضد مصالح المنطقة، مع الترويج للادعاءات الإيرانية بشأن القواعد الأمريكية وغيرها من التناقضات التي يكشف عنها الخطاب الإيراني الرسمي، فهو تارةً يردد دعوات حُسن الجوار، وتارةً أخرى يبعث رسائل ضغط أو تهديد تجاه دول الخليج، إذ إنَّ تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين كثيرًا ما تصدر بنبرة استعلائية لا تنسجم مع خطاب بناء الثقة، ظنًّا منهم أنَّ الصبر الاستراتيجي الذي انتهجته دول مجلس التعاون خلال الأزمة الأخيرة ينبع من ضعف، رغم أن الحقيقة الدامغة التي يجهلها الإيرانيون ومن يردد خطابهم أنَّ هذا الصبر لم يكن تعبيرًا عن ضعف، بل عن إدراك عميق بأن أمن المنطقة لا يُبنى بردود الفعل، وإنما بالحفاظ على توازن يمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وهو الأمر الذي يدفعنا إلى تفنيد المعادلة الزائفة التي يروجها الإيرانيون بشأن الميل إلى إسرائيل؛ لأن دول الخليج تنطلق من مصالحها الوطنية وسيادتها، وليس من الاصطفاف خلف أي مشروع إقليمي.
لكن الأمر الذي ينبغي أن يتوقف عنده الجميع هو أنَّ دول الخليج ليست ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية، بل هي صاحبة قرار مستقل، ولها الحقُّ في اختيار شراكاتها الأمنية بما يخدم أمنها الوطني.
ومن هنا نصل إلى سردية القواعد العسكرية الأجنبية، من خلال طرح سؤال منطقي: لماذا يُثار وجود هذه القواعد في دول الخليج فقط، بينما يتم تجاهل الوجود العسكري الإيراني وشبكات الوكلاء في عدد من الدول العربية؟ الفكرة هنا ليست الدفاع عن أي وجود عسكري، وإنما الدعوة إلى معيار واحد في تقييم جميع أشكال التدخلات الخارجية.
وأحدُ أخطر أدوات الخطاب السياسي الإيراني أنه يحاول تحويل أي تعاون دفاعي خليجي مع الولايات المتحدة أو غيرها إلى تهمة أخلاقية، بينما يتعامل مع النفوذ الإيراني خارج حدوده باعتباره أمرًا طبيعيًّا أو حقًّا مشروعًا.
ولعل التطورات الأخيرة خيرُ شاهد على ذلك؛ إذ تلقت الشبكات المسلحة الموالية لإيران الأوامر من النظام القابع في طهران بالانخراط في الأحداث كلما ازداد الضغط على طهران، من خلال محاولات إشعال الأوضاع في باب المندب أو توتير المشهد بين العراق والكويت.
وتكشف هذه التطورات بجلاء النهج التصعيدي الذي تتبعه المليشيات الموالية لإيران في العراق واليمن ولبنان، بما يتعارض مع مصالح دولها وشعوبها.
وإذا كانت دول الخليج قد نجحت في حماية أمنها على الأرض، فإن التحدي المقبل يكمن في حماية وعي مجتمعاتها من السرديات التي تسعى إلى إعادة تعريف الحقائق، وقلب معايير الضحية والجاني، وتصوير الدفاع عن السيادة باعتباره سببًا للأزمة.
والأحداث أكدت أنه ما لم يتخلَّ النظام الإيراني عن عقليته العدوانية والتوسعية التي تمنحه شعورًا باستحقاق فرض رؤيته للأمن الإقليمي على جميع دول المنطقة، فإن فرص بناء الثقة الحقيقية ستظل رهينة هذا النهج، مهما تعددت شعارات حُسن الجوار.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك