زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
لسانك حصانك
وقف بروفيسور متخصص في علوم الإدارة الحديثة، ووسائل تحفيز وإعداد وتأهيل كبار الإداريين، يقدم محاضرة أمام جمع من مديري الشركات وبدأ محاضرته بقوله: قضيت أجمل سنوات عمري بين ذراعي امرأة.. ولم تكن تلك المرأة زوجتي.. وران على القاعة التي كان يقدم فيها محاضرته صمت عميق لأن المستمعين اعتبروا البروفيسور «انخبل» ويريد الكلام عن غزواته العاطفية كدليل على قدرته في التأثير على الآخرين وشدِّهم الى ما يقوله. بل انسحبت بعض النساء من القاعة غاضبات، ولكن المحاضر أكمل الحديث: تلك المرأة كانت أمي. فارتفعت الضحكات ودوت الأكف بالتصفيق.
وبعدها بنحو أسبوع كان أحد المديرين الذين شاركوا في تلك الدورة التدريبية قد دخل بيته للتو، عندما استقبلته زوجته التي كانت تعد العشاء هاشة باشة فقرر أن يفاجئها بنفس تلك الحكاية التي سمعها من البروفيسور. رمى حقيبة يده على الكنبة وتنهد وقال: هل تعرفين أنني قضيت أمتع سنوات عمري في حضن امرأة غيرك يا زوجتي. يعني غيرك أنتِ؟ سقط فك الزوجة من الدهشة وواصلت النظر الى زوجها ليكمل اعترافه بينما واصل الرجل هرش وحك رأسه بحثا عن تكملة «النكتة» وبعد صمت ثقيل وطويل أضاف: لا أتذكر الآن من هي تلك المرأة.. «على بال ما تذكر» أنه كان ينبغي ان يقول ان تلك المرأة كانت أمه، كان السيد المدير خفيف الظل ثقيل اللسان في المستشفى يعاني من حروق من الدرجة الثانية بسبب المرق الساخن الذي سكبته زوجته على وجهه.
طبعا الحكاية أعلاه نكتة، ولكن تكمن بلاغتها في أنها تثبت ان بعض الإداريين حمير من الناحية العقلية (الفكرية) وحتى قدراتهم الببغاوية قد تتعطل في بعض الأحيان. (بالمناسبة فإن الحمار ذا الأرجل الأربعة أكثر ذكاء من الحصان، ولكن الحصان يحظى بالمدح والغزل بسبب وسامته). ما علينا فالشاهد هنا هو أن بعض كبار المسؤولين كثيرا ما يحضرون مؤتمرات وندوات وتعجبهم بعض الأفكار والأقوال فيرددونها كما الببغاوات وكأنها من بنات أفكارهم، ويبدأ الواحد منهم الحديث مع مرؤوسيه بكلام من شاكلة: أنا فلسفتي في العمل. ويستمع اليه المرؤوسون بإعجاب متكلف لأنهم يعرفون أن فلسفته الوحيدة هي أن أخته زوجة ابن عم سائق سيارة الرئيس التنفيذي. وأمثال صاحبنا الذي انتهى به الأمر في المستشفى كثيرون، خاصة بين العوام الذين يخالطون المثقفين ويلتقطون منهم مفردات ومصطلحات ويختزنونها في الذاكرة لاستخدامها لاحقا.. فتختلط عليهم الأمور فيقول أحدهم مثلا إن ألم المفاصل الذي يعاني منه ناتج عن إصابته بالبراغماتيزم (وهو يقصد الروماتيزم). ووالله استمعت قبل أشهر قليلة إلى مراسلة قناة عربية في الولايات المتحدة كانت تتحدث عن الأزمة المالية والاقتصادية وقالت: كافة الدلائل تشير الى ان البلاد مقبلة على اكتئاب اقتصادي. أدركت على التو أنها وبسبب ضحالة ثقافتها الاقتصادية لا تعرف ان كلمة دِبريشن depression وتعني فعلا الاكتئاب في قاموس علم النفس، تعني في لغة الاقتصاد «الكساد».
حكى لي زميل سوداني كان يعمل معنا في وظيفة فنية في صحيفة إنجليزية، ولا يعرف من الإنجليزية سوى «أوكي» أنه وجد نفسه مع نفر مثله لا يعرفون شيئا من الإنجليزية في مجلس فيه عدد من المهنيين يناقشون قضايا شائكة مستخدمين «الكلام الكبير»، فقرر إعطاء أقرانه الانطباع بأنه مواكب للحوار وقادر على القيام بمداخلات، فصار كلما قال أحدهم شيئا عقب بكلمة: أبسلوتلي (تعني مطلقا وعلى الإطلاق وتماما)، ولما «كترها ومسخها» مال عليه أحدهم وهمس في أذنه بحزم: يا زول اسكت أو اطلع بره، فطلع الزول بره ولم يعد حتى الآن.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك