الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
جبر الخواطر.. و«تحقيق أمنية»
((ازرع جميلاً في أي مكان، فلن يضيع جميل أينما زُرِع)).. مقولة تلخص جوهر العمل الإنساني، وتفسر لماذا تبقى بعض المبادرات محفورة في الوجدان لأنها خاطبت القلب قبل الجسد.
في هذا الإطار تتواصل مبادرة «تحقيق أمنية» التي تقوم بها المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية بالتعاون مع مؤسسة تحقيق أمنية في دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، في نموذج مشرق للشراكة الإنسانية الخليجية التي تضع الإنسان في المقدمة.
هي مبادرة لا تهدف فقط إلى تقديم هدية، بل إلى منح لحظة فرح وأمل وسط رحلة علاج طويلة وشاقة.. الأمنيات كانت بسيطة في ظاهرها، عظيمة في أثرها. تنوعت بين أجهزة ومقتنيات إلكترونية وألعاب، لكن قيمتها الحقيقية ليست في سعرها، بل في أنها جاءت استجابة لرغبة طفل كان يحلم بها.
والأهم أن هذه الأمنيات ذهبت إلى أطفال يواجهون ظروفاً صحية صعبة ومعقدة: حالات نادرة كالاضطراب الاستقلابي المرتبط بزراعة الكبد، وتضيق في المريء، والفشل الكلوي النهائي، والسرطان، وغيرها.. لأطفال يحتاجون الى رعاية طبية مستمرة، ويحتاجون معها إلى جرعة أمل تعينهم على المواصلة.
وهنا يتجلى المعنى الحقيقي لـ«جبر الخواطر».. فجبر خاطر مريض صغير بابتسامة، أو بهدية كان يحلم بها، جزاؤه كبير في الدنيا والآخرة.. في الدنيا نرى أثره مباشرة في عين الطفل التي تلمع، وفي ضحكة كانت غائبة، وفي قوة جديدة تدب في جسده المنهك.. وفي الآخرة فهو من أعظم أبواب الخير، لأن إدخال السرور على مسلم، وخاصة المريض، من أحب الأعمال إلى الله.
الأثر لا يتوقف عند الطفل فقط.. يمتد إلى الأسرة التي أنهكها القلق والسهر والمتابعة.. عندما ترى الأم ابنها سعيداً ولو لدقائق، تشعر أن هناك من يتقاسم معها الهم، وأن المجتمع لا ينسى معاناتها.. ويمتد الأثر إلى المجتمع عموماً، لأنه يرسخ قيمة التكافل، ويعلمنا أن الرحمة ليست كلمة، بل فعل.
ما يميز هذه المبادرة أنها تتجاوز الجانب الصحي إلى الجانب النفسي والمعنوي.. فالمؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية تؤمن بأن العلاج ليس دواءً فقط، بل هو دعم نفسي وإيجابية وأمل، وتحقيق الأمنية يمنح الطفل دافعاً للصبر، ويحول المستشفى من مكان للألم إلى مكان يمكن أن تحدث فيه معجزة صغيرة.. وهنا يستوجب المقام أن نتقدم بالشكر والعرفان لسمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة الذي يحرص شخصيا على تحقيق أمنيات الأطفال ويشاركهم فرحتهم.
كما أن هذا النموذج من التعاون الإنساني المشترك بين البحرين والإمارات يجسد عمق العلاقة الأخوية بين البلدين.. شراكة تقول إن الخير لا يعرف حدوداً، وإن يد العطاء الخليجية واحدة.. لكن لكي يستمر هذا الخير ويتسع، تأتي أهمية دعم مؤسسات المجتمع والشخصيات العامة للمبادرة، من الشركات، ورجال الأعمال، والإعلام، والمؤثرين، كلهم شركاء.. دعمهم يعني أمنية جديدة تتحقق، وضحكة جديدة ترتسم، وأسرة تشعر بأنها ليست وحدها.
إن تحويل أمنيات الأطفال المرضى إلى لحظات جميلة تبقى في ذاكرتهم هو استثمار في الإنسان.. وهو رسالة الى كل مريض أنك لست منسياً، ولكل أسرة أن المجتمع سند لكم.. فشكراً بحجم السماء للمؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، وبجهود المهندس إبراهيم دلهان الدوسري القائم بأعمال الأمين العام وفريق العمل معه.. فقد تعلمنا منكم أن أعظم إنجاز ليس ما نبنيه من مبانٍ، بل ما نبنيه من أمل في قلوب الصغار.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك