العدد : ١٧٧٠٦ - الاثنين ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٦ - الاثنين ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

لا حوار.. قبل وقف الإضرار

جاء‭ ‬إعلان‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬رفضها‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الاجتماع‭ ‬الوزاري‭ ‬المقرر‭ ‬عقده‭ ‬في‭ ‬سلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬بحضور‭ ‬إيران،‭ ‬ليؤكد‭ ‬مجدداً‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬البحرينية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ثوابت‭ ‬واضحة‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬المساومة‭. ‬فالموقف‭ ‬البحريني‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬عابراً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬تراكمية‭ ‬لاعتداءات‭ ‬غاشمة،‭ ‬ولإدراك‭ ‬عميق‭ ‬بأن‭ ‬الأمن‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬التغاضي‭ ‬ولا‭ ‬يُشترى‭ ‬بالسكوت‭. ‬

مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬طرفًا‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬اجتماع‭ ‬جماعي‭ ‬يضم‭ ‬إيران‭ ‬قبل‭ ‬عودة‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭. ‬فالحوار‭ ‬المسؤول‭ ‬يبدأ‭ ‬باحترام‭ ‬السيادة‭ ‬ووقف‭ ‬العدوان،‭ ‬لا‭ ‬بالقفز‭ ‬فوق‭ ‬الجراح‭. ‬ومملكة‭ ‬البحرين‭ ‬تعرضت‭ ‬لأفعال‭ ‬استهدفت‭ ‬أمنها‭ ‬القومي‭ ‬مباشرة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬الجلوس‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬واحدة‭ ‬قبل‭ ‬المحاسبة‭ ‬يعني‭ ‬تطبيعاً‭ ‬مع‭ ‬الاعتداء‭.. ‬وعندما‭ ‬تشترط‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬عودة‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬كمدخل‭ ‬لأي‭ ‬اجتماع،‭ ‬فإنها‭ ‬تحفظ‭ ‬للدبلوماسية‭ ‬هيبتها،‭ ‬فالدبلوماسية‭ ‬ليست‭ ‬صورة‭ ‬جماعية،‭ ‬بل‭ ‬عملية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬والمسؤولية‭.‬

كما‭ ‬تتمسك‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بحسن‭ ‬الجوار‭ ‬بوصفه‭ ‬قاعدة‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬دون‭ ‬مجاملة‭ ‬سياسية‭.. ‬فأمن‭ ‬الممر‭ ‬مائياً‭ ‬مرتبط‭ ‬بأمن‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬للخليج‭ ‬والعالم،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزاله‭ ‬في‭ ‬ترتيبات‭ ‬ثنائية‭ ‬انتقائية‭.‬

وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬يُقال‭: ‬‮«‬من‭ ‬أمن‭ ‬العقوبة‭ ‬أساء‭ ‬الأدب‮»‬‭. ‬وهذه‭ ‬الحكمة‭ ‬تلخص‭ ‬جوهر‭ ‬الموقف‭ ‬البحريني‭.. ‬فالسكوت‭ ‬عن‭ ‬الاعتداءات‭ ‬أو‭ ‬تجاوزها‭ ‬بإجراءات‭ ‬بروتوكولية‭ ‬يرسل‭ ‬رسالة‭ ‬خاطئة‭ ‬بأن‭ ‬بالإمكان‭ ‬الاستمرار‭ ‬دون‭ ‬تكلفة‭. ‬أما‭ ‬الموقف‭ ‬الحازم‭ ‬فيقول‭: ‬لا‭ ‬أمن‭ ‬دون‭ ‬مساءلة،‭ ‬ولا‭ ‬استقرار‭ ‬دون‭ ‬احترام‭.‬

التاريخ‭ ‬يعلمنا‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تساهلت‭ ‬مع‭ ‬الاعتداءات‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬تهدئة‭ ‬الأوضاع‮»‬‭ ‬دفعت‭ ‬لاحقاً‭ ‬أثماناً‭ ‬باهظة‭.. ‬ففي‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬عندما‭ ‬تعرضت‭ ‬ناقلات‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬لهجمات‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الحل‭ ‬في‭ ‬اجتماعات‭ ‬شكلية‭ ‬تتجاهل‭ ‬مصدر‭ ‬التهديد،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬بلورة‭ ‬موقف‭ ‬جماعي‭ ‬خليجي‭ ‬ودولي‭ ‬استند‭ ‬إلى‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬وردع‭ ‬الاعتداء‭.‬

وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬الردع‭ ‬القانوني‭ ‬والجماعي‭ ‬أثمر‭ ‬أمناً‭ ‬للملاحة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مقاربات‭ ‬فردية‭.. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬مواقف‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬التاريخية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التدخلات‭ ‬الخارجية‭ ‬كانت‭ ‬دائماً‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬قاعدة‭ ‬‮«‬لا‭ ‬حوار‭ ‬قبل‭ ‬وقف‭ ‬الإضرار‮»‬‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬ذات‭ ‬المنطق‭ ‬الذي‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬اليوم‭.. ‬رفض‭ ‬المشاركة‭ ‬ليس‭ ‬انسحاباً‭ ‬من‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬بل‭ ‬حماية‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬غطاء‭ ‬للاعتداء‭. ‬

الموقف‭ ‬البحريني‭ ‬هو‭ ‬ترسيخ‭ ‬عقيدة‭ ‬الردع‭ ‬القانوني،‭ ‬فبرفضها‭ ‬المشاركة،‭ ‬تؤكد‭ ‬البحرين‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬هو‭ ‬الإطار‭ ‬الوحيد‭ ‬المقبول‭ ‬لأي‭ ‬ترتيب‭ ‬إقليمي‭. ‬وهذا‭ ‬يؤكد‭ ‬مكانتها‭ ‬كدولة‭ ‬مؤسسات‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬لسياسة‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع‭. ‬

كما‭ ‬أن‭ ‬إصرارها‭ ‬على‭ ‬مشاركة‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬ترتيب‭ ‬لمضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬فإنها‭ ‬تضع‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬لعمل‭ ‬خليجي‭ ‬مشترك‭. ‬والموقف‭ ‬الحاسم‭ ‬يقطع‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لاستخدام‭ ‬المنصات‭ ‬الإقليمية‭ ‬لتطبيع‭ ‬الاعتداء‭. ‬وهو‭ ‬بذلك‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬تكراره‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬

البحرين‭ ‬وهي‭ ‬ترفض‭ ‬اليوم،‭ ‬إنما‭ ‬تبني‭ ‬لغدٍ‭ ‬أكثر‭ ‬أمناً‭.. ‬غدٍ‭ ‬تقوم‭ ‬فيه‭ ‬العلاقات‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬القوة،‭ ‬وعلى‭ ‬المسؤولية‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب،‭ ‬وعلى‭ ‬احترام‭ ‬السيادة‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬استباحة‭ ‬الجوار‭.. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬الحكمة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭: ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬‮«‬لا‮»‬‭ ‬اليوم،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تضطر‭ ‬إلى‭ ‬قول‭ ‬‮«‬ليتنا‮»‬‭ ‬غدا‭. ‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا