زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
راحت كريستيانا وجاء كريستيان
لا شخص معصوم من الخطأ، ومن ثم قرأنا وسمعنا عن مريض أصيب بغرغرينا في ساقه الأيسر، وبتر الجراح ساقه الأيمن، وهناك مئات الحكايات عن جراحين نسوا مقصات ومفكات وقطع شاش في تجاويف أجسام مرضى خضعوا للجراحة. وفي بعض الدول حيث الأمور سائبة، وحيث رفعت الحكومات يدها عن الخدمات الطبية، فآلت مقاليد الأمور في هذا المجال الى الطب الخاص ذي الطابع التجاري، لم يعد مستغربا أن يدخل شخص ما مستشفى لاستئصال اللوزتين وبعد زوال أثر التخدير يكتشف أن لسانه أيضا راح فيها. وقبل أعوام حدث في عاصمة عربية أن طفلا خضع لعملية ختان فاستأصل الطبيب عضو الذكورة بكامله، ولو حدث هذا في بلد فيه سيادة للقانون لخضع الجراح الذي فعل ذلك لعملية ختان في الرقبة تنتهي ببتر رأسه. ويحدث في البعض من دول العالم حيث تكاد الرقابة على الطب معدومة، وحيث أخلاق المهنة أيضا معدومة عند قلة من الأطباء، أن يقال لمريض إنه بحاجة الى جراحة عاجلة لاستئصال الطحال او المرارة ثم يكتشف المريض بعدها بسنوات أنه فقد إحدى كليتيه.
الأخطاء في الطب واردة لأن الأطباء بشر، ولا أظن ان جراحا يتعمد ترك معدات الجراحة في صدر او بطن مريض ما، ولكن، ومع هذا يبقى أن حدوث ذلك دليل استهتار وعدم تقيد بالإجراءات الصحيحة، من جانب الطبيب او الطاقم الفني المساعد له. وفي معظم الدول العربية يفلت الأطباء الذين يرتكبون مخالفات مهنية قاتلة من المساءلة، لأن الأمور عامة فيها «سائبة»، أو لأن المواطن العادي البسيط، لا قيمة له في أنظار القائمين على الأمور، وتباع له سيارات مستوردة غير صالحة للاستخدام وأدوية منتهية الصلاحية. ولا قانون يردع حرامي المال العام ويستطيع صاحب المال والمكانة والشنة والرنة كسر القانون نهارا جهارا ومرارا وتكرارا لأن القانون أصبح حمارا يمتطيه قلة ويوجهونه الى حيث يشاؤون.
في عام 1979 دخلت الألمانية كريستيانا البالغة من العمر 18 سنة، غرفة العمليات لاستئصال الزائدة الدودية، وخرجت من غرفة العمليات وهي ليس «كريستيانا». يعني دخلت المستشفى وهي آنسة وخرجت منه وهي شاب/ رجل/ ذكر. يعني الواحد منا لازم وحتما ولابد ان يطالب بإجراء جرد لمكونات جسمه وإعداد قائمة بها، قبل دخوله العملية الجراحية، ويطلب من الجراح التوقيع على القائمة. وبعد الخروج من غرفة العمليات يتم استدعاء مدقق حسابات طبي للتأكد من أن تلك المكونات لا تزال موجودة ناقصا ما كان لابد من بتره أثناء العملية. بعبارة أخرى يجب على جعفر – مثلا – فور زوال أثر التخدير الذي يسبق العملية أن يتأكد من أنه لم يصبح جيجي. ولكن «تيك إت إيزي»، فما حدث في ما يتعلق بكريستيانا هو أن الجراح انتبه إلى أن مريضته تملك أعضاء تناسلية نسائية ورجالية، فقرر من تلقاء نفسه إلغاء أعضائها الأنثوية، وتحويلها الى رجل. كانت كريستيانا مزودة فعلا بنظام (سيستم) مزدوج. وكان أهلها يعرفون ذلك ولكنهم ظلوا في حيرة من أمرهم لأن أنوثتها كانت شبه كاملة من حيث أن جسمها كان مزودا برحم ومبيضين. وحتى لو كان ما فعله الجراح الألماني صحيحا من وجهة النظر الجراحية، فهو «خطأ» من الناحية المهنية والأخلاقية لكونه لم يستشر المريضة ولا أهلها، واستخدم المقصات والكماشات لتحويل كريستيانا الى كريستيان، ولهذا ألزمته المحكمة بدفع تعويض يقدر بنحو 185 ألف دولار للآنسة سابقا و«الآنس» حاليا كريستيانا/ كريستيان.
وفي رأيي فإنه من الخير لمن يعاني من ازدواجية في العدة التناسلية أن يطالب بالتحول الى «رجل»، ففي كل البلدان والثقافات تعاني المرأة من التمييز ضدها مهما كانت مكتملة الأنوثة والثقافة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك