الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
إحصاء عاجل.. حول الهوية والقيم
«الأمم لا تُقاس بعدد سكانها ولا باتساع أراضيها، وإنما تُقاس بقوة قيمها وتماسك هويتها».. ومع قرب احتفال المملكة العربية السعودية باليوم الوطني الـ96، استوقفني خبر إطلاق الهيئة العامة للإحصاء السعودية مبادرة وطنية تحت اسم «مسح قيم وسلوكيات المجتمع السعودي».
المبادرة هي خطوة عميقة الدلالة، وتجاوزت كونها مجرد عملية إحصائية روتينية، لتصبح أداة علمية دقيقة تقيس نبض المجتمع، وتغوص في أعماق الشخصية الاجتماعية السعودية. فالدول اليوم لا تُبنى بالأرقام الاقتصادية وحدها، ولا بالمشاريع العملاقة فقط.. الأمم القوية هي التي تعرف نفسها أولاً.. تعرف ما الذي يؤمن به أبناؤها، وما هي المبادئ التي تحركهم في معاملاتهم اليومية، ومدى ارتباطهم بهويتهم.
الإحصاء السعودي لا يسأل عن الدخل أو عدد السيارات.. هو يذهب إلى ما هو أعمق، قياس حضور المبادئ السامية في السلوك اليومي، وإلى أي مدى نجد قيم التسامح والاعتدال والإيجابية حاضرة في تعامل السعودي مع جاره، وزميله، وحتى في وسائل التواصل الاجتماعي؟
ويهدف الإحصاء السعودي إلى قياس عمق الفخر بالتراث والثقافة السعودية. وهل ما زال الشاب السعودي يعتز بالزي الوطني، وبالعادات.. الفخر بالتراث ليس «نوستالجيا»، هو حصانة ضد الذوبان الثقافي في زمن العولمة.
كما يهدف الإحصاء السعودي إلى رصد مستوى الاعتزاز بالدين والوطن واللغة العربية كعناصر أصيلة في الهوية الوطنية. فاللغة ليست مجرد أداة تواصل. هي وعاء الفكر، وخزانة التاريخ. والاعتزاز بالدين والوطن هو خط الدفاع الأول عن أي مجتمع أمام محاولات التفكيك.. باختصار، هذا المسح يضع «خارطة قيم» للمجتمع. ومن خلالها تستطيع الدولة أن تصمم سياساتها التعليمية والإعلامية والثقافية بناءً على بيانات حقيقية، لا على انطباعات.
والسؤال الآن: هل نحتاج الى مثل هذا الإحصاء في البحرين؟ مملكة البحرين، بتاريخها العريق ونسيجها الاجتماعي المتماسك، هي الأخرى بحاجة ماسة الى مثل هذه المسوحات الوطنية.. نحن نعيش في ظل انفتاح كبير وتعددية ثقافية واقتصادية، وهذا نعمة، ولكن الانفتاح بدون بوصلة هوية واضحة خطأ فادح.
هيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية في البحرين قامت بجهود كبيرة في المسوحات الاقتصادية والاجتماعية، ولكن «مسح قيم وسلوكيات المجتمع البحريني» سيكون نقلة مختلفة.. سيجيبنا عن أسئلة مصيرية: ما مدى تمسك الشباب البحريني بقيم التسامح والتعايش التي عرفت بها البحرين عبر تاريخها؟ ما مستوى الاعتزاز بالتراث البحريني من عادات وتقاليد؟ وكيف نرى اللغة العربية في بيوتنا ومدارسنا؟ ما هي الثوابت التي ما زالت تجمع مكونات المجتمع البحريني الواحد؟
مثل هذه البيانات ستكون كنزاً للدولة والحكومة والسلطة التشريعية والمؤسسات التربوية.. سنعرف أين نحن أقوياء فنواصل، وأين هناك تراجع فنعالج.. سنبني مناهجنا الدراسية وحملاتنا الإعلامية على أساس علمي. فالهوية الوطنية ليست شعاراً نرفعه في المناسبات.. هي سلوك يومي.. هي طريقة تعاملنا في الشارع، وفي العمل، وفي المجتمع. ولكي نحافظ عليها، يجب أولاً أن نقيسها.
مبادرة الهيئة العامة للإحصاء السعودية تستحق أن تكون نموذجا يحتذى به.. وأتمنى أن نرى قريباً في مملكة البحرين مبادرة مشابهة، لأن حماية القيم وصون الهوية في زمن المتغيرات السريعة، هو أضمن طريق لاستقرار الوطن وتماسك المجتمع.. فالأوطان لا تحرسها الجدران فقط، بل تحرسها القيم التي يحملها أبناؤها في قلوبهم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك