الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
«ترند الثمانينيات».. عندما نبيع ملامحنا مقابل «لايك»
اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية موجة جديدة تُعرف بـ«ترند الثمانينيات».. الفكرة بسيطة ومغرية، ترفع صورتك الشخصية، ويقوم الذكاء الاصطناعي بتحويلها خلال ثوانٍ إلى لقطة مستوحاة من أزياء الثمانينيات، مع تسريحات الشعر الكبيرة، والألوان النيون، وخلفيات الاستوديوهات القديمة. النتيجة صور جذابة تُشعرك وكأنك بطل فيلم من ذلك العصر الذهبي.
عادوا بنا إلى الثمانينيات. تسريحة الشعر المنفوش، الجاكيت الجلد، النظارات الملونة.. لكن هذه المرة لم نعد للماضي بألبومات الصور، بل بضغطة زر على تطبيق ذكاء اصطناعي يحول وجهك إلى «بطل الثمانينيات» خلال 10 ثوانٍ.
ترند الثمانينيات انتشر كالنار في الهشيم. الكل يضحك، الكل يشارك، الكل يستعيد حنيناً لم يعشه البعض أصلاً.. لكن خلف هذا المرح، هناك صفقة خطيرة نعقدها من دون أن نقرأ بنودها.. نحن نبيع بياناتنا وملامحنا مقابل متعة لحظية.. الحنين سلاح ذو حدين، ولا أحد ينكر جمال الحنين.
الثمانينيات كانت زمن البساطة، لكن شركات التقنية اليوم لا تبيعك الحنين، بل تشتري منك أغلى ما تملك «بصمتك الرقمية»، ترفع صورتك، توافق على شروط من 20 صفحة لا يقرأها أحد، وفجأة يصبح وجهك مادة خام لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.. صورتك اليوم «ستايل ثمانينيات»، وغداً قد تكون وجهاً في إعلان، أو في فيديو مفبرك، أو في قاعدة بيانات للتعرف على الوجوه تُباع لأعلى سعر.
خلف هذه المتعة البريئة، هناك سؤال مهم بدأ الخبراء يطرحونه: ماذا يحدث لصورنا وبياناتنا بعد أن نرفعها؟ عندما توافق على شروط استخدام التطبيقات، غالباً ما تمنح الشركة حق استخدام صورتك، وملامح وجهك، وحتى بياناتك البيومترية، لأغراض «تدريب النموذج» أو «لأغراض تجارية»، وعندما يرفع الأهل صور أبنائهم، فهم يشاركون بيانات بيومترية لقاصر من دون أن يدرك الطفل تبعاتها المستقبلية.
وكما قال عالم البيانات كاثي أوينيل: «البيانات هي النفط الجديد، وكل صورة ترفعها هي برميل تسلمه مجاناً». والسؤال: هل هناك قوانين تنظم العملية؟ الجواب: نعم، كثير من الدول أصدرت أو تعدل قوانينها لمواكبة الذكاء الاصطناعي، مثل قانون حماية البيانات الشخصية في مملكة البحرين، كما أن القانون الأوروبي يلزم الشركات بأخذ موافقة صريحة، وتوضيح كيف سيتم استخدام البيانات، وحق المستخدم في حذفها، بل إن الاتحاد الأوروبي أصدر «قانون الذكاء الاصطناعي» الذي يصنف تطبيقات التزييف العميق كـ«عالية المخاطر» ويُلزم بوضع علامة مائية على المحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي.
وفي مملكة البحرين ودول الخليج العربي، الجهات المختصة توصي دائماً بقراءة «سياسة الخصوصية» قبل استخدام أي تطبيق، وعدم رفع صور للأطفال، والتأكد أن التطبيق مرخص وموثوق.. لكن القانون وحده لا يكفي، نحتاج إلى وعي، نحتاج أن تسأل قبل أن ترفع: من يملك صورتي بعد اليوم؟
ترند الثمانينات جميل وممتع، ويعيد لنا دفء الماضي.. لكن يجب أن نتعامل معه بوعي.. استمتع، شارك، واضغط، ولكن تذكر أنك لا تشارك صورة فقط، أنت تشارك جزءاً من هويتك الرقمية.. الحنين إلى الماضي لا يجب أن يكون على حساب أمان المستقبل.. فلنكن أذكياء مثل الذكاء الاصطناعي الذي نستخدمه.. استمتع بالثمانينيات في قلبك وذاكرتك، لا في سيرفر شركة لا تعرفها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك