الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
لا حوار.. قبل وقف الإضرار
جاء إعلان مملكة البحرين رفضها المشاركة في الاجتماع الوزاري المقرر عقده في سلطنة عُمان بحضور إيران، ليؤكد مجدداً أن السياسة الخارجية البحرينية تقوم على ثوابت واضحة لا تقبل المساومة. فالموقف البحريني لم يكن رد فعل عابراً، بل هو نتيجة تراكمية لاعتداءات غاشمة، ولإدراك عميق بأن الأمن لا يُبنى على التغاضي ولا يُشترى بالسكوت.
مملكة البحرين لن تكون طرفًا في أي اجتماع جماعي يضم إيران قبل عودة العلاقات الدبلوماسية. فالحوار المسؤول يبدأ باحترام السيادة ووقف العدوان، لا بالقفز فوق الجراح. ومملكة البحرين تعرضت لأفعال استهدفت أمنها القومي مباشرة، وبالتالي فإن الجلوس إلى طاولة واحدة قبل المحاسبة يعني تطبيعاً مع الاعتداء.. وعندما تشترط مملكة البحرين عودة العلاقات الدبلوماسية كمدخل لأي اجتماع، فإنها تحفظ للدبلوماسية هيبتها، فالدبلوماسية ليست صورة جماعية، بل عملية تقوم على الاحترام المتبادل والمسؤولية.
كما تتمسك مملكة البحرين بحسن الجوار بوصفه قاعدة في القانون الدولي، دون مجاملة سياسية.. فأمن الممر مائياً مرتبط بأمن إمدادات الطاقة للخليج والعالم، ولا يمكن اختزاله في ترتيبات ثنائية انتقائية.
وكثيرا ما يُقال: «من أمن العقوبة أساء الأدب». وهذه الحكمة تلخص جوهر الموقف البحريني.. فالسكوت عن الاعتداءات أو تجاوزها بإجراءات بروتوكولية يرسل رسالة خاطئة بأن بالإمكان الاستمرار دون تكلفة. أما الموقف الحازم فيقول: لا أمن دون مساءلة، ولا استقرار دون احترام.
التاريخ يعلمنا أن الدول التي تساهلت مع الاعتداءات تحت شعار «تهدئة الأوضاع» دفعت لاحقاً أثماناً باهظة.. ففي ثمانينيات القرن الماضي، عندما تعرضت ناقلات دول الخليج لهجمات في الخليج العربي، لم يكن الحل في اجتماعات شكلية تتجاهل مصدر التهديد، بل كان في بلورة موقف جماعي خليجي ودولي استند إلى القانون الدولي وردع الاعتداء.
وقد أثبتت التجربة أن الردع القانوني والجماعي أثمر أمناً للملاحة أكثر من أي مقاربات فردية.. كما أن مواقف مجلس التعاون التاريخية في مواجهة التدخلات الخارجية كانت دائماً تبدأ من قاعدة «لا حوار قبل وقف الإضرار». وهذا هو ذات المنطق الذي تقوم به مملكة البحرين اليوم.. رفض المشاركة ليس انسحاباً من الدبلوماسية، بل حماية لها من أن تتحول إلى غطاء للاعتداء.
الموقف البحريني هو ترسيخ عقيدة الردع القانوني، فبرفضها المشاركة، تؤكد البحرين أن القانون الدولي هو الإطار الوحيد المقبول لأي ترتيب إقليمي. وهذا يؤكد مكانتها كدولة مؤسسات لا تخضع لسياسة الأمر الواقع.
كما أن إصرارها على مشاركة دول مجلس التعاون في أي ترتيب لمضيق هرمز، فإنها تضع حجر الأساس لعمل خليجي مشترك. والموقف الحاسم يقطع الطريق على أي محاولة لاستخدام المنصات الإقليمية لتطبيع الاعتداء. وهو بذلك يقلل من احتمالات تكراره في المستقبل.
البحرين وهي ترفض اليوم، إنما تبني لغدٍ أكثر أمناً.. غدٍ تقوم فيه العلاقات على القانون لا على القوة، وعلى المسؤولية لا على الإفلات من العقاب، وعلى احترام السيادة لا على استباحة الجوار.. وهذا هو جوهر الحكمة في السياسة: أن تقول «لا» اليوم، حتى لا تضطر إلى قول «ليتنا» غدا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك