الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
«سحر الشاشة».. سحر البحرين الحضاري
«الفنون هي لغة الحضارة التي لا تحتاج إلى ترجمة».. بهذه المقولة التي قالها «جبران خليل جبران» بدأت ليلتي، وبها انتهيت.. حضرت يوم أمس حفلة «سحر الشاشة» للمايسترو د. مبارك نجم، وخرجت منها وأنا على يقين أن الفن قادر وحده على أن يقول عن مملكة البحرين ما تعجز عنه مئات البيانات.
«ليلة من الإبداع».. هكذا كانت الحفلة، توليفة متنوعة نادرة.. موسيقى من أفلام عالمية عاشت في وجداننا، ومقطوعات من سينما ومسلسلات عربية لامست الذاكرة، وأغاني خليجية وبحرينية أيقظت الحنين.
الإبداع لم يكن في العزف فقط... كان في كل لمسة وحركة، وتنظيم وترتيب، وإضاءة وإيقاع.. عنوان «سحر الشاشة» لم يكن مجرد اسم، بل كان وعداً أوفى به المايسترو وفريقه بالكامل.
أثبتت الليلة أن الكفاءات الفنية البحرينية قادرة على رفع الوعي والإحساس لدى الناس، وقادرة على أن تقدم منتجاً ثقافياً يليق باسم مملكة البحرين. كانت القاعة ممتلئة بوجوه متنوعة.. مواطنين ومقيمين، عائلات وشباب، وحتى سفراء دول صديقة.. هذا التنوع بحد ذاته رسالة، وكان الأجمل هو حرص المايسترو د. مبارك نجم على أن يكون المسرح مرآة للعالم.
المايسترو د. مبارك نجم أشرك مواهب بحرينية شابة، واستضاف فنانة لبنانية بصوتها الدافئ، وقدم فرقة هندية من أطفال صغار خطفوا القلوب ببراءتهم، وكان على المسرح أيضاً عازفون من التشيك ومن دول أخرى.. في تلك اللحظة فهمت المعنى الحقيقي: الفن لغة العالم والشعوب، ولا يحتاج جواز سفر ولا تأشيرة، إنه يعبر الحدود ويصافح القلوب مباشرة.
في سبعينيات القرن الماضي كانت مدينة «بيلباو» الإسبانية مدينة صناعية مهمة تعاني من الركود والبطالة.. لم تنهضها المصانع، بل نهضها الفن، فقد بنت المدينة متحف «غوغنهايم بيلباو» وصممته المهندسة زها حديد.. واليوم، أصبح المتحف وجهة عالمية.. استقبل أكثر من 20 مليون زائر، وخلق آلاف الوظائف، وحول مدينة منسية إلى عاصمة ثقافية.. هذه قوة الفنون الناعمة، لا تبني جسوراً من حديد فقط، بل تبني جسوراً بين الناس وبين الحضارات.
شكراً من القلب للمايسترو د. مبارك نجم على هذا الجهد الموسيقي والإنساني الكبير.. وشكراً لهيئة البحرين للثقافة والآثار على دعمها المتواصل لمثل هذه المبادرات التي تضع مملكة البحرين على خريطة الفن الإقليمي والعالمي.
ما رأيناه في «سحر الشاشة» هو نموذج لـ الأدوات الناعمة في التأثير.. هي الرسالة البحرينية الحضارية التي نقدمها للعالم: بحرين منفتحة، بحرين تحترم التنوع، بحرين تؤمن أن التقدم لا يكون بالاقتصاد وحده، بل بالروح أيضاً.. الدول التي تريد أن يخلدها التاريخ لا يذكرها الناس بعدد الأبراج فقط، بل بالموسيقى التي عزفتها، وبالقصص التي حكتها، وبالمشاعر التي زرعتها.
ليلة واحدة من الموسيقى قالت عن مملكة البحرين أكثر مما تقوله تقارير كثيرة.. وهذا هو سحر الشاشة.. وسحر البحرين الحضاري.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك