مقال رئيس التحرير
أنـــور عبدالرحمــــــن
مصـــداقــيـة الــوزيــر وثـعـلـبـيـة إيـــران
أمس قضت الصحافة ما يربو من الساعتين مع معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية، إذ شرح المستجدات في الساحة الداخلية في ظل العدوان الإيراني الآثم على المنطقة.
وإيران من دون شك هي إيران منذ آلاف السنين بغض النظر عن تغيير الوجوه التي تتحكم فيها من قرن إلى قرن، فيستطيع المرء أن يرى أشخاصا مثل أبو مسلم الخراساني أو خاجة نصير الدين الطوسي، في ثوب جديد يرتدى تارة عمامة مرشد أو رئيس جمهورية أو وزير خارجية.
ولو تصفحنا تاريخ إيران الحديث، وأقول الحديث؛ أي منذ 500 سنة حتى الآن، نجد ذلك بصورة واضحة بأقلام فارسية أرَّخت تاريخهم خلال القرون الخمسة الماضية وما فعلوه، منذ بزوغ الدولة الصفوية في عام 1500 ميلادية إلى سقوطها بعد قرنين إلى بروز نادر شاه، ومحاولات غزوهم بلاد الهند والسند، وتأسيس الدولة الزندية، ووصول القاجاريين إلى سدة الحكم، وجميعها حقبٌ اتسمت بسنوات من القتل والسلب والنهب وغزو البلدان المجاورة.
إذن ما تفعله إيران اليوم ليس بجديد، لكن الجديد في هذه المسرحية أننا يجب أن نتعلم من دروس التاريخ وحقائقه للمحافظة على أوطاننا، وألا نكرر أخطاء الماضي، ونحمي أنفسنا من شر هذا الحاسد الناقم الطامع.
لقد كان الوزير صريحًا وواضحًا بشأن حجم الأخطار التي تتعرض لها الجبهة الوطنية في البحرين، وسُبل مجابهتها، برؤية متكاملة من كل فئات المجتمع وأطرافه، حتى لا يدع مجالا لأي تسلل من أفكار هدامة، عاشت سنوات مستترة تحت الأرض تتحين الفرصة لنشر سمومها ونيرانها لتأكل كل خيرات هذا البلد.
كم كان الحديث قاطعًا عندما تطرق إلى التصدي التام لمشروع الوطنية الموازية الذي يتبناه مروجو ولاية الفقيه، عبر كشف نواياهم ومخططاتهم الهدامة.
إنَّ ما تعرضت له المنطقة على مدار الأشهر الخمسة الماضية خلق نوعا من انعدام الثقة في النظام الإيراني، وكيف لنا أن نتجاهل أنَّ إيران أغنى من جميع دول المنطقة بما تمتلكه من الثروة البترولية، والمعادن المختلفة والثروات الزراعية، ولكنها أفقر من كل دول الخليج العربية، والسبب هو عدم قدرتهم على تأسيس دولة يسود فيها القانون أو تتمكن من إدارة دفة الحكم بصورة سليمة حكومة بعد حكومة، وآخرها حكومة الملالي.
وحكم الملالي يمر حاليا بأكبر مأزق في تاريخه، بعد أن انكشف وجهه القبيح أمام جميع دول المنطقة والعالم، ولم يعد أمام هذا النظام إلا السعي وراء أي انتصار واهٍ يسيطر به على عقول أتباعه في الداخل، حتى إن تمسك بفرض قيود مخالفة للقوانين الدولية على حركة الملاحة البحرية، لأنَّ خروج هذا النظام خالي الوفاض يعد بمثابة إعلان لوفاته في عيون مريديه، لذلك يواصل المماطلة وممارسة ألاعيبه للتملص من أي اتفاق، لإطالة أمد التفاوض وإبقاء الأوضاع متوترة؛ لأنه يعتاش على التوتر وعدم الاستقرار، لذا يستنجد بوكلائه في اليمن والعراق لتأجيج الصراعات خدمة لأسيادهم في طهران.
ولقد شعرنا بصورة جلية بأن رسالة الوزير استهدفت إيصال موقف الدولة إلى المواطنين والمقيمين بأننا أقوى بكثير من بداية الحرب؛ لأننا نضع الأمن والطمأنينة والسلام لهذا المجتمع على رأس مقومات الدولة، لأننا لا نريد أن نرى الخوف في عيون أطفالنا، ونأبى أن يتحكم الخوف في عقولهم أو طموحاتهم للمستقبل، لأننا لم نمر بمثل هذه الظروف تاريخيا، ونعتبر مسؤوليتنا جلب السعادة والأمان، وألا نزج بأنفسنا أو شعوبنا في متاهات أو مغامرات غير محسوبة، وهذا ديدن إدارة الحكم في البحرين القائم على الحكمة والتعايش والسلام.
والجميع يعلم أنَّ البحرين تحرص على تطبيق أعلى معايير العدالة الإنسانية، فانتهجت مبادرات متتالية لتعزيز حقوق الإنسان، ولعل من أبرزها برنامج العقوبات البديلة والسجون المفتوحة، تلك المبادرات التي استهدفت منح أي محكوم عليه فرصة أخرى ليراجع نفسه ويعود إلى الطريق القويم كمواطن صالح يخدم مجتمعه.
وهذه المبادرات الإنسانية حظيت بإعجاب إقليمي ودولي واسع.
من المقولات التي أتوقف عندها ما جاء على لسان الوزير، حينما قال إن مناخ أفكارنا وعقيدتنا في العيش والحياة غير عقيدتهم، فنحن نؤمن بالاستثمار في الإنسان وهم يستثمرون في الحروب والدمار، ونحن نؤمن بالعدالة وليس بولاية الفقيه، هذا المشروع الذي يحاولون به اختطاف المذهب الشيعي، الذي كان ولا يزال مكونا أصيلا في المجتمع البحريني، حتى ما قبل ظهور الملالي في إيران.
قال الوزير موجها حديثه إلينا أنتم معشر الصحافة عليكم أن تعلموا أنه آن الأوان لدول مجلس التعاون أن تنتقل إلى حالة التكامل الأمني، لأن ما شهدته المنطقة يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن مصيرنا واحدٌ، ويجب أن يكون خليجنا أيضا واحدًا في مواجهة هذه التهديدات والأخطار.
وإنني لمست من خلال هذا الحوار الصادق والكلمات الواضحة أن الوزير يضع على عاتق الصحافة ورجالاتها وأقلامها والعاملين في كل منصاتها، سواء الورقية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مسؤولية عظيمة في أن تواصل أداء دورها كأحد الجنود الميدانيين في الصفوف الأولى للدفاع عن الوطن، مسلحين بأدق الوسائل للتصدي الشامل لأي غزو فكري عبر خبر مغلوط أو شائعة مضللة أو معلومة خاطئة، لأن حروب هذا الزمان لم تعد مقصورة على الأسلحة والطائرات والمسيرات فحسب، بل باتت تستخدم الكلمة والشائعة كأحد الأسلحة الضارية التي تستهدف أمن المجتمعات، لأن الأمن المجتمعي هو الركيزة الأساسية لضمان الوحدة الوطنية وحفظ الأمن والاستقرار.
على الكل أن يعلم أن درب العزة والكرامة ليس بأمر هيِّن، بل يجب أن نرصد له كل طاقاتنا الفكرية والعقلية بإرادة قوية ومطلقة، مع التمسك بالهوية البحرينية وثوابتها، وهذه هي شيم كل الشعوب لصيانة أوطانهم وصناعة مستقبلهم بأيديهم والدفاع عن مكتسباتهم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك