زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
من يستحق الطرد؟
هناك واقعة تناولتها صحيفة الثورة السورية قبل نحو ثلاث سنوات، وتتعلق بأن مستشفى للأمراض النفسية في محافظة ريف حلب أبلغ أحد النزلاء بأنه غير مريض وعليه أن يغادر المستشفى. لم يقولوا له: مبروك لقد تعافيت من المرض واذهب الى بيتك. بل قالوا له إنه لم يكن مريضا أصلا. وحدث ذلك بعد 28 سنة قضاها الرجل في قائمة المرضى الذين تتطلب حالاتهم الحجز المستمر وتناول جرعات معلومة من العقاقير. قالت إدارة المستشفى إنها اكتشفت ان «المريض» ليس مريضا. بس هل يتطلب الأمر 28 يوما أو شهرا (بلاش سنة) ليتوصل أطباء إلى أن شخصا ما غير مريض؟ اتصلوا بأهل المريض وأبلغوهم بأن عليهم الحضور لاصطحابه أو لنقله للقسم الخاص نظير 18000 ليرة شهريا.. طيب إذا هو «طيب» ومعافى فما لزوم أن يلزم سرير المستشفى في القسم الخاص أبو 18000 ليرة؟ لم يأت أهله لأنهم فيما يبدو غير مقتنعين بأنه معافى من حيث الصحة النفسية، طالما أن الأطباء ظلوا يرون على مدى قرابة ثلاثة عقود أن حالته مستعصية تتطلب حجزه، وبالتالي لم يروا أن هناك ما يبرر دفع مبلغ ضخم لقاء بقائه في المستشفى! أتدرون ماذا فعلت إدارة المستشفى؟ وضعت لافتة حول رقبة المريض الذي ليس بمريض، عليها معلومات عنه (اسمه وعنوان مسكنه) وطردته خارج المبنى. حدث هذا رغم أن النيابة العامة – وهي جهة قانونية – اعترضت على إخراجه من المستشفى بعد ان احتجزته يوما كاملا وثبت لها أنه ليس متوازنا عقليا.
لننظر الى السيناريوين: الأول أن الرجل مريض فعلا ولا يزال. والثاني أنه لم يكن مريضا أصلا، وفي الحالتين فقد كان من واجب وزارة الصحة السورية إجراء تحقيق حول الموضوع، والنهاية الطبيعية للتحقيق هو ان يتم طرد المسؤولين الكبار في المستشفى، كيف لم يكتشف أطباء قبل أكثر من ربع قرن عندما أدخلوه المستشفى، أنه لم يكن مريضا؟ كيف لم يكتشفوا أنه لم يكن كذلك في عام 1991 أو في 2001؟ لماذا استغرق الأمر 28 سنة؟ الأطباء بشر ويخطئون في التشخيص ويا ما عانت نساء سنوات من العلاج الكيميائي والإشعاعي بحسبان أنهن يعانين من سرطان الثدي ثم يتضح أن التشخيص كان خاطئا، ومن الوارد أن يقول لك الطبيب إنك تعاني من مشاكل في القلب عندما تشكو اليه من طعنات في الصدر وتكتشف لاحقا ان الفاصوليا هي السبب (الفاصوليا جنريتر/ مُولِّد لغازات الجهاز الهضمي فإذا أكلتها فاحترم نفسك وابتعد عن الناس عشر ساعات على الأقل، خاصة إذا كان قولونك قليل أدب وانفعاليا يبحث عن ذرائع ليثور). وقد يقول لك طبيب ان الطعنات التي تعاني منها ناتجة عن غازات الفاصوليا، بينما حقيقة الأمر هي عرض لمرض في القلب أو الأوعية الدموية. مثل هذه الأخطاء واردة ولكن ان يخطئ فريق طبي كامل في تشخيص حالة مريض ربع قرن وثلاث سنوات فهذا معناه أن علاقتهم بالمرضى الذين يفترض أنهم يرعونهم مش ولابد.
ومن يدري فقد يكون الأطباء أولئك قد حكموا على صاحبنا بأنه شفي، قياسا على سلوكيات معينة صدرت عنه، كما حدث مع مريض في مستشفى للأمراض النفسية وجد زميلا له يوشك على الغرق في بركة سباحة، فاندفع نحوه وأنقذه وهلل الأطباء للحدث عندما سمعوا به وأتوا بالرجل ليهنئوه ويبشروه بأن عمله البطولي دليل على أنه تعافى من المرض، ولكن دخل عليهم ممرض ليقول لهم إن الرجل الذي نجا من الغرق انتحر بأن شنق نفسه، فما كان من المريض الذي أنقذه إلا أن صاح: لا لم ينتحر فقد علقته أنا في الحبل كي ينشف.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك