العدد : ١٧٧٠٤ - السبت ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٤ - السبت ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

لسانك حصانك

وقف‭ ‬بروفيسور‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬علوم‭ ‬الإدارة‭ ‬الحديثة،‭ ‬ووسائل‭ ‬تحفيز‭ ‬وإعداد‭ ‬وتأهيل‭ ‬كبار‭ ‬الإداريين،‭ ‬يقدم‭ ‬محاضرة‭ ‬أمام‭ ‬جمع‭ ‬من‭ ‬مديري‭ ‬الشركات‭ ‬وبدأ‭ ‬محاضرته‭ ‬بقوله‭: ‬قضيت‭ ‬أجمل‭ ‬سنوات‭ ‬عمري‭ ‬بين‭ ‬ذراعي‭ ‬امرأة‭.. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬زوجتي‭.. ‬وران‭ ‬على‭ ‬القاعة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يقدم‭ ‬فيها‭ ‬محاضرته‭ ‬صمت‭ ‬عميق‭ ‬لأن‭ ‬المستمعين‭ ‬اعتبروا‭ ‬البروفيسور‭ ‬‮«‬انخبل‮»‬‭ ‬ويريد‭ ‬الكلام‭ ‬عن‭ ‬غزواته‭ ‬العاطفية‭ ‬كدليل‭ ‬على‭ ‬قدرته‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬وشدِّهم‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭. ‬بل‭ ‬انسحبت‭ ‬بعض‭ ‬النساء‭ ‬من‭ ‬القاعة‭ ‬غاضبات،‭ ‬ولكن‭ ‬المحاضر‭ ‬أكمل‭ ‬الحديث‭: ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬كانت‭ ‬أمي‭. ‬فارتفعت‭ ‬الضحكات‭ ‬ودوت‭ ‬الأكف‭ ‬بالتصفيق‭.‬

وبعدها‭ ‬بنحو‭ ‬أسبوع‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬المديرين‭ ‬الذين‭ ‬شاركوا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدورة‭ ‬التدريبية‭ ‬قد‭ ‬دخل‭ ‬بيته‭ ‬للتو،‭ ‬عندما‭ ‬استقبلته‭ ‬زوجته‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعد‭ ‬العشاء‭ ‬هاشة‭ ‬باشة‭ ‬فقرر‭ ‬أن‭ ‬يفاجئها‭ ‬بنفس‭ ‬تلك‭ ‬الحكاية‭ ‬التي‭ ‬سمعها‭ ‬من‭ ‬البروفيسور‭. ‬رمى‭ ‬حقيبة‭ ‬يده‭ ‬على‭ ‬الكنبة‭ ‬وتنهد‭ ‬وقال‭: ‬هل‭ ‬تعرفين‭ ‬أنني‭ ‬قضيت‭ ‬أمتع‭ ‬سنوات‭ ‬عمري‭ ‬في‭ ‬حضن‭ ‬امرأة‭ ‬غيرك‭ ‬يا‭ ‬زوجتي‭. ‬يعني‭ ‬غيرك‭ ‬أنتِ؟‭ ‬سقط‭ ‬فك‭ ‬الزوجة‭ ‬من‭ ‬الدهشة‭ ‬وواصلت‭ ‬النظر‭ ‬الى‭ ‬زوجها‭ ‬ليكمل‭ ‬اعترافه‭ ‬بينما‭ ‬واصل‭ ‬الرجل‭ ‬هرش‭ ‬وحك‭ ‬رأسه‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬تكملة‭ ‬‮«‬النكتة‮»‬‭ ‬وبعد‭ ‬صمت‭ ‬ثقيل‭ ‬وطويل‭ ‬أضاف‭: ‬لا‭ ‬أتذكر‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭.. ‬‮«‬على‭ ‬بال‭ ‬ما‭ ‬تذكر‮»‬‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬ينبغي‭ ‬ان‭ ‬يقول‭ ‬ان‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬كانت‭ ‬أمه،‭ ‬كان‭ ‬السيد‭ ‬المدير‭ ‬خفيف‭ ‬الظل‭ ‬ثقيل‭ ‬اللسان‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬حروق‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الثانية‭ ‬بسبب‭ ‬المرق‭ ‬الساخن‭ ‬الذي‭ ‬سكبته‭ ‬زوجته‭ ‬على‭ ‬وجهه‭.‬

طبعا‭ ‬الحكاية‭ ‬أعلاه‭ ‬نكتة،‭ ‬ولكن‭ ‬تكمن‭ ‬بلاغتها‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬تثبت‭ ‬ان‭ ‬بعض‭ ‬الإداريين‭ ‬حمير‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العقلية‭ (‬الفكرية‭) ‬وحتى‭ ‬قدراتهم‭ ‬الببغاوية‭ ‬قد‭ ‬تتعطل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭. (‬بالمناسبة‭ ‬فإن‭ ‬الحمار‭ ‬ذا‭ ‬الأرجل‭ ‬الأربعة‭ ‬أكثر‭ ‬ذكاء‭ ‬من‭ ‬الحصان،‭ ‬ولكن‭ ‬الحصان‭ ‬يحظى‭ ‬بالمدح‭ ‬والغزل‭ ‬بسبب‭ ‬وسامته‭). ‬ما‭ ‬علينا‭ ‬فالشاهد‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬كبار‭ ‬المسؤولين‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يحضرون‭ ‬مؤتمرات‭ ‬وندوات‭ ‬وتعجبهم‭ ‬بعض‭ ‬الأفكار‭ ‬والأقوال‭ ‬فيرددونها‭ ‬كما‭ ‬الببغاوات‭ ‬وكأنها‭ ‬من‭ ‬بنات‭ ‬أفكارهم،‭ ‬ويبدأ‭ ‬الواحد‭ ‬منهم‭ ‬الحديث‭ ‬مع‭ ‬مرؤوسيه‭ ‬بكلام‭ ‬من‭ ‬شاكلة‭: ‬أنا‭ ‬فلسفتي‭ ‬في‭ ‬العمل‭. ‬ويستمع‭ ‬اليه‭ ‬المرؤوسون‭ ‬بإعجاب‭ ‬متكلف‭ ‬لأنهم‭ ‬يعرفون‭ ‬أن‭ ‬فلسفته‭ ‬الوحيدة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬أخته‭ ‬زوجة‭ ‬ابن‭ ‬عم‭ ‬سائق‭ ‬سيارة‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭. ‬وأمثال‭ ‬صاحبنا‭ ‬الذي‭ ‬انتهى‭ ‬به‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬كثيرون،‭ ‬خاصة‭ ‬بين‭ ‬العوام‭ ‬الذين‭ ‬يخالطون‭ ‬المثقفين‭ ‬ويلتقطون‭ ‬منهم‭ ‬مفردات‭ ‬ومصطلحات‭ ‬ويختزنونها‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬لاستخدامها‭ ‬لاحقا‭..‬‭ ‬فتختلط‭ ‬عليهم‭ ‬الأمور‭ ‬فيقول‭ ‬أحدهم‭ ‬مثلا‭ ‬إن‭ ‬ألم‭ ‬المفاصل‭ ‬الذي‭ ‬يعاني‭ ‬منه‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬إصابته‭ ‬بالبراغماتيزم‭ (‬وهو‭ ‬يقصد‭ ‬الروماتيزم‭). ‬ووالله‭ ‬استمعت‭ ‬قبل‭ ‬أشهر‭ ‬قليلة‭ ‬إلى‭ ‬مراسلة‭ ‬قناة‭ ‬عربية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كانت‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬وقالت‭: ‬كافة‭ ‬الدلائل‭ ‬تشير‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬البلاد‭ ‬مقبلة‭ ‬على‭ ‬اكتئاب‭ ‬اقتصادي‭. ‬أدركت‭ ‬على‭ ‬التو‭ ‬أنها‭ ‬وبسبب‭ ‬ضحالة‭ ‬ثقافتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬ان‭ ‬كلمة‭ ‬دِبريشن‭ ‬depression‭ ‬وتعني‭ ‬فعلا‭ ‬الاكتئاب‭ ‬في‭ ‬قاموس‭ ‬علم‭ ‬النفس،‭ ‬تعني‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬‮«‬الكساد‮»‬‭.‬

حكى‭ ‬لي‭ ‬زميل‭ ‬سوداني‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬معنا‭ ‬في‭ ‬وظيفة‭ ‬فنية‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬إنجليزية،‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬الإنجليزية‭ ‬سوى‭ ‬‮«‬أوكي‮»‬‭ ‬أنه‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬مع‭ ‬نفر‭ ‬مثله‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬الإنجليزية‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬فيه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المهنيين‭ ‬يناقشون‭ ‬قضايا‭ ‬شائكة‭ ‬مستخدمين‭ ‬‮«‬الكلام‭ ‬الكبير‮»‬،‭ ‬فقرر‭ ‬إعطاء‭ ‬أقرانه‭ ‬الانطباع‭ ‬بأنه‭ ‬مواكب‭ ‬للحوار‭ ‬وقادر‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بمداخلات،‭ ‬فصار‭ ‬كلما‭ ‬قال‭ ‬أحدهم‭ ‬شيئا‭ ‬عقب‭ ‬بكلمة‭: ‬أبسلوتلي‭ (‬تعني‭ ‬مطلقا‭ ‬وعلى‭ ‬الإطلاق‭ ‬وتماما‭)‬،‭ ‬ولما‭ ‬‮«‬كترها‭ ‬ومسخها‮»‬‭ ‬مال‭ ‬عليه‭ ‬أحدهم‭ ‬وهمس‭ ‬في‭ ‬أذنه‭ ‬بحزم‭: ‬يا‭ ‬زول‭ ‬اسكت‭ ‬أو‭ ‬اطلع‭ ‬بره،‭ ‬فطلع‭ ‬الزول‭ ‬بره‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا